
الصحافي يقرأ التاريخ ولا يكتبه .. و الصحافة هي مسودة لتاريخ مكتوب على عجل
طلحة جبريل
ثمة موجة جديدة في إنتاج البرامج التلفزيونية. يمكن أن نطلق عليه “العودة الى التاريخ” .الزملاء الذين يعملون في القنوات الفضائية، يسمونها “البرامج الوثائقية “.
المنتجون المتعاونون مع مختلف القنوات مشغولون بتوليد أفكار تصلح أن تتحول الى “برنامج وثائقي“.
نعودإلىالتاريخلكينعرفعنهوليسلكينتمسكبه،لكنيبدوأنالتسكععلىأرصفةالتاريخأحياناًأكثرأماناًمنالتزاحمفيوسطمجراهالخطر. أعني “بالتسكع” العودة الى الماضي و“التزاحم” تعني التغطية الآنية، وإنجاز “تحقيقات“.
أقول دائماً إن الصحافي همومه يجب أن تبقى في الحاضر والمستقبل وليس الأمس وما قبله، إذ الصحافي يقرأ التاريخ ولا يكتبه، على الرغم من وجاهة القول الذي مفاده أن الصحافة هي التاريخ مكتوب على عجل.
مشكلتنا مع التاريخ أنه طالما أن الحياة جارية فإنه لم يصل إلى نهايته بعد، حتى نجلس ونكتبه أو نستوعبه دفعة واحدة.
في اعتقادي أن التلفزة ليست الوسيلة المثالية، أوعلى الاقل الأنجع، لمعرفة ما يدور عنا وحولنا،
ظنيأنهاأداةتزويقوليسجهازتوثيق،لكنذلكلايقللتأثيرهعلىقطاعاتواسعة.
ربما يبدو غريباً أن الزملاء في القنوات التلفزية في حالة بحث دائم عن مادة لبرامجهم الوثائقية، في منطقة لا تشكو من قلة التاريخ بل لعل شكواها من كثرة هذا التاريخ .
نقل لي صديق يتسمر ساعات طويلة أمام التلفزة ملاحظة تقول إن القنوات الفضائية راحت تهتم في الفترة الأخيرة بإنجاز برامج وثائقية بسبب غياب “الحدث“، إذ الأخبار مماحكات سياسية، أو أنشطة جمعيات للمجتمع المدني، ووقفات احتجاجية تشارك فيها الوجوه نفسها، وفي بعض الأحيان بهارات خارج السياق، على سبيل المثال أحداث شغب خارج الملاعب.
هل يحدث ذلك بالفعل؟ لاأدري. أنتم ما رأيكم.
قبل مرحلة “الإنفجار التلفزي” مع الفضائيات أو مقاطع الفيدو التي تتكدس على شبكة الإنترنيت ، كانت الحظوة للمجلات الملونة التي تصدر من باريس ولندن قبل أن تندثر .
لاحظوا كيف تغير العالم.
الآن لا يهتم أحد على سبيل المثال بالمجلات، بإستثناء المجلات النسائية، الأصح بالطبع أن نقول مجلات نسوية.
أتذكر أن مجلات لندن وباريس أولت اهتماماً خاصاً بالمغرب. لم يقتصر على مجال معين بل شمل جميع المجالات .
لعلها وجدت في المغرب مادة ممتعة لقرائها. والثابت أن المغرب على جميع المستويات اهتم بتلك المجلات.
كانمعظمالذينعملوافيمطبوعاتالمهجرمناللبنانيين. الراجح أن المدرسة اللبنانية في الصحافة أكثر إحترافية .
اللبنانيون يتميزون بالمثابرة والقدرة على فهم مختلف الأمزجة، على الرغم من “عنجيتهم” أحياناً.
في زمن مضى كان من بين المجلات التي اهتمت بالمغرب مجلتان “الوطن العربي” و“المستقبل” . ركزت “الوطن العربي“أكثر بالجانب السياسي في حين إهتمت “المستقبل” بالجانب الثقافي .
كانت “الوطن العربي” أول مجلة تصدر في المهجر تجري حواراً مع الملك الحسن الثاني. بعد ذلك الحوار الذي جرى في آواخر السبعينيات حظيت المجلة بعناية خاصة داخل الأوساط السياسية المغربية .
بيد انها ستفقد هذا الرصيد عندما نشرت في أواسط الثمانينيات ما أسمته : “وقائع ما جرى خلال لقاء الملك الحسن الثاني مع شيمون بيريز في إفران“. .
غضب يومها الملك الحسن الثاني غضباً شديداً على ما نشر وقرر مقاضاة مدير المجلة وليد أبو ظهر والمراسل الذي يفترض أنه “كتب الوقائع” وهو نكرة يدعى “مرسي النويشي“، كان مراسلاً للمجلة في القاهرة .
كان من الواضح أن الرواية مفبركة. إذ كيف يمكن لمراسل مطبوعة يقيم في القاهرة أن يكتب ” الوقائع الكاملة ” لمحادثات تمت على انفراد في افران .
ركزت مجلة ” المستقبل” على تقديم الأدباء المغاربة للمشرق.
ترددمحررهاالثقافيبولشاؤولعلىالمغربكثيراًوأجرىسلسلةحواراتمعمجموعةمنالأدباءالمغاربة،ثماصدرتلكالحواراتفيكتاب .
انتقد كثيرون ذلك الكتاب على أساس انه ” سلق بيض” كما يقال . أي أنه لم يكن سوى عملية تجميع متعسفة لحوارات سبق نشرها.
أقول الآن إن ما بادرت إليه “المستقبل” كان إيجابياً في بعض جوانبه، إذ جعل الأسماء المغربية معروفة لمحرري الصفحات الثقافية في المشرق.
الآنجاءالإعلامالجديدوالأنترنيتليطويالزمنوالمسافات،ولمتعدهناكحاجةلينتقلمحررمنباريسأولندنإلىالرباطلإجراءحوارمعقصاصأوشاعرأومسرحيأوتشكيلي.
إذ أصبحت للصحافة مواصفات وظروف عمل مختلفة، وتصدرت التلفزة قائمة وسائل الإعلام، وأصبح هاجس الناس “مقاطع الفيديو” على شبكة الانترنيت.
بعد ما أطلق عليه “الربيع العربي” سادت حالة من فقدان الثقة بالنفس ولا مبالاة وإحباط استبدت بجماهير واسعة في المنطقة، نتيجة إحساسها بأنها ليست فقط معزولة عن المشاركة في صنع القرار، وإنما هي معزولة أيضاً عن المعلومات والأخبار الحقيقية.. ماذا كانت النتيجة ؟ ترتب على ذلك أن الجماهير، ولا أقول الناس، لان لفظة “جماهير” هي التي ترتبط بالعمل السياسي، أسلمت نفسها مضطرة الى أجهزة التلفزيون، تبدد فيها جزءً كبيراً من الأمسيات والليالي، واحياناً حتى النهارات. يحمل كل شخص جهاز تحكم من بعد ويتنقل من قناة الى اخرى، وفي ظنه أنه بذلك يجوب العالم، ويعرف ما يجري فيه وما يدور في بلدانه، او يسلم نفسه طائعاً مختاراً الى حياة متوهمة تقدمها له “مسلسلات“.
أختم لأقول إن المتحضرين يعتقدون إن إناقة الشخص لها علاقة بأشياء محددة، وما يستهلكه من مادة إعلامية هي مقياس أناقته تفكيره، لذلك يقولون اذا اردت ان تعرف مدى تحضر إمرأة انظر الى حقيبتها اليدوية إذا كانت أنيقة ذلك يدل على أناقتها، إذا كان رجلاً أنظر الى حذائه إذا كان لامعاً هذا يعني أنه شخص يهتم بمظهره.
أما إذا أردت أن تعرف مستوى وعي أي شخص أسأله، متى زار معرضاً تشكيلياً، وما هو آخر عرض مسرحي شاهده ومتى دخل قاعة سينما، وما آخر كتاب قرأه، لكن إذا وجدت أنه يمضي أزيد من خمس ساعات يومياً أمام التلفزة، عليك إذن أن تفهم لماذا قررت السويد ذات يوم تعيين وزير للتلفزة.




