خارج الحدود

من باريس إلى أمدرمان

فيفيان الأديبة ڤيڤيان ياجي

د. مكي بشير البدري
قبل ما يزيد على الثلاثين عاما، قادتني خطاي إلى كلية الآداب بجامعة الخرطوم لتبدأ رحلة دراسة للغة الفرنسية، ورحلات أخرى قادتني إلى مجالات ومناطق شتى حول العالم، وتلك قصص أخرى لعلها تجد طريقها يوما ما إلى المدائن وقرائها. ومنذ أيامي الأولي، كنت أرى في مكتبة شعبة اللغة الفرنسية سيدة أوروبية الملامح، ترتدي الثوب السوداني الأبيض، وتتحدث العربية بلكنة فرنسية واضحة. فكانت تجلس صمت، غير عابئة بلغط الطلاب من حولها، تكتب وتنقب في المراجع، إلا عندما يطرح عليها أحد أولئك الطلاب سؤالا، فترد عليهم بلطف وتشرح لها بتأن، ثم تعود إلى ما كانت تعمل فيه. ومع مرور السنوات عرفتها عن قرب، ودرست على يديها، كما أشرفت على البحث الذي أعددته للتخرج من الجامعة عن القصة القصيرة في السودان. وفي أثناء لقاءاتي بها، كنت أسألها عن حياتها وقصتها ودراساتها، فعرفت عنها الكثير عنها، وقد قادني ذلك للتعريف بها في مقال نشرته بإحدى الصحف السودانية، ثم توسعت في ذلك المقال ليصبح كتابا صدر عن در مدارك للنشر في عام 2018 بعنوان “من باريس إلى أمدرمان، فيفيان أمينة ياجي: حياتها وأعمالها”.
وقد تناولت في الجزء الأول من الكتاب، حياتها، منذ ميلاد الطفلة فيفيان غوغيه، بمدينة لاروشيل الفرنسية، ورحلتها في الحياة والبحث، وما مرت به شك وجودي، قادها إلى التساؤل والبحث في الفلسفات والأديان، وانتهى بها إلى اكتشاف الإسلام واعتناقه. واختارت الطالبة فيفيان دراسة اللغة العربية، لتعميق معرفتها بالدين الذي اختارته، وهناك قادتها الصدفة للتعرف بطالب الدكتوراه السوداني، محمد أحمد ياجي. وبعد فترة من الزمالة والصداقة تحولت إلى حب وزواج، اصطحبت زوجها إلى بلده، الذي أسرها أهله باستقبالهم لها واعتبارها واحدة منهم، فآلت على نفسها أن تظل وفية لهذا الشعب وأن تبذل حياتها للتعريف به. وقادتها ظروف عمل زوجها في الميدان الدبلوماسي إلى السفر معه حول العالم، ثم العودة إلى السودان الذي استقرت فيه حتى وفاتها.
وخلال حياتها، ظلت تبحث وتكتب عن كل ما يثير اهتمامها، خاصة فيما يتعلق بالإسلام والسودان والتاريخ والأدب. وتناول الجزء الثاني من الكتاب تلك الأعمال التي شملت، ضمن أعمال أخرى، رسالة للدكتوراه عن الزعيم السوداني الخليفة عبد الله، وكتبا ومقالات عن شخصيات سودانية تاريخية، وترجمة لكتاب نعوم شقير عن تاريخ السودان وجغرافيته إلى الفرنسية، وكتبت كذلك عن سير بعض الصحابة والصحابيات وقادة الدولة الإسلامية، وعن المسرح السوداني والحكايات الشعبية السودانية (الأحاجي)، والأدب الفرنسي والأدب الأفريقي الناطق بالفرنسية.
هذه لمحة عن الكتاب ومحتوياته علها تعطي فكرة مجملة عنه وعن الدكتورة فيفيان ياجي وقصة حياتها وأعمالها التي تستحق الوقوف عندها وعرضها بمزيد من التحليل والعمق، ووضعها في سياقها التاريخي والعالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق