بدوياتسياسة

هل تفتح «مدرعة باكستانية» الباب أمام صراع إقليمي في السودان؟

محمد بدوي مصطفى

لم تعد صورة مدرعة باكستانية في أحد شوارع الخرطوم مجرد صورة عابرة من صور الحرب السودانية. فظهور مركبات «محافظ» في العاصمة، في سياق التعاون العسكري بين باكستان والقوات المسلحة السودانية، يفتح سؤالا يتجاوز نوع المدرعة وعددها إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي تدخلها الحرب، وما إذا كان وصول سلاح جديد إلى أحد طرفي الصراع يمكن أن يغير موازين القوة، أو يفتح الباب أمام أطراف أخرى للدخول على خط المواجهة.

وكانت وسائل إعلام سودانية وهندية قد رصدت مؤخرا مركبة مصفحة خلال عرض عسكري في شوارع الخرطوم، وأشارت إلى إنها من طراز «محافظ»، الذي تنتجه شركة «هيڤي إندوستري تاكسيلا» الباكستانية. وقد تمّ تطوير هذه المركبات لتلبية احتياجات أمنية وعسكرية، وتوفر حماية من نيران الأسلحة الخفيفة.

لكن أهمية المدرعة لا تكمن في قدرتها وحدها على تغيير مسار حرب بهذا الحجم، بقدر ما تكشف عن نافذة جديدة في سوق السلاح السوداني، وعن شبكة من التحالفات والمصالح التي بدأت تتشكل حول الحرب.

فقد تحدثت تقارير عن تعاون عسكري متزايد بين إسلام آباد والجيش السوداني، وعن صفقة قُدرت بنحو واحد ونصف مليار دولار شملت طائرات ومسيّرات وأنظمة دفاع جوي، قبل أن توضع الصفقة لاحقا قيد التعليق. ومهما يكن مصير الصفقة، فإن مجرد ظهور هذا المسار يكشف أن السودان أصبح بالنسبة لبعض الدول سوق للسلاح. وهل تقف المسألة يا سادتي عند دولة باكستان؟

فالحرب السودانية شهدت منذ بدايتها حضورا خارجيا متزايدا، وتحدثت تقارير عن أدوار روسية وأوكرانية، وشبكات إمداد مرتبطة بأطراف مختلفة، فيما أصبحت دول إقليمية عديدة معنية بما يجري في السودان، سواء بسبب موقعه على البحر الأحمر، أو بسبب الذهب والموارد الطبيعية، أو بسبب موقعه بين أفريقيا والعالم العربي.

ومن هنا يصبح السؤال الملحّ: هل يمكن أن يؤدي الحضور الباكستاني إلى فتح باب جديد أمام التنافس الهندي ـوالباكستاني في السودان؟

على العموم ليس هناك، حتى الآن، ما يكفي للقول إن الخرطوم تحولت إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الهند وباكستان، ومن الأفضل عدم القفز إلى مثل هذا الاستنتاج. بيد أن اتساع التعاون العسكري الباكستاني مع الجيش السوداني يمكن أن يضيف بعدا جديدا إلى حسابات القوى الآسيوية، في منطقة ترتبط بالبحر الأحمر والمحيط الهندي وطرق التجارة الدولية. وهكذا قد يجد السودان نفسه أمام صراعات متقاطعة: تنافس روسي غربي، وحسابات خليجية، ومصالح تركية ومصرية وإيرانية، وتنافس على البحر الأحمر والذهب والموانئ، وربما حسابات آسيوية جديدة والقائمة طويلة.

فالحرب التي بدأت داخل السودان يا سادتي وما تزال نيراهما تضطرم يمكن أن تتحول تدريجيا إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين، ليس بالضرورة من خلال مواجهة مباشرة بين الجيوش الأجنبية، وإنما عبر السلاح والدعم والتمويل والشبكات والوسطاء.

والسلاح، في مثل هذه الحروب، لا يغير موازين القوة فقط، وإنما يغير أيضا حسابات السلام. فعندما يحصل طرف على طائرات أو مسيّرات أو مدرعات جديدة، قد يعتقد أن موازين المعركة يمكن أن تنقلب لصالحه، فيؤجل التفاوض، بينما يبحث الطرف الآخر بدوره عن سلاح جديد، وهكذا تدخل الحرب في دائرة مغلقة يصبح فيها كل طرف أكثر تمسكًا بفكرة الحسم العسكري. وفي النهاية الخاسر هو المواطن السوداني المغلوب على أمره.

فخلف كل صفقة سلاح مدينة مدمرة، وخلف كل معركة أسرة نازحة، وخلف كل طريق عسكري مغلق مريض ينتظر الدواء، وطالب أو طالبة انقطعت دراسته/ا، ومزارع ترك أرضه.

لقد امتدت الحرب من الخرطوم إلى دارفور وكردفان والجزيرة ومناطق أخرى، وتحولت حياة الملايين إلى سلسلة من النزوح والخوف والبحث عن الغذاء والماء والدواء، بينما أصبحت المستشفيات والمدارس والبنية الأساسية في كثير من المناطق عاجزة عن أداء وظائفها الطبيعية.

وهنا لا ينبغي أن نختزل الحرب في عبارة «حرب الإخوان» أو الكيزان – كما يلحو لأهلنا تسميتهم، كما لا ينبغي أن نختزلها في صراع بسيط بين الجيش والدعم السريع.

لقد ترك نظام عمر البشير وراءه دولة مثقلة بإرث طويل من الحروب والانقسامات، ومؤسسات ضعيفة، وشبكات سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة. كما أن قوات الدعم السريع نشأت في عهد البشير وتطورت من منظومة الجنجويد المرتبطة بحرب دارفور إلى قوة عسكرية واقتصادية كبيرة بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي».

وبعد سقوط حكومة البشير عام 2019، فشلت المرحلة الانتقالية في معالجة مسألة تعدد مراكز القوة المسلحة، وظل الخلاف حول دمج الدعم السريع في القوات المسلحة وتوقيت ذلك وشروطه أحد العوامل المباشرة التي سبقت اندلاع الحرب في أبريل 2023.

لذلك فإن ما يجري اليوم هو أزمة دولة قبل أن يكون أزمة سلاح، وهو صراع على مستقبل السودان بقدر ما هو صراع بين قوتين عسكريتين.

أما السؤال: هل تحولت الحرب بالفعل إلى حرب إقليمية؟

فالإجابة تحتاج إلى شيء من التحفظ.

قد لا يكون السودان قد تحول بعد إلى ساحة حرب إقليمية مباشرة، لكن الحرب أصبحت بلا شك ذات أبعاد إقليمية ودولية واضحة. وكلما طال أمدها ازداد حضور الخارج، واتسعت شبكات السلاح والتمويل والتهريب، وأصبح من الصعب الفصل بين ما يجري داخل السودان وما يجري حوله.

وهنا تكمن الخشية من أن يتحول السودان إلى ساحة حروب بالوكالة، بحيث يصبح كل تقدم عسكري لطرف مرتبط بحسابات طرف خارجي، وكل سلاح جديد سبب في البحث عن سلاح مضاد. ونقول لمن في أذنيه وقر: السودان ليس دمية في أيديكم أو لعبة شطرنج.

ليس سوق للسلاح، ولا ممرا للموانئ، ولا منجما للذهب، ولا موقعا لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

إنه وطن كامل، وشعب كامل، ومستقبل ينبغي أن يصنعه السودانيون أنفسهم.

ولهذا فإن مسؤولية السودانيين لا تقل عن مسؤولية الخارج، لأن استمرار الحرب لن يعالج أزمة الدولة، كما أن انتصار طرف عسكري على آخر لن يبني دولة مستقرة إذا بقي السلاح فوق السياسة.

السودان يحتاج إلى دولة واحدة، وجيش وطني واحد، ومؤسسات مهنية، وسلطة مدنية حقيقية، وعدالة انتقالية، ومشروع سياسي يتجاوز القبيلة والجهة والحزب والسلاح.

بالعودة إلى صورة المدرعة الباكستانية في الخرطوم، فإن أهميتها تتجاوز حجمها العسكري، لأنها تذكرنا بأن الحرب السودانية أصبحت تجذب مزيدا من اللاعبين، وأن كل لاعب جديد قد يفتح الباب أمام لاعب آخر. والكرة مستديرة!

وربما لم يعد السؤال الأهم هو: من سينتصر في الحرب؟

بل السؤال الأخطر:

كم من طرف آخر سيدخلها قبل أن تضع أوزارها؟

لقد طال الليل السوداني أكثر مما ينبغي. والسودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الرصاص، وإنما إلى نافذة حقيقية للسلام، قبل أن تتحول الحرب من صراع سوداني إلى صراع إقليمي مفتوح، وقبل أن يصبح الخراب هو اللغة الوحيدة الباقية على ضفاف النيل الخالد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق