ثقافة وفن

حوار مع جمال على الحلاق

الجيل القادم سيكون أكثر قدرة فى قراءة التاريخ المسكوت عنه وأكثر جرأة فى طرح ما يراه هو وليس ما يملى عليه

«فى الأديان القديمة كانت علاقة الإنسان بالكون هامشية لذلك كانت الأديان أرضية بحته أي أنها دارت فى نطاق الأخلاق والعلاقات الإجتماعية وهو ما يطلق عليه آنشتاين الأديان الأخلاقية .. أما الآن ومع فتح الكون بمساحاته الهائلة تم عزل الدين الأخلاقىي عن الدين العلمي أى أصبح الدين الأخلاقي فى مرحلة بدائية إزاء المعرفة العلمية المتنامية « آنيشتاين» فى هذا الخط يسير ضيف حوارنا  فى تجربته الذاتية الخاصة جدا بحثا عن إلهه إنه صاحب قلق المنفتح والباحث عن الآلهه فى مطبخ التاريخ والعاشق لبوح السرد إنه جمال على الحلاق المتحفظ جدا فى حواراته ابن مدينة الحرية الثانية فى عاصمة الثقافة وعقل المشرق بغداد ولد فى 30/4/1966 فى عام 1969 هاجرت عائلته للسكن فى قرية الزهيرات فى محافظة «ديالى «وبقى فيها إلى عام 1992عندما عاد مهاجرا إلى بغداد ليسكن بها حتى لحظة خروجه منها بجواز سفر تحت اسم مستعار « جاسم لطيف جواد ، أقام فى الفترة مابين 2001-2005 فى جيل القصور فى عمان عاصمة الأردن حتى انتقل إلى مدينة سدني بإستراليا حتى الآن له العديد من المؤلفات منها آلهة فى مطبخ التاريخ ، مسلمة الحنفى ، فن الإصغاء للذات ، بوح السرد يرى الحلاق أننا الجيل الأخير المتبقي من عالم ما قبل الإنفتاح وسوف تعبرنا اللحظة الراهنة بجيل جديد سيلج عالم الحداثة من ثقب قوقعتنا ، ويؤكد أننا تنقصنا تجربة نقد الذات ثم نقد الدين وهما مهمتان لتشكل أي هوية إجتماعية ، يرى المثقف هو الذى يتطابق فكرا وسلوكا ، وأن الدهشة والإنبهار وتحسس الجمال فى العالم هى طقوس التدين الذى يغويه على التساؤل والتفكير وإلى نص الحوار :

أجرى الحوار:جيهان خليفة

< العقل العربي عقل « قانع « متماهي في المجموع ، يعيش خارج ذاته ، وذلك أحد أسباب ثبوتية ذلك العقل … برأيك ما الكيفية التي بها نستطيع إعادته للوعي بذاته ؟

> بدءاً ، القناعة ابنة التحجيم والقمع ، فيها نكوص وتخاذل ، وقديما قال ابن سبعين : « أعوذ بالله من عقل يقنع « ، ينبغي مواجهة الحقيقة كما هي ، القناعة إنحناء وقبول بالترويض والتدجين ، وليس من السهل إحداث تغيير جذري في بنية العقل القانع في اللحظة الراهنة – ولا حتى في محاولة إطلاق سراحه – إن لم يتم بدءاً تغيير المنهج التعليمي الذي ينهض عليه بناء وعي طلّاب المراحل الدراسية الأولى ( الابتدائية/ المتوسطة / الإعدادية ) .

من المضحك المبكي أنّنا نعمل على تمييز وتكريس الطالب الذي يمتلك قدرة كبيرة على الحفظ والاستنساخ التام باعتباره الطالب الأكثر ذكاءً ، علينا أن ننتبه الى أنّ المنهج التعليمي المتاح لا يؤسّس يقظة وانتباهاً ، ولا يبني موهبة التساؤل والتفكير ، المنهج التعليمي لا ينتج عقولا مفكّرة ، بل ينتج ببّغاوات تمتلك قدرة هائلة على ترديد كلّ ما يقال لها .

نحتاج الى منهج تعليمي غايته أن يُعلِّم الطالبَ كيف يُفَكِّر وليس كيف يكرّر ما يقال له ،يعلّمه البحث عن نقاط الضعف داخل كلّ رأي ، ليس من أجل هدم الرأي ، بل من أجل منحه طاقة على الإنتباه لما غفل عنه .نحتاج إلى منهج تعليمي يُنَمِّي اعتزاز الطالب بخصوصيّته،وفي الوقت ذاته أن يحترم خصوصيّة الآخر.نحتاج الى منهج  يجعل الطالب لا يتردّد في طرح أسئلة تتجاوز الخطوط الحمر ،أسئلة تُربِكُ معرفة الأستاذ، بل تدفع الأستاذ الى التفكير أيضا . طرح السؤال ليس إشارة إلى غباء الطالب ، بل هو جرأة على فتح نافذة للطلبة الآخرين بأن ينتبهوا أكثر ، وأن يفهموا بشكل أدقّ ، وأن يمتلكوا الجرأة على طرح أسئلة أخرى .

< يقولون أن حركة التاريخ حركة ديالكتيكية بحتة لا تعرف القفز على المراحل ، فهل أخطأ خطاب النهضة العربي عندما حاول القفز على سؤال النقد الديني متجاوزه …ممّا كان سببا فيما نعانيه الآن من مأزق الحداثة ؟

> أفرح كثيراً عندما ألتقي شخصاً يشبهني في قلقي في البحث عن الحقيقة كما هي ، وفي نفس الوقت لا يتطابق معي معرفيا، لأنّ ذلك يعني إمكانية إدارة حوار له القدرة على انتشالنا ممّا نحن فيه والسمو بقلقنا معا .القَلَقُ هنا بدلالة الطمأنينة إزاء نقص المعرفة التي نمتلك ، النقص الذي يقف حافزاً ودافعاً الى البحث والتنقيب .النقص المعرفي يجرّني من ياقتي لأصغي بحبّ وفرح لكلّ تجربة معرفية ذات رؤية جديدة ،أو مغايرة لما أعرف .

أزمة خطاب النهضة – في العراق نموذجاً – أنّه خرج من يقينٍ الى يقين آخر ، وهذا ما يمكن أن أطلق عليه ( أزمة العقل التلقيني ) ، لقد أثبتت التجربة الاجتماعية أنّ التلقين ينتج عقلا أحاديّاً متطرّفاً ، سواء أكان المُلَقِّنُ شرقا أو غربا ، لأنّ المُلّقَّن سينظر للآخر المختلف كتهديد مستمر ، من هنا كانت مذابح الشيوعيين والبعثيين في العراق في الستّينيات والسبعينيّات من القرن الماضي ، هذه المذابح كانت العامل الرئيس في تفريغ الساحة من سؤال نقد الذات ، وبالتالي ساهم كلّ ذلك في صعود الحسّ العُرفي والديني وانكماش الحسّ المدني ، أريد أن أقول تعوزنا تجربة نقد الذات وليس نقد الدين فقط . نقد الذات – ومن ثمّ نقد الدين – بدايتان مهمّتان لتشكّل هويّة اجتماعية خاصّة تنمو بشكل طبيعي .

< نقد الدين مقدّمة لكلّ نقد ، من وجهة نظرك بأيّ كيفية يمكن لنا استخدامها للبدء ؟

> السؤال هنا هو :هل يمكن للنخب المنفتحة أن تستلم قيادة الشارع ؟ وقبل أن أجيب على ذلك أحبّ أن أنبّه إلى أنّ كلّ معرفة هي سلطة بحدّ ذاتها، وبالتالي فالمعرفة تمارس حضورها الإجتماعي حتى وإن كانت لا تمتلك زمام السلطة السياسية ،كما إنّ السؤال المُنْفَتِح – في جوهره – ذو طبيعة تحريضيّة فهو يمتلك القدرة على الغواية ، وبالتالي فإنّه يخترق الحُجُبَ الكونكريتيّة ، أو ما يُطلق عليه مفهوم (المساكتة ).ينبغي التنويه الى أنّ النقد لا يُقصد به الهدم، وانّما كشف نقاط الضعف والأسباب التي تقف وراء ذلك .

كان السؤال المعرفي يُقْمَعُ بالمساكتة والوأد ، على سبيل المثال : وصلت إلينا معلومة تفيد بأنّ ابن الراوندي، الذي عاش ما بين ( 210 – 294 ه ) كان قد ألّف ( 114 ) كتابا ، ولكن تحت فعل ( المساكتة )التي أحاطت به لم يصل من هذه الكتب سوى عبارات قليلة وردت في كتاب للردّ عليه بعد اتهامه باليهودية والإلحاد فقط لأنّه تجرّأ على طرح أسئلة تثير إنتباهات خطيرة خارج نطاق المقدّس، ولا أشكّ في أنّ هناك آخرين تجرّأوا على طرح السؤال المعرفي فسقطت أسماؤهم وأسئلتهم من الذاكرة البشرية .

لقد كانت عملية تكميم الأفواه وتحجيم السؤال ممكنةً قبل انفتاح وسائل الإتصال ، أمّا الآن فللسؤال المعرفي قدرة اختراقالأبواب المغلقة . السؤال المعرفي ينهض على تجربة فرديّة ،قد يبدو في الظاهر أنّه ينمو ببطء ، لكنّه – وإنّ كان نتاجاً فرديّاً – ينمووينتشر بفعل انفتاح وسائل الاتصال .

< من وجهة نظرك هل يعاني الإيمان والمؤمنين أزمة ؟ولماذا ؟

> ماذا نقصد بالإيمان هنا ؟ هل هو الإعتقاد ،أم توريث ونقل الإعتقاد عبر التلقين– كمعرفة حياتيّة وسلوك إجتماعي- من جيل لآخر ؟علينا أن ننتبه هنا الى أنّ العالم البشري في اللحظة الراهنة دخل لحظة تاريخية فيها من التراكم المعرفي السريع ما يجعل ولادة ( الشيء / الفكرة ) ملتصقة أو تكاد بزوالها،المعرفة البشرية الحديثة لا ترسخ طويلا ، بل يتم تجاوزها بمعرفة أحدث في وقت قصير ، الجهاز التقني الجديد يتم تجاوزه بجهاز أكثر تقنية وأرقى خلال مدّة زمنية تتقلّص مع نمو المعرفة ، لكلّ لحظة تاريخية أسئلتها الوجودية ، نحن الآن في لحظة اختزال المسافات ( زمانا ومكانا ) عبر وسائل الاتصال . الكائن البشري بشكل عام هو ابن الكوكب وليس ابن قرية أو مدينة ،لقد تغيّرت خارطة العالم – الذي ولدنا فيه – ونشأت خرائط أخرى ، وفي لحظة قادمة ستحل خرائط شركات الرأسمال العالمي الجديد محل البلدان والمدن ، المعرفة المتحرّكة تمنحنا – مع كلّ خطوة نخطوها – حواسّاً جديدة ، على عكس التلقين الذي يقوم على سلب الحواس أصلاً .

يمكنني القول بلا تردّد : ربّما نكون نحن الجيل الأخير المتبقّي من عالم ما قبل الانفتاح ، وأنّ البلدان كمجتمعات، أو حتى الأشخاص – على الصعيد الفردي – الذين تقوقعوا داخل انغلاقهم سرعان ما سوف تعبرهم اللحظة ويولد جيل آخر سيبحث عن كلّ مسامة في جدران التقوقع ليتّصل بالعالم البشري الحديث.

< في كتابك « فن الاصغاء للذات « ترى العقل المنفتح دائما قلقا .. لماذا ؟

> المُنْفَتِح صفة كائنٍ بشري مُتَطَلِّب ٍللمعرفة ،كائن لا يقنع بالوقوف عند حدّ ، على العكس تماماً ، المعرفة لديه نافذة تدفعه للخروج ، لأنّه يبحث داخل كلّ معرفة عن الأسئلة التي تكشف ضيق المعرفة ذاتها ومنتهاها .قلق المُنْفَتِح رتبة في الوعي ترى الإنسان طفلا يلهو بالرمل على ساحل بحر هائل .المُنْفَتِح يتابع بقلق – لكن بشغف أيضا – انتفاخ بالون الكون ، ويغوص – بالقلق والشغف ذاته – الى أعماق الخليّة ليلتصق باللبنة التي يتأسّس منها وعليها كلّ جين وراثي . القَلَقُ هنا ذو طبيعة إيجابية ، لأنّ صاحبه يخشى أن يكون مُغَفَّلاً ، بل القَلَقُ طمأنينة المُنْفَتِح ، لقد حدّد الفلكيّون امتداد تأثير الرياح الشمسيّة بكُرَةٍ قطرها 36 مليار كم ، تلك هي حدود غرفتنا الضيّقة داخل مجرّة ( درب التبانة ) ، بين ضخامة لا متناهية وضآلة لا متناهية يهيم المُنْفَتِح منتشياً بكلّ علامات إستفهامه التي تواصل قرع أجراسها وكأنّها إحتفال لا منتهٍ أيضا . أتحدّث عن الإنسان المُنْفَتِح كنوع ينتشر على الكوكب رغم جبروت الجهل الذي يهيمن هنا وهناك .

< في مقدمة كتابك « مسلمة الحنفي « تقول إن التواني عن عدم الخوض في المسكوت عنه عربيا واسلاميا هو عين خيانة ليس بحق الباحث ، إنما خيانة بحق كل منهج بحثي ومعرفي ، ما الذي دعاك الى الجزم بذلك ؟  وهل لك أن توضح لنا رؤيتك وتذكر لنا بعضا من ذاك المسكوت عنه ؟

> حتى تكون الإجابة أكثر دقّة أقتطع عبارة مقدّمة الكتاب كما هي لأنّها تحتوي على الإجابة أيضا : « إنّ التردّد والخوف في الإقتراب من الحقائق التاريخية المسكوت عنها هو بحدّ ذاته خيانة لوجود ذات الباحث في العالم ، قبل أن يكون خيانة لمنهج البحث والمعرفة ، كما إنّ التسليم بالتحريم يعني مباشرة أنّه لا مجال للتغيير الاجتماعي ، وأنّ الأفراد سيظلّون في منظومة معرفية واحدة تكرّر استنساخ كيانها عبر آليّة التحريم ذاتها ، أي أنّ الكلّ فائض ، ولا تبرير لوجوده على الإطلاق « .السؤال هنا هو :هل نحن في الأصل نبحث حقّاً لنصل الى ما يمكن أن يكون حقيقة كامنة أو حقيقة مهربّة ( سواء أكانت داخل النصّ المقدّس أو داخل النصوص التاريخية) ،أم أنّنا لا نقوم إلا بترديد النصّ أو النصوص كما هي ؟ الإجابة هنا ستحدّد آلية اشتغال المنهج المتّبع في البحث ، سواء أكان دافعا للتساؤل والتفكّر ، أم دافعا الى الحفظ والترديد فقط. ولننتبه هنا إلى بعض الأحاديث التي تسيّج العقل الديني بشكل عام مثل : « كونوا بُلْهاً كالحمام « ، أو مثل دعاء الصحابة الأوائل بعضهم لبعض : « أقلّ الله فطنتك « ، هذه الأحاديث تكشف حسّ الخوف من السؤال ومن التفكير ، بل حتى من الإنتباه . إنّها تطلب من أتباعها أن يكونوا غافلين ،وبلا ذاكرة أيضا .

وقلت « العقل الديني « ولم أخصّص دينا بعينه لأنّ الأديان في الجوهر ذات طبيعة قامعة واحدة تشترك في عملية وأد السؤال المعرفي .

< برأيك هل أخطأ خطاب النهضة العربية في قراءته للمبادئ التي قام عليها فكر فلسفة الانوار .. بمعنى ان النواة المركزية لفكر الانوار كانت اللادينية في حين كانت كل محاولاتنا هي إيجاد حلول وسطى بين الدين والحداثة ؟

> يمكنني القول صراحةً :أنّني كائنٌ لا ديني ، وأرى أن الدين – أيّ دين – يُقْرَأ بطريقة غبيّة في كلّ مكان ، لقد تمّ ويتمّ تضييقه كطقوسٍ محدّدة وفرائض واجبة ، وهذه لُعَبٌ سياسيّة بحتة ، قد تجلّى ذلك بشكل مقزّز عندما نزلت الأديان بطوائفها كأحزاب سياسية متناحرةعلى السلطة هنا وهناك على الأرض .

السياسة دينٌ ضدّ التديّن ،وأنا- بصراحة تامّة – كائن ٌلا ديني ، لكنّني متديّن جدّاً ، لأنّني أشعر بالدهشة كلّما أوغلتُ في قراءة الكون ، متديّنٌ لأنّني أتحسّس الجمال في كلّ شيء ، ولا أتردّد في أن أعلن انبهاري بذلك ، بل أبكي كطفل إزاء أيّ مشهد جميل . أقول صراحة :جسدي معبدي ، والدهشة والإنبهار وتحسّس الجمال في العالم هي طقوس التديّن الذي يغويني على التساؤل والتفكير محاولة في كشف غموض ما لا أعرف .

الأحزاب الدينيّة ليست أكثر من مكاتب تجاريّة بليدة ، لأنّها تتاجر بأخصّ ما يمكن أن يشعر به الإنسان .التديّن إحساس بخصوصيّة هائلة ، إنّه التصاق الإنسان – كفرد – بالحبل السرّي للكون .

< لماذا حتى الآن لم نتجاوز مفارقة محمد عبدة والأفغاني اللتين أصبحتا جزءا من التراث ؟

> محاولة تهذيب الدين هي لعبة سياسية أيضا ، ولكنّها مهمة حقّاً ، لأنّها تكرّس الانتباه إلى نقاط ما يمكن أن نسمّيه الانفتاح على الآخر داخل النصوص ، مثل قوله : « لكم دينكم ولي ديني « ( الكافرون : 6 )التي قيلت في لحظة ضعف ، فلما أمتلك القوّة استبدلها بقوله : « واقتلوهم حيث ثقفتموهم «( البقرة : 191 ) ، علينا أن نبتعد عن اللعب بأرجوحة ضعف الإله وقوّته ، والتي هي انعكاس لضعف وقوّة أتباع ديانته ، وأعلم أنّ الانفتاح على الآخر يحتاج الى قوّة وليس الى ضعف ، الإنفتاح قوّة بحدّ ذاته ، لأنّه توسيع للحركة والنظر والفهم ، وهذا الفهم كتجربة حياتيّة ينبغي التأسيس له منذ الطفولة ، وأراني أعود هنا مرة أخرى إلى تأكيد ضرورة وجود منهج تعليمي يدعو إلى الانفتاح على الآخر في المراحل الدراسية الأولى .

< يقولون أن ولوج عالم الحداثة يدخل المثقف في أزمة ضمير ، فهل تعاني أستاذ جمال من أزمة ضمير ؟

وكيف يستطيع المثقف إنهاء ذلك الصراع الداخلي؟

ومن وجهة نظرك ما هي أزمة المثقف العربي ؟

ولماذا تأثيره على الواقع يكاد يكون معدوما ؟

> يبدو السؤال متشظّيا الى أكثر من مستوى ، لكن علينا أن نتّفق بدءاً على أنّ الثقافة سلوك يومي فردي / إجتماعي ، وأنّ المثقّف هو الذي يتطابق فكراً وسلوكاً ، الثقافةلا يمكن تعريفها بماذا تعرف ، بل كيف تعيش ؟ علينا أن نعيد قراءة شذرة هيرقليطس : « نحن لا ننزل الى النهر مرّتين « ، بأنّ الحياة واحدة ، وأنّ كلّ لحظة تمرّ فيها – أو منها – هي هويّة بحدّ ذاتها ، ولأنّ وجود الفرد في الحياة هي فرصته الوحيدة في الكشف عن ذاته فمن الجبن أن يتنازل عن وجوده تحت أيّ شعار كان .

أمّا لماذا يبدو تأثير المثقّف على الصعيد الاجتماعي محدودا ، فذاك لأنّ الوعي ( الفردي / الجمعي ) لا يحدث صدفة ، لكنّه يتشكّل كلمة كلمة وعبارة عبارة ، الوعي زمن يتراكم ، وبالتأكيد فإنّنا لا نبني البيت من السطح ، ومع هذا أشعر أنّ وسائل الاتصال ساهمت وتساهم في توسيع دائرة السؤال المعرفي بشكل يومي ، الجيل القادم سيكون أكثر قدرة في قراءة التاريخ المسكوت عنه، وأكثر جرأة في طرح ما يراه هو وليس ما قيل له .

< تساؤل شكيب أرسلان : « لماذا تقدم الآخرون وتأخرنا نحن « من وجهة نظرك لماذا ؟

> يمكنني الاجابة بكلّ بساطة :الخوف من طرح السؤال المعرفي- وبالتحديد ( السؤال / الأرَضَة ) الذي ينخر بنية العقل الموروث – والانشغال بدلاً من ذلك بما يجعل البصر والبصيرة يتّجهان بعيدا عن رؤية ضيق وبؤس المحيط الاجتماعي ، إنّ حالة اليأس الناتج عن القمع النفسي والثقافي المتراكم – سواء أكان قمعا حكوميا أو مجتمعيا أو عائليا –يقود إلى الانشغال عن الحياة بما وراءها ، وبدلا من أن يكون الإنسان خالقاً للجنّة على الأرض نراه يغرق في حلم دخولها بعد الموت .

< هل كان لعهد الدولة الوطنية والقومية دور كبير في إطفاء جذوة الفكر الحر لدينا ؟

> وفق التجربة العراقية في ما بعد سقوط الحكم الملكي عام ( 1958 ) ، يمكنني القول أنّ المذابح التي ارتكبها الشيوعيون والقوميّون تجاه بعضهم البعض ، وكذلك الحروب العقيمة التي أدخلنا فيها نظام دكتاتوري قمعي طيلة العقدين الأخيرين من القرن الماضي كانت الطامّة الكبرى لتفريغ الساحة من عناصر أيّ وعي فاعل ، وأمام انكسارات متتالية ، وأمام قمع لم يترك للشارع المقموع من نافذة سوى الاتكاء على الغيبيّات ، ذاك أنّ اليأس يقود الإنسان الى التخاذل ، فيساهم بشكل أو بآخر في صعود الحسّ الديني بطريقة إنفجاريّة . الشارع الديني شارع يائس من أيّ حلِّ إجتماعي يمكن أن تقدّمه الحياة السياسية ،إنّ الشارع الديني ميّتٌ ينتظر الآخرة التي لا تعيره التفاتاً .

< في إحدى مقالاتك كتبت تقول : « لكي لا تنجر في المجرى العام عليك أن تجد مجرى خاص بك يحميك من الوقوف عاريا أمام ذاتك « ، كيف أوجدت ذلك المجرى الخاص بك ؟

> أن أكون صادقاً في نقل ما أشعربه ، وصادقاً في طرح السؤال الذي يختلجني.لم أتردّد في قراءة أيّ إجابة مختلفة ، ولم أتخاذل في طرح أيّ سؤال مهما كان نافراً ، ولأنّني القارئ الأوّل لكلّ ما أكتب فإنّني أحاكم – حدّ الشعور القرف – كلّ جملة أكتبها ، ولا أنشر بحثاً إلا وأكون قد أشبعت موضوعه تفكيكاً وحفراً وتنقيباً ، وهذا منحني ويمنحني شيئا من الطمأنينة تجاه ما أصل إليه ، ومع هذا فأنا أحبّ وأرحّب بالانتقادات التي تصلني – حتى وإن توّجتني بالحماقة أو بإثارة الغبار -خصوصاً تلك التي تفتح لي نوافذ للبحث لم أكن قد انتبهت لها .

< لقد مر وقت طويل على الفجر وإلى الآن لم يعلن أحد أنّه رأى الشمس « ، أيّ شمس تقصد أستاذ جمال ؟

> شمس الكائن المُنْفَتِح الذي لا تعنيه إشارات المنع والتحريم وعدم الجواز ، الذي يرى الكوكب خليّة نحلٍ واحدة ، هذا الكائن الإيثاري الذي لا يزال بذرة رغم أنّه وُجِدَ على الأرض منذ أزمنة بعيدة حقّاً ، أقول : برغم انطفاء الضوء في عينيه رأى ( أبو العلاء المعرّي ) ذلك في قوله :

الناس للناس من بدو وحاضرة

بعض لبعض وإن لم يشعروا خدمُ

وحين قال أيضا :

فلا هَطَلَتْ عليّ ولا بأرضي

سحائب ليس تنتظم البلادا

< ما تحليلك لما نعانيه اليوم في عالمنا العربي والإسلامي ؟

وكيف لنا الخروج من ذلك ؟

>التناحر على السلطة بلا برامج إجتماعية أو حتى سياسيّة ، والإنفراد بالسلطة وغلق الباب والنوافذ التي تدعو الى المشاركة ، كلّ ذلك يساهم في تقلّص خيمة الدولة ، وبالتالي تفاقم الشعور بعدم الطمأنينة وفقدان الأمل والأمان . عندما يعجز القانون المدني عن حماية المواطن فإنّه يدفع به للهجرة ، أو مواصلة الإقامة والبحث عن مظلّة أخرى حتى ولو كانت وهماً غيبيّاً ، أو عُرفاً إجتماعيا ضيّقا . عندما ينهار القانون المدني يصعد الشرع الديني أو العرف العشائري وكلاهما نتاج أزمنة قديمة .

كيف نخرج من ذلك ؟ بدءاً ،الكلّ بحاجة إلى تعلّم ثقافة الحوار ، وعلينا أن ننتبه الى أنّ فنّ الإصغاء للآخر لا يتحقّق الا إذا تعلّمنا فنّ الإصغاء للذات بدءاً . أن نصغي فهذا يعني أن تهدأ أصواتنا أثناء الكلام ، فيتكثّف إننتباهنا لما نقول نحن ولما نسمع ، وهذا كلّه يبدأ من تغيير المنهج التعليمي للمراحل الدراسية الأولى ، نحتاج إلأى أكثر من جيل لنصل إلى ذلك ، أو على الأقل أن يكون لنا أمل في الوصول .

< في كتابك « آلهة في مطبخ التاريخ « تقول : « علمتني تجربتي الذاتية أن الاله كموجود ذهني يحب أن يتخفّى ، وأنّه يتمثّل دائما وفق تصوّرنا له ، أي أنّه لا يبتعد كثيرا عن مستوى وعينا لوجودنا في العالم « ، هل لك أن تحدثنا عن إلهك كيف تتصوّره ؟

وهل بحثك عنه أوصلك إليه ؟

> يمكنني الإستعانةهنا بعبارة الحلّاج الهائلة : « مَن وَحَّد فقد كَفَر « ، ظاهر العبارة فيه تناقض كبير ، فكأنّه يدعو لأكثر من إله ، إلا أنّ الحقيقة غير ذلك تماما ، إنّها رتبة من المعرفة تقول صراحة : لا تضع إلهك في قالب ، أو لا تحجّم إلهك . إذا كان الإنسان بحدّ ذاته ينفر من القيد والتحجيم فكيف يجيز لنفسه أن يُكَبّل إلهه . الحلاج هنا يحاول إطلاق سراح الإله من المنظومة المعرفية التي توغل في التضييق عليه .

بالنسبة لي ، الكون – كوجود – ليس نافذة لإثبات وجود إله ، والعدم معرفة لم نصل إليها بعد .

< حدثنا عن قراءاتك التاريخية لسورة الفاتحة ؟

> هذا ليس سؤالا بل فخّاً ، لقد أوضحت ذلك في كتابي ( آلهة في مطبخ التاريخ ) ، لكنّني أستطيع القول هنا أنّ قراءتي لتاريخ سورة الفاتحة جعلتني أتوصّل الى أنّ فترة إنتاج النصوص المقدّسة – التي تمّ جمعها وتدوينها في زمن الخليفة الثالث ( عثمان بن عفّان )- تمتد لأكثر من ثلاثة وعشرين عاما كما هو متّفق عليه مؤسّساتيّاً ، عمليّة إنتاج سورة الفاتحة لوحدها – كوعي حنيفي – إستغرقت جيلين من التجربة الحنيفيّة في شبه الجزيرة العربية حتى أصبحت بالصورة التي تمّ تدوينها بها في المصحف ، وقد أثبت لي البحث والتنقيب في النصوص الإسلامية أنّ السورة تبنّت التوحيد بحسب تجربة الجيل الأوّل من الأحناف في الحجاز( مكّة – الطائف – يثرب ) ، الجيل الذي سبق النبوّة ، وكانت تجربة الحنيفي القريشي ( زيد بن عمرو بن نفيل ) هي المثال المتّبع لحظتها عند أحناف الحجاز، أمّا الجيل الثاني من الأحناف فقد بادر في جمع تجربة أحناف ( نجد واليمن ) إلى تجربة أحناف ( الحجاز ) في نصًّ واحد ، أي تمّت أضافةإسم ( الرحمن )إله أحناف ( نجد واليمن ) الى إسم ( الله ) إله الحجازيّين ، علما أنّ سورة الفاتحة تشير الى التوحيد ولا تشير الى النبوّة، وهذه دلالة على أنّها نتاج مرحلة ما قبل النبوّة .

< أخيرا ، ماذا تعني لك القرية ، بغداد في الماضي والحاضر ، سيدني ، المنفى الإختياري ؟

> أقرأ تجربتي الحياتية باعتبارها مجاز معرفي هائل، أن أولد في العاصمة بغداد ، وأن أقضي طفولتي حتى البلوغ والنضج في قرية الزهيرات ، وكأنّها رحلة هائلة في الاقتراب من تشكّل ونمو الوعي والمعرفة ، فالعاصمة لحظة تدوينيه ، بينما القرية لحظة شفاهيّة ، العاصمة راهنٌ مكتظ بأسئلة نافرة ، والقرية ماضٍ منغلق على إجابات منتهية ، شفاهيّة القرية على اتّساع قصصها تظلّ تتكئ على ذاكرة فردية تقيم مُحاصَرَة ومُهدَّدة بالنسيان والخرف ، فهي تأريخ في حالة تناقص وانكماش مستمرّين ، بينما التدوين في العاصمة – بأيّ شكل كان – يبقى راسخاً وحاضراً في الذاكرة الجمعية . الخروج من القرية كان خروجاً على الشفاهيّة وضيق إجاباتها ، ومع هذا فقد خرجت من القرية في لحظة انتكاس العاصمة نتيجة الحروب العبثية ، في التسعينيات كانت بغداد قرية أيضا ، لكنّها فوق ذلك كانت قرية صلعاء بعد أن تجرّدت من الحدائق . الوصول الى سيدني يبقى وصولاً الى لحظة إنفتاح على الآخر المختلف ، أن ترى أزمنة مختلفة في لحظة راهنة حاضنة .أن تصل الى أنّ الكوكب قرية ، لكنّها قرية لا تكرّر نفسها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق