ثقافة وفن

حينما ينتقل تشويش الثقافة من الشارع إلى الشاشة

رواد مواقع التواصل الاجتماعي

عبد العزيز المنتاج

وفرت الثورة الرقمية لمواطني اليوم إحدى أهم الوسائل الاتصالية في العصر الحديث، إن لم تكن أهمها على الإطلاق. متيحة للجميع الاتصال والتواصل والتعبير عن الرأي والمشاركة في الشأن العام ، لقد حولت الجماهير إلى كائنات سياسية، تتابع ما يجري وتبدي رأيها في ما يحدث وتشارك في قضاياها المحلية والوطنية. يقول هنري كيسينجر:” إن الثورة في عالم الاتصالات هي الأولى في التاريخ في إيصال هذا العدد الكبير من الأفراد إلى أداة التواصل”. مما يعد امتلاكا لأداة قوة، قد تستغلها الجماهير لصالحها. وقد جاء في إحدى أوراق الاتحاد الأوروبي، المقدمة لمؤتمر القمة العالمي حول مجتمع الإعلام بجنيف، خلال دجنبر 2003 أن” مجتمع الإعلام يفتح للأفراد آفاقا غير مسبوقة في ممارسة بعض حقوقهم الإنسانية الكبرى، سيما الحق في التعبير والإعلام والحقوق الثقافية (…) إنها أدوات رائعة وناجحة لمناهضة الأنظمة الاستبدادية غير الديمقراطية والتي تعمل تقليديا في منأى عن الأعين”. وهو ما عبر عنه مانويل كاستيل قائلا: ” إن الثورة الرقمية قد تساعد على إعادة الاعتبار للمشاركة السياسية وتفعيلها، مما يجعل الفضاءات الجماعية تستعيد الشرعية”. إننا بإزاء حركات اجتماعية جديدة، استطاعت تحريك الجماهير، وقادت ثورات، وأسقطت رؤساء وأنظمة. ولا تزال كل يوم تقود احتجاجات في كل دول العالم، مثل ما يحدث في الجزائر والسودان ولبنان وفرنسا. إن ما يحدث يعيدنا إلى ما عاشته أوربا خلال بداية القرن العشرين، حين برزت حركات اجتماعية، كالدادائية والموقفية والحركة الاجتماعية، وذلك احتجاجا على ما كانت تعيشه أوربا. فهل يمكن القول إننا أمام استمرار لهذه الحركات الاحتجاجية؟ بمعنى هل نحن أمام دادائيين وموقفيين جدد، علما أن بين الحركتين الكثير من نقاط الالتقاء والتقاطع، وخاصة سياق الظهور وأسباب الاحتجاج والأهداف والغايات.

1 ـ الدادائية والموقفية.

الدادائية حركة اجتماعية ظهرت بداية القرن العشرين، تدعو إلى الحرية وتعبر عن انعدام الثقة، وكانت تسمي الحضارة الغربية بحضارة تدمير الذات، يقول بيست  (Best): الدادائية تدعو إلى مقاومة كل أشكال الانفصال، حتى يتمكن الأفراد من إنتاج حياتهم وثقافتهم، وأشكال تفاعلهم الاجتماعية الخاصة مباشرة”. كما كانت تعتمد القص واللصق( الكولاج) والاقتباس لإنتاج وإبداع أشكال تعبيرية ساخرة، تهدف إلى تدمير المعاني وعكسها للصور أو النصوص، بمعنى تشويه المعاني المسلم بها، بالإضافة إلى تجميع معطيات لإنتاج معطيات جديدة، معتمدة نشر أفكارها عبر نشرات سرية أو بالكتابة على الجدران ومحطات الحافلات.

مهدت الدادائية لظهور حركات أخرى كالسيريالية والموقفية والحركة الاجتماعية. والموقفية أيضا حركة احتجاجية أطلقها جي ديبور (Guy Debord)، الفيلسوف والناقد الفرنسي استمرارا لنهج الدادائية، واحتجاجا على الهيمنة وثقافة الاستهلاك. فالواقع، سواء كان سياسيا أو تعليميا أو ترفيهيا، أصبح شكلا من أشكال الاغتراب، مما حول حياة الناس إلى متفرجين في حياتهم ومجتمعاتهم. يقول جي ديبور:” الطريقة الوحيدة لإثارة الجماهير هي فضح التناقض المروع بين هياكل الحياة الممكنة(…)، إن هذا البرنامج في عملية التشكيل سوف يصارع الواقع الحاكم عمليا يوما ما، وأننا سنشارك في هذا التغيير”. والموقفية تعتمد نهج الدادائية نفسه في الثورة على الواقع وتشويه من خلال الكاريكاتير والصور الإباحية وإنتاج أفلام ساخرة، وقص ولصق وإعادة تركيب صور تدعو إلى الهزل وفضح الواقع. يقول ألان تورين:”الحركات الاحتجاجية ترفض الطرق التقليدية من التنظيم والقنوات المؤسسسية، فتأخذ موقفا رافضا للمجتمع ومؤسساته، مما ينتج أزمة عدم ثقة في المؤسسات، كالأحزاب والحكومات والبرلمان”، بمعنى أنها – أي الحركات الاحتجاجية – تسعى إلى إنتاج أشكال بديلة من المشاركة وصنع القرار.

ما يميز هذه الحركات أنها اعتمدت تشويش الثقافة، والسخرية من الواقع ومؤسساته، بكل الأشكال الممكنة، حيث كان أنصارها يلجؤون إلى إفساد اللوحات الإشهارية والإضافة إليها لتغيير معانيها، وتخريب كاميرات المراقبة وصباغة عدساتها، والكتابة والرسم على الجدران في الشوارع العامة، وإصدار أعمال فنية وأغاني تافهة وأحيانا ساخرة. أما أنصارها فكانوا من المغتربين داخل مجتمعاتهم والمهمشين. وقد اعتبر ظهور هذه الحركات عفويا وبشكل غير عقلاني، لكن تورنر (Turner) رد ذلك قائلا:” إنها تولد نتيجة ظهور قيم وقواعد جديدة، يحتشد حولها الناس”. السؤال المطروح، ما علاقة رواد وسائل التواصل الاجتماعي والدادائيون، وما المشترك بينهما؟ وهل يمكن الحديث عن دادائيين جدد، خاصة إذا فهمنا سياق الظهور والأفكار والوسائل والغايات، التي أدت إلى بروز مثل هذه الحركات؟

2 ـ أوجه الالتقاء والتقاطع بين الدادائية والموقفية وحركات رواد المواقع الالكترونية.

أ ـ سياق الظهور:

تقول ليا ليفرو إن تشويش الثقافة قديم، وقد كان منتشرا منذ بدايات القرن العشرين في أوربا وأمريكا، حين كانت تقوم جماعات منظمة في وقت متأخر من الليل، بمهاجمة الملصقات الإشهارية والكتابة عليها كنوع من الاحتجاج  والرفض للسياسات العامة، وخاصة الليبرالية المتوحشة، وسيطرة الاقتصاد على القيم الاجتماعية، وتشجيع الاستهلاك، والسباق نحو التسلح، وتدمير البيئة، والعنصرية وتهميش الإنسان وإغفال حقوقه، لأن ذلك لم تنتج عنه إلا أعراس دامية. فإذا كان هذا الواقع الذي دفع لانتشار الحركات الاجتماعية في أوربا حينها، فإن الوضع نفسه لا تزال تعيشه الإنسانية اليوم، بل ازداد سوءا، وخاصة التوحش الليبرالي واتساع دائرة الفقر، وازدياد مخاطر تدمير البيئة والتلوث والتصحر والاحتباس الحراري، وانتشار المجاعات والأوبئة، والعنصرية والإرهاب، وارتفاع نسبة هدر الإنسان. بمعنى أن العالم لا يزال يعيش نفس ظروف ظهور الحركات الاجتماعية، مع تشابه غريب، يتمثل في ظهورهما معا في نفس الوقت، أي عند بداية كل قرن (1914ـ 2014).

ب  ـ الجمهور :

تشكلت الحركة الدادائية وما تلاها، من حركات اجتماعية، من المهمشين والمغتربين والمهدورين ومعارضي التوجهات العامة. وهم أنفسهم رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين أتاحت لهم الثورة الرقمية وسيلة مكنتهم من الاطلاع والاتصال والتواصل والتعبير والتفاعل، وبالتالي دفعتهم إلى الاهتمام بالقضايا العامة، بمعنى مكنتهم من وسيلة للتعبير والرفض والاحتجاج، وهو ما عبر عنه هاوارد رينغولد بقوله إننا أصبحنا أمام الغوغاء الذكية. وعبر عنه عبد الله الغذامي قائلا: ” إن الاهتمام بالمهمشين ومنحهم فرصة الظهور، هو استدعاء لجيوش من المعارضين والرافضين إلى المشاركة في الرأي العام “. إن ما يوحد بين الحركتين، إن جاز لنا تسميتهما بذلك، أن لهما نفس الأنصار والرواد والأتباع. وأنها جميعها تتغدى على ما يوفره الهامش من أشخاص وجدوا أنفسهم بعيدا عما يجري في مجتمعاتهم، محرومين من خيراتها.

ج ـ الوسائل:

أشرنا إلى أن الدادائيين يشتركون مع رواد التواصل الاجتماعي في نفس الغايات والأهداف، وأنهم معا يحملون هم تغيير الواقع ومقاومته ومجابهته، ولو برفضه وفضحه وكشفه والسخرية منه. الدادائية وباقي الحركات اجتماعية كانت تعتمد تشويش الثقافة وتشويهها، من خلال ما أشرنا إليه سابقا من أفعال. لقد كانوا يهاجمون أهدافهم ليلا، كما كانوا ينشرون خرائط لأهدافهم، ولأماكن وجود كاميرات المراقبة ليتجنبها المواطنون، ويتسللون ليلا لكتابة شعارات ساخرة على الجدران والأماكن العامة، ليطلع عليها أكبر قدر ممكن من الناس. رواد المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي استغنوا عن هذا الوسائل، بعد أن مكنتهم الثورة الرقمية من التسلح بوسائل تقنية تواصلية بديلة، أتاحت لهم خلق مجتمعات شبكية رقمية افتراضية، وامتلاك منصات للنشر والامتداد والتفاعل والتعبير، مع احتفاظهم بإمكانية الاختفاء والتجلي (الليل للدادئيين والهوية الرقمية لهم). الوسيلتان معا تشتركان في النشر والفضح والقص وإعادة التركيب، وتشويه اللوحات والأغاني والأعمال الفنية. مع فارق بسيط أن الدادائيين كانوا يقومون بذلك في الشوارع العامة ليلا، بينما يلجأ رواد المواقع إلى الشاشات، وهو ماعبرت عنه ليا ليفرو قائلة:” ” مع وسائل التواصل الاجتماعي تحول تشويش الثقافة (الاحتجاج) من الشارع إلى الشاشة”. وهو ما عبر عنه كريس آتون بدوره، متحدثا عن الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، بقوله إنه: ” يميل للمعارضة، معارضة، كل ما هو سائد، كما أنه يمثل الأقليات وكل ما هو شعبي ويتجنب كل ما هو رسمي ويسخر منه، معتمدا لغة بديلة وتصوير الواقع كما هو” .

د ـ الغايات:

يعبر نشطاء التواصل الاجتماعي على صفحاتهم عن رفض الواقع، فينشرون كتابات أو صور أو فيديوهات تفضحه وتكشف تناقضاته وتسخر منه. هذه الأفكار ونتيجة لدرجة نفاذيتها الكبيرة، تستطيع تشكيل رأي عام وتوجيهه، والتحكم فيه، وبالتالي تكوين شريحة واسعة من الجماهير الرافضة والغاضبة، كرة الثلج هاته، تتدحرج وفقا لنظرية إليزابيت نيومان ” دوامة الصمت “، ليزداد حجم الرفض والاحتجاج ويتعاظم، ويخرج بعدها من الافتراضي إلى الواقعي. إن غاية الحركتين معا تغيير الواقع، وذلك يبدأ أولا بالتعبير عن الرفض والتجاهل والمقاطعة، في محاولة لسحب الاعتراف بالمؤسسات والانسحاب منها، كنوع من الاحتجاج، وتبادل التجاهل. وهو ما ظهر جليا في الآونة الأخيرة برفض الأحزاب وانتخاب رؤوساء من خارجها، وابتعاد المواطنين عن الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. إن ما يقوم به المواطنون اليوم تجاهل وليس جهلا، وتعبير عن عدم الرضى والرغبة في التغيير. كواحد من أسلحة الضعفاء التي اعتمدها فلاحو أمريكا في بدابة القرن الماضي، ومنها الصمت والتجاهل والتظاهر بالجهل والإيهام بالموافقة والاقتناع، وهو أسلحة تتردد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى نشر الإشاعة واستعمال الرموز والنكتة والسخرية وإعادة تركيب الصور والفيديوهات لقلب المعاني وإعطاء معاني معاكسة. والأمثلة في الواقع المغربي كثيرة، ومنها فيديوهات لرجال سياسة تم تغيير أصواتهم وصورهم وحركاتهم وأقوالهم وتركيبها من جديد، مما أنتج خطابات ساخرة، عميقة وشديدة الثأثير.

3 ـ بعض النماذج من المنشورات من الواقع المغربي.

تعج مواقع التواصل الاجتماعي بالعديد من النماذج التي ينشرها النشطاء المغاربة، ويعبرون من خلالها عن واقعهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وما يميز هذه النماذج أنها تحمل طابعا ساخرا من هذه الأوضاع، وتعبيرا عن السخط الشعبي من الكثير من القرارات. وتحظى الحكومة والبرلمان بالنصيب الأكبر من هذه المنشورات، نذكر منها للتمثيل فقط، نشر فيديوهات لرسوم متحركة تمثل أعضاء الحكومة بعنوان “مدرسة 36” على يوتيوب، الفيديو سجل 2.3 مليون مشاهدة، أما فيديو الحلقة 14 بعنوان “طريق الحبس” فسجل 16 مليون مشاهدة، بينما سجل فيديو الحلقة 16 حول عيد الأضحى حوالي 14مليون مشاهدة.  بالإضافة إلى إطلاق النشطاء لحملة “عاونوا البرلمانيين”، التي انتشرت بعد مطالبة بعض الفرق البرلمانية بالرفع من تعويضات نواب البرلمان.

وهذه بعض نماذج من الصور والمنشورات الساخرة التي تعرف انتشارا مبيرا ، وتبادلا واسعا بين الجماهير المغربية، وتعمل على تشكيل وعي سياسي ، تطبعه المعارضة والرفض والاستنكار والاحتجاج، مما يشكل بوادر تشكل حركات اجتماعية، تنتقل في غالب الأحيان من الافتراضي الى الواقعي.

خاتمة:

يمكن أن نشير في الختام، وفي إطار إسقاطاتنا ومقارنتنا بين الدادائيين القدامى والجدد، إلى نقطة مهمة، وهي أن الحركات الاجتماعية التي شهدتها أوربا وأمريكا بداية القرن العشرين، كانت تعبيرا عن حركات فكرية، سبقتها تنظيرات، وقادتها مدارس وقامات فكرية، تعبيرا عن فشل الحداثة. وأنها استمرت لقرن، ونتجت عنها مدارس وتيارات فلسفية ، بل هناك من يعدها السبب في التوجه العالمي نحو حقوق الإنسان، ومنها حرية التغبير والحق في الإعلام، وهو ما تحقق بالانتقال إلى مجتمع المعلومات، وظهور صحف الشارع، وقيام الثورة الرقمية وثورة المعلومات. بمعنى أن ما نشهده اليوم من مجتمعات شبكية بتعبير مانويل كاستل أو افتراضية أو رقمية، هو نتيجة للحركات الاحتجاجية التي سميت بفكر ما بعد الحداثة. وفي الوقت نفسه استمرار لها. صحيح أنها تساهم في تراجع دور المثقف العضوي الغرامشي، ولا تستند إلى التنظير. لكن في الحقيقة، هذا ما يجعلها أكثر خطورة، خاصة أنها يمكن أن تتحول من الافتراضي إلى الواقعي وتعود إليه، وأنها لا تخضع لقادة، وبالتالي تصدق عليها نظرية غوستاف لوبون حول سيكولوجية الجماهير ونزقيتها ولا عقلانيتها. لهذا لا يسعنا إلا أن نؤكد أننا، وإن اختلفت الوسائل، فإننا نبقى أمام حركة اجتماعية جديدة، بمعنى أمام دادائيين وموقفيين جدد، يتفوقون على أجدادهم بما يملكونه من وسائل، وما يميزهم من انتشار ويطبع صمتهم من خطورة. يقول غوستاف لوبون:”إن دخول الطبقات الشعبية إلى الحياة السياسية وتحولها على طبقات قائدة يمثل أحد الخصائص الأكثر بروزا لعصرنا”. لوبون يتحدث عن عصره، أي بداية القرن العشرين ، ونرى أنه يتحدث بشكل أعمق عن عصرنا الحالي، عصر التحول الحقيقي، وعلى جميع المستويات ، وهو ما عبر عنه مانويل كاستلز بقوله: “إن مجتمعا جديدا في طور البروز، مجتمع يتأسس على الرأسمالية المعلوماتية والثقافة الافتراضية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق