
رائحة المعنى: تأملات في ديوان “رائحة الله “لكوكاس

بقلم هناء ميكو
رائحة الله “شيءٌ كالشعر”، إشارة شعرية ماكرة لا تخفى عن المبدع عبد العزيز كوكاس، تفتح أفقًا بين رهبة القول وحنين الأم، حيث يلتقي الاعتراف بالتأمّل.
لا يطربه شيءٌ قدر الشعر… نسبُه الأول، ولا تبتسم كينونته إلا للتجربة الإنسانية الشعورية بجمالياتها الفائقة، سواء أكانت كلامًا منظومًا أم منثورًا، أم مشاهد واقعية.
الرائحة بوابة حسّية مشرعة نحو شساعة العوالم الداخلية، تنهض بالعاطفة وتوقظ الذاكرة، تتسلّل خفية لتنسج خيوط الانتماء، وتؤسّس لملامح الهوية في أبعادها الثقافية والرمزية والصوفية.
هي أثرٌ خفي يرسّخ الحضور ويمنح الأشياء أسماءها المستترة.
الإنسان، في انتصابه العمودي، خفّف من تبعيته لحاسة الشم سعيًا إلى التمايز عن مملكة الحيوان، غير أنّ هذه الحاسة تحوّلت إلى أفق أكثر عمقًا واتصالًا بالذاكرة الأولى؛ ذاكرة تتدفّق من ينابيع الأمومة، من دفء البدايات، من سرّة الارتباط الأولى حيث كان الجسد يتغذّى بالحب قبل المادة.
ديوان “رائحة الله” لعبد العزيز كوكاس رؤية مغايرة، استعارة معرفية وشعورية تحاول ملامسة المطلق واستعادة الأثر الأول للوجود. رغبة في شمّ الجوهر قبل أن يتبدّد في تفاصيل الفناء، توق إلى الأصل، إلى ما يسبق التشكّل. محاولة للقبض على حضور إلهي يُحسّ بالروح، يُدرك بالوعي، يُعاش باليقين؛ حضور يملأ الكينونة اتساعًا. يأتي في صمت الذكر، في صفاء النية، في لحظة انكشاف داخلي يتحوّل فيها القرب إلى حالة وجود.
يُروى في الأثر: «أنا جليسُ من ذكرني»، وفي هذا المعنى تتجلّى الرائحة كما نسجها المبدع قربًا معنويًا وألفة خفية بين العبد وخالقه، يتحوّل فيها الذكر إلى عطر، وتصير الروح مجالًا لانبعاثه.
الرائحة، في بعدها الإنساني، شرط وجودي خارج الحكم القيمي؛ العرق، في صدقه، علامة حضور في العالم، شهادة على انخراط الجسد في الحياة، بينما الاصطناع قناع يراوغ الحقيقة. في مستوى أعمق، تصير الرائحة لغة خفية تكشف الانجذاب بين الذوات، وترصد انسجامًا محسوسًا. وحين تتجه العلاقة نحو المطلق، يتبدّل المعيار، فيُقاس القرب بصفاء النية، ويتحوّل الإخلاص إلى عطر معنوي تتجلّى عبره الروح في أفق الاتصال بالخالق.
في هذا الأفق تكتسب الرائحة معناها الأقصى: شمّ الوجود في جوهره قبل أن تذروه الأزمنة، وقبل أن تكسوه الأجساد بأقنعتها الزائلة.
ورد في فلسفة الرائحة عند مهاد حيدر، في تحليله لرواية العطر لباتريك زوسكيند: “من لا أمَّ له، لا رائحةَ له ولا هوية”. في هذا القول صدى لفكرة أن الرائحة ذاكرة الكينونة، وأن الانتماء يبدأ من أثر خفي يعرّف الإنسان أكثر مما تفعل الأسماء.
وفاءً لهذا التجلي، تتقدّم عناوين الديوان مسارًا داخليًا تتراكب فيه طبقات الإحساس والفكر، تختزل التجربة وتلمّح إلى مسارها عبر عتبات دلالية مكثّفة تقود القراءة دون إفصاح مباشر. توازيها لغة تتحرّك من كثافة تقريرية مشبعة بقلق دلالي نحو انزياح تدريجي إلى الإيحاء والرمز.
تبدأ بإشارات توتر أخلاقي وقلق وجودي: جريمة، لو كان بالإمكان، لا تحزن، الحلول الملتبس باسمي، حيث تنكشف ذات في مواجهة التباس غامض. ثم تنفتح الذاكرة على أثر الطفولة والتوجيه في: وصايا جدة لحفيدتها اليقظة، وصايا للغنم، فتاوى الغواية، بما يحمله من مفارقة بين البراءة والترويض.
تتّسع اللغة نحو أفق فلسفي في: تراتيل لآخر العمر، شيخ ديكارت، حيرة الأبيض، الحاكم “الغوغولي”، حيث يهتزّ اليقين ويتعمّق السؤال. ثم تنكفئ إلى الداخل في: انكسار القشّة، وحيدًا أغرق في صمتي، أغنية حزينة، حيث تتكثّف الهشاشة ويصبح الصمت لغة.
يحدث انعطاف مع رائحة الله نحو أفق رمزي وروحي، تتخفّف فيه العبارة من ثقلها وتتجه إلى شفافية شعرية تعيد صياغة المعنى عبر: الحرية، ضوء العتمة، فتنة الهواء، العفوية نسغ الحياة.
يستمر البحث عن الانتماء في: كأني بلا سماء، لمن سأغني؟، شرفة للنداء، كتوق إلى مخاطب وأفق، قبل أن يلوح أثر المصالحة في: وردة النورس، نبيذ باريسي، قلبي دليلي، إذ يُستعاد الحسّ دليلًا، وتتحوّل التجربة إلى محاولة للالتئام عبر الجمال.
في هذا التدرّج، تؤدّي العناوين واللغة وظيفة مزدوجة تجمع بين توجيه أفق التأويل وفتح فراغ دلالي يتيح للنص أن يُستكمل داخل وعي القارئ، فتصير لحظات كشف خاطفة تتجاور فيها الإيحاءات الأخلاقية والفلسفية والصوفية ضمن وحدة خفية تجعل الديوان أقرب إلى سيرة باطنية مكتوبة بلغة الإشارة.




