ثقافة وفن

في حوار مع الكاتب والمترجم والناقد المغربي عبد الله الحيمر حول كتابه متعة الحوار عند الروائية الأمريكية طوني موريسون

رسولة الزنوجية لأسفار السود لأكثر من أربع قرون

متعة الحوار عند الروائية الأمريكية طوني موريسون من أحدث  الكتب والأعمال الجديدة  التي ترجمها الكاتب والمترجم والناقد المغربي عبدالله الحيمر والذي فكك فيها بنيوية  تفوق العرق الأبيض  بالمجتمع الامريكي من خلال حوارات موريسون رسولة الزنوجية لأسفار السود والتي تمثل حالة فريدة وخاصّة جدّا في الأدب  والفكر والابداع الأمريكي المعاصر, من خلال أفكارها التي كانت لها السبق والريادة كالعنصرية والعبودية والتسامح وأدب السود والتي خلقت هزات عنيفة في الثوابت المرسخة بعقل الإنسان الأبيض الأمريكي بدعوتها إلى نبذ العنصرية وضرورة تخلي الانسان الأبيض عن فكرة التفوق واﻹستعلاء .

عبدالله الحيمر هو ضيف هذا الحوار على المدائن بوست الدولية ليتحدث لنا عن أبرز لمحات كتابه المترجم متعة الحوار عند الروائية اﻷمريكية طوني موريسون، إضافة إلى تحدثه عن دور هوليوود في ترسيخ العنصرية ضد السود وتأثير أفكار موريسون على هوليود ومحاور أخرى.

حاوره عبدالحي كريط

> ماهي الأسباب التي دفعتك الى ترجمة هذا الكتاب وتسليط الضوء على طوماس موريسون والتي تمثل حالة فريدة وخاصّة جدّا في الادب الأمريكي المعاصر؟

< إن جدوى الترجمة في هذا الوقت، له عدة معان، أولا لأنها مشروع حضاري وحاجة ثقافية عربية. لقد اخترت ترجمت حوارات الروائية اﻷفرو أمريكية   طوني موريسون، بهذه الظرفية التي يمر بها العالم الآن. لأن لها التباسات بحاضر العنصرية بأمريكا أولا وفي بعض الدول الأخرى. نحن نعيش زمن العنصرية البنيوية جسداً وروحا بأمريكا، كحقيقة مادية مجسدة يعيشها يومياً المهاجرون والأقليات بالعالم الجديد. في زمن أصبحت فيه العنصرية متجذرة وبنيوية بالعالم، تصبح الترجمة والآداب عموما لحظة للانتصار جدارة القيم الإنسانية، ورفض القيم البغيضة إنسانيا، كالعبودية والعنصرية والإرهاب واضطهاد الحريات العامة. أقوم عن طريقة الترجمة، باستحلاب معاني النص من مساحة ثقافية مأزومة، نحو مساحة إنسانية أرحب. مبنية على ما هو مشترك في الثقافات الإنسانية، من قيم الحرية والمساواة الأخلاقية والعدالة العرقية وكذلك مساحة من القراء بالوطن العربي.

في مشروعي ترجمتي، أبحث عن الأعمال التي لم يسبق أن انكشف عليها القارئ العربي. خصوصا بعد أن أقدمت على ترجمة العديد من الحوارات الأدبية العالمية بجرائد ومجلات عربية. أعملُ على انتقاء أعمال أدبيّة تزيد من الضائقة الأدبية والجمالية للقارئ العربي. فتجاوزت بترجمتي الحالية الصادرة عن دار الأمير بالجزائر، التعريف بالروائية طوني موريسون على أنها أول كاتبة أمريكية سوداء تحصل على جائزة نوبل، بل قدمتها كعلامة فارقة في الأدب الأمريكي المعاصر. وصاحبة الأسئلة الأكثر استبصارا حول العبودية والعنصرية والأدب الأسود. فاستطاعت أن تحفر معرفيا بعمق بالذاكرة الامريكية لإظهار خصوصيتها وميزتها والكتابة عنها، وافتخرت دائما بكونها مواطنة أمريكية عاصرت انتخاب أول رئيس اسود لأمريكا. وعاصرت تنامي العنصرية والكراهية ضد الأجانب، من جديد في عهد الرئيس الأمريكي السابق رونالد ترامب. فعملت من جديد على فضح مظاهر القسوة والعنصرية من طرف البوليس ضد الشباب السود. لقد حاولت عبر مسيرتها الأدبية، بناء ذهنية أمريكية جديدة تكون مكونا أساسيا من مكونات الثقافة الأمريكية.

> العنصرية والتسامح من أهم محاور كتابك من خلال تفكيك موريسون  لبنيوية تفوق العرق الأبيض في أمريكا وذلك على  المستوى النقدي والفكري، لو عملنا إسقاط حول هذا الموضوع بالعالم العربي، ألا تعتقد أن قضية العنصرية والتسامح أيضا هي لها نفس السمات المحددة في بعض البلدان العربية وإن اختلفت في الشكل والمضمون؟

< لا أعتقد ذلك، بالعكس العالم العربي عرف ثورة فكرية وثقافية مع مجيء الإسلام ونشر دعوته عالميا أول قطيعة إبستمولوجية قام بها الاسلام، تمثلت في نسف ثقافة العبودية البنيوية بالمجتمع العربي قبل الاسلام وبذلك ترسخت في العربي الإسلام أفكار نبذ، العبودية والعنصرية وكان أول لقاء مع القارة السمراء عربيا عن طريق اليمن القديم، حتى أن اسم إفريقية هو عربي بالأساس. وقد وقع اختلاط عربي مع قبائل القرن الإفريقي، وتولد عنه الإنساني العربي الأسمر في كل من السودان وجيبوتي والصومال، وإرتيريا وأجزاء من إثيوبيا المسلمة. والبلد الذي أنتمي إليه المغرب، اندمج فيها السود الأفارقة منذ عهد الملك مولاي إسماعيل إلى يومنا هذا. وكان أول من نشر الإسلام وتعاليمه السمحة بغرب أفريقيا، وتعامل مع الأفارقة كبشر لما كما فعل الأوروبيين بالقارة بالعبودية.

والعنصرية في، الوقت الراهن كانت بعض المشاكل العنصرية بسبب الهجرة الغير الشرعية، إلا إنها ليست بنيوية بالمجتمع العربي خصوصا بمنطقة المغرب العربي. لأن العنصر الأسود اندمج في المجتمع لأكثر من ثلاثة قرون. بخلاف أجزاء من الوطن العربي كبلاد الشام الكبرى.

> هل لك أن تشرح للقراء معنى الأدب الأسود؟ وهل هذا الأدب له موضع قدم في العالم العربي؟

< إلى زمن قريب يعتقد القراء العرب أن الأدب الأسود هو الذي كتبه سود أمريكا، بل أن هناك أدب إفريقي أسود وكذلك كاريبي.. فهو أدب مقاومة جاء لهدم جدار الفصل العنصري أدبيا بين الابيض والاسود. والتمييز العنصري وغياب العدالة العرقية.

، فمحوره هو إثبات أن الإنسان الأسود ليس أقل قيمة ثقافة وحضارة من الإنسان الأبيض، وأن له لغة ثقافية شفوية عميقة بالقارة الافريقية. وأن العبودية عملت على إقصائه من ثقافته الأصيلة والزج به في غياهب الجهل والتخلف والأمية، حتى أصبح أقل قيمة حضاريا ومعرفيا، وفقد الثقة بنفسه وبهويته الثقافية. فالأدب الأسود كان نتيجة المسألة العنصرية والذي أدى إلى ظهور الدراسات النقدية التي تطرقت لمفهوم كلمة عرق أو عنصر أو شعب. هذا الأدب إلى جانب الكتاب الأمريكيين الأفارقة أنتجه كتاب من أصول أفريقية في البحر الكاريبي أو بجنوب أفريقيا. والأدب الأسود يضم في جعبته، كل الأشكال الأدبية كالقصة والشعر والرواية والسيرة الذاتية والمقالات الصحافية والقطع النثرية وحتى الخطب والأقوال المأثورة والرسائل الخاصة والمذكرات. من أشهر المؤلفات فيه كتاب باراك أوباما (أحلام والدي)، و(ابن، الوطن) للكاتب جيمس بولدوين. والكتاب الملحمي (جذور) لأليكس هيلي. وما بين 1900و 1970أصبحت الرواية هي الأكثر أهمية بين الأجناس في الأدب الأسود، بالإضافة للحضور القوي للقضايا السوداء في الشعر والمسرح والسينما والقصة القصيرة على السواء.

تقول الروائية طوني موريسون :«إنني أتطلع بشدة إلى تشييد المتخيل الأسود، لأنني أريد أن أشارك في تطوير مدونة العمل الأدبي الأسود».، لقد كانت  القراءات الخاطئة التي تصاحب المعرفة المركزية الأوروبية نحو الشعوب، السوداء بالمستعمرات .لها دلالات ومفاهيم ناتجة عن رؤى و افتراضات خاطئة للإنسان الأسود، أنتجها العقل الغربي عن هذه الشعوب. تحيل إلى إسقاطات سلبية تزكي العبودية والعنصرية. أي حجز الافريقي الأسود خارج زمكانية الأدب الأمريكي. وحتى هناك من يرفض النظر إلى الأفريقانية بأنها جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي في أمريكا. فكانت طوني موريسون ترى بأنّ هاجس الأدب الأميركي هو التخطيط لبناء رجل أبيض جديد، لذا كانت تقول عن الأدب الأسود: “نظرية الأدب الأسود تحلل هذه الأيديولوجيا، اﻹجتماعية وتبحث في الفروق بين المتضادات الازدواجية، من مثل أبيض وأسود، التي لا تقود بالضرورة إلى تفضيل أحدهما على الآخر، وتبين أن كلمة (عرق) كبنية اجتماعية تفرض في الواقع هوية زائفة على أناس معينين يتحولون بموجبها إما إلى مضطهدِين أو مضطهدَين، والأدب الأسود يحذر من مخاطر العنصرية التي تظهر بوضوح في انتشار الخوف من الآخر”. وقد ألفت الروائية الأمريكية كتاب في الموضوع. وتمثل رواياتها وبعمق تمثيلات الأسود في المجتمع الأمريكيّ من خلال كتابة روائيّة سوداء اشتغلت على ما يُسمى في الأوساط النقدية العالميّة ما بعد الكولونياليّة “الأدب الأسود”.

 لقد حولت الروائية طوني موريسون، نصوص السرد الروائي الخاص بها حول مسائل الهوية وانتماء، كدلالات خلفيتها الاجتماعية، كامرأة أمريكية سوداء، وشاهدة على زمن سجن لون البشرة السوداء كحارسة لذاكرة الأقليّة الأميركيّة السوداء في النصف الثاني من القرن العشرين. إلى مظاهر لغوية، مشحونة بالقلق الوجودي، تزخر بالتجربة التاريخية للسود أمريكا. عملت على تحرير اللون الأسود، من مظاهر الماضي ومآسيه، وطرحت سؤال كيف تكون أمريكيًا أسودَ في القرن الواحد والعشرين. اختصرت أكثر من أربعة قرون من العبودية والعنصرية بروح افريقية في أدبها الأسود.

في العام 1974؛ نشرت “الكتاب الأسود”، وهو مختارات عن حياة الأمريكيين من أصل إفريقي، والذي أثر إلى حد كبير في صورة الأنثروبولوجيا، والثقافة السوداء، بعد ذلك بعامين، ناضلت من أجل نشر وتسويق السيرة الذاتية “الأعظم” لمحمد علي كلاي، على خلفية رفضه المثير للجدل للخدمة في حرب فيتنام. بأعمالها الأدبية النضالية؛ ساهمت في رفع منسوب التعددية الثقافية الأمريكية للمسرح العالمي، وإعطاء دفعة كبيرة لما يطلق عليه “أدب السود”، وكشفت عن حقبة مظلمة لماضي بلدها، وتناولت تاريخ السود في الولايات المتحدة في أعمالها التي مزجت فيها الأدب الإفريقي وفلكلور العبيد مع نصوص الإنجيل والدراما القصصية. وهذا ما أكدته طوني موريسون لحظة منحها جائزة نوبل بقولها “إن السرد لم يكن مجرد ترفيه بالنسبة إلي، بل هو في اعتقادي أحد الطرق الرئيسة التي نستوعب بها المعرفة”.

رغم انتماء جزء من الوطن العربي إلى أفريقيا جغرافيا فإن الادب الأسود سواء الامريكي / الافريقي يظل شيئا غريبا عن القراء العرب. وربما هذا راجع الى الشرخ الثقافي الذي رسخه الاستعمار الأوروبي في كسر الحلقات الثقافية بين إفريقيا والعالم العربي عن طريق محو الثقافة العربية وغرس قيم اللغة والثقافة الأوروبية. إلا أن مجهودات جبارة يبذلها مترجمون عرب عبر أنطولوجيات عن الأدب الإفريقي.

> ماهي قيمة الخطاب التي جاءت به موريسون لتسليط الضوء على عدة إشكاليات، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا؟

< لقد كان المواطنون السود في أمريكا، يعانون من الميز العنصري والظلم وعدم تكافؤ الفرص والفقر والحرمان، والجريمة والعنف. فكانت لهم ذلك الصوت القوي والشجاع؛ القادر على كشف هذه المعاناة للرأي العام. والدفاع عن حقوق هؤلاء السود، ومحاربة هيمنة البيض البارزة في شتى الميادين بما في ذلك المدارس، والجامعات. فاستطاعت بفضل نضالها، أن تكون عن جدارة واستحقاق، أول امرأة سوداء تحصل على مقعد في جامعة برينستون، والذي كان حكرا على الرجال البيض. لم تؤثر في نفوس، الجماهير والسياسيين فحسب، بل أيضا في جيل من الكتاب والمفكرين من أمثال الكاتبة المعروفة “بريت بينيت”. أعمالها الأدبية بمثابة شهادات حية وندبة في جسد العنصرية البنيوية الأمريكية. بوصفها شهادات،إجتماعية وسياسية لعرقها وجنسها الأسود. يتمظهر جليا في إنتاجها الروائي؛ الذي تتمحور حول “العبودية/العنصرية/الأدب الأسود”. روائية أفرو أمريكية عصامية، استطاعت أن تخط مسارا إبداعيا متميزا؛ جمع بين الرواية والنقد الأدبي والمواقف السياسية، على الرغم من انطلاقتها المتأخرة، إذ لم تبدأ مشوارها حتى سن الـ 39. شخصيتها تنزع إلى التحرر والاستقلال والاعتماد على الذات، وهو ما انعكس أيضا في كتاباتها التي بدت مميزة ومختلفة عن كتابات معاصريها الأمريكيين، قائلة: “عندما بدأت، كان هناك شيئاً واحداً فقط أردت الكتابة عنه: التأثير المدمر للعنصرية على المرأة السوداء والطفل، وهما أكثر وحدات المجتمعات التي لا حول لها ولا قوة وتفتقد للحصانة والحماية”. رسمت لنفسها مسارا أدبيا مختلفا، مستقلة بأفكارها، معتمدة على نفسها، مؤمنة بقدراتها الشخصية، لا يصدها شيء عن تحقيق غاياتها وإثبات جدارتها، وهي القائلة في موضوع اﻹعتماد على الذات: “إذا كان هناك كتاب تحدوك رغبة جامحة في قراءته ولكنه لم يُكتب بعد، يجب عليك كتابته”. لقد أثر عملها كمحررة في دار نشر للكتب، على تنمية اهتمامها وقناعتها بالثقافة الخاصة للإنسان الأسود الأمريكي. فنشرت أنطولوجيات للكتاب الأفارقة من أمثال وول سوينكا وغينو أتشيب. تعمقت الروائية توني موريسون، بدراسة التاريخ الاجتماعي وتاريخ الفن والأساليب الأدبية، والنظرية السياسية وتاريخ الدين والأنثروبولوجيا والحركة النسائية. وقد انعكس أثر هذه القراءة المتنوعة الثرية في كتاباتها، التي اتسمت بثراء اللغة وبالحجاج المقنع وتلون اللغة وتنوع الأفكار. لم تكتب بغية الفضح أو الإدانة، بل كتبت لتغير لون اللغة وخلق مضامين لغوية لهويات هامشية أخرى تستوعب جميع أشكال التعبير عن معاناة الناس. إثر فوزها بجائزة نوبل للآداب عام 1993، نوهت لجنة الأكاديمية السويدية في، قرار اختيارها موريسون، بمخيلتها الواسعة، وقدرتها على التعبير الشاعري، وتوصيفها الحي لجانب أساسي من الحياة الأمريكية، كما نوهت بالطريقة “التي تستعمل بها اللغة نفسها. إنها لغة تريد تحريرها من قيود العرق”،

تتمحور تجربة موريسون الأدبية كلها حول حياة السود والزنوجة في أمريكا. إذ نسجت موريسون، التي كانت أول كاتبة أفروأمريكية تفوز بجائزة نوبل للآداب، نتاجها الأدبي حول الإنسان الأمريكي الأسود، خاصة تجربة المرأة المسحوقة، محاولة استكشاف الهوية الأفرو أمريكية. وصاغت هذا كله في كتابات مشرقة وساحرة، لتصنع لنفسها أسلوبا أدبيا متفردا لا نظير له في الأدب المدون بلغة شكسبير ورغم، أن «موريسون» واجهت سياسات التمييز العنصري الأمريكية في الجامعة طيلة سنوات، إلا أنها تمكنت من خلفت موريسون إحدى عشرة رواية، فضلا عن مجاميع عديدة في أدب الطفل والدراسات والمقالات. ومن أبرزها رواية «أغنية سليمان» التي نالت جائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية الأمريكية سنة 1977، ورواية «محبوبة» التي توجت بجائزة الـ “بوليتزر” سنة 1988. فضلا عن ذلك، فهي واحدة من الكتاب الأمريكيين القلائل الذين ألفوا أعمالا نقدية، وعبّروا عن مواقف لاذعة تجاه السياسة الأمريكية، لكنهم حظوا في الآن ذاته بالحفاوة والرواج الأدبي. إذ ظلت رواياتها الجديدة تبرز ضمن قوائم «نيويورك تايمز» لأكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، مثلما كانت تحتفي بها نجمة التلفزيون الواقع أوبرا وينفري، فضلا عن أنها كانت، وما تزال، محور أطروحات جامعية ودراسات نقدية ومقالات أدبية إعلامية إلى اليوم. تمتزج في سرديات موريسون كل أصوات الرجال والنساء والأطفال السود، وحتى الأشباح، في طبقات متعددة. كما تلتقي في رواياتها ومؤلفاته الموجهة للأطفال الأسطورة والسحر والشعوذة، وتتشابك مع الحقائق اليومية والوقائع الاجتماعية.

هذا المنجز الأدبي وصفته الأكاديمية السويدية، يوم أعلنت عن تتويج طوني موريسون بأنه “يتميز بالقوة الرؤيوية، والمحتوى الشعري”. لقد نفخت روحا جديدة في التراث الشفوي عند الأمريكيين، السود. تجدر الإشارة إلى أن موريسون تركت إرثا أدبيا كبيرا، من أعمالها: «العين الأكثر زرقة»، «صولا»، «أنشودة سليمان»، «طفل القطران»، «محبوبة»، «جاز»، «الفردوس»، «الحب»، «الوطن»، «الرب يكون في عون هذا الطفل»، الخ. فضلا عن فوزها بجائزة نوبل للآداب والـ”بوليتزر”، توجت موريسون بالعديد من الجوائز، منها جائزة روبرت كينيدي للكتاب، والجائزة الأمريكية للكتاب، بالإضافة إلى العديد من الأوسمة والميداليات، منها الوسام الرئاسي للحرية، الذي تلقته من الرئيس السابق باراك أوباما.

> لغة موريسون في تناولها للعديد من الجوانب الأساسية للحياة الأمريكية كانت لغة حسب توصيفكم في الكتاب أنها لغة تريد تحريرها من قيود العرق، ماهي السيميائيات اللغوية التي اعتمدت عليها لتحليل وتفكيك خطاب موريسون؟

< الروائية طوني موريسون بالفعل حررت اللغة من قيود العبودية، استطاعت أن تخط مسارا إبداعيا متميزا؛ جمع بين الرواية والنقد الأدبي والمواقف السياسية، على الرغم من انطلاقتها المتأخرة، إذ لم تبدأ مشوارها حتى سن الـ 39. شخصيتها تنزع إلى التحرر والاستقلال والاعتماد على الذات، وهو ما انعكس أيضا في كتاباتها التي بدت مميزة ومختلفة عن، كتابات معاصريها الأمريكيين قائلة: «عندما بدأت، كان هناك شيئاً واحداً فقط أردت الكتابة عنه: التأثير المدمر للعنصرية على المرأة السوداء والطفل، وهما أكثر، وحدات المجتمعات التي لا حول لها ولا قوة وتفتقد للحصانة والحماية». رسمت لنفسها مسارا أدبيا مختلفا، مستقلة بأفكارها، معتمدة على نفسها، مؤمنة بقدراتها الشخصية، لا يصدها شيءٌ عن تحقيق غاياتها وإثبات جدارتها، وهي القائلة في موضوع اعتماد على الذات: “إذا كان هناك كتاب تحدوك رغبة جامحة في قراءته ولكنه لم يُكتب بعد، يجب عليك كتابته”. لقد أثر عملها كمحررة في دار نشر للكتب، على تنمية اهتمامها وقناعتها بالثقافة الخاصة للإنسان الأسود الأمريكي. فنشرت أنطولوجيات للكتاب الأفارقة من أمثال وول سوينكا وغينو أتشيب. تعمقت الروائية توني موريسون، بدراسة التاريخ الاجتماعي وتاريخ الفن والأساليب، الأدبية، والنظرية السياسية وتاريخ الدين، والأنثروبولوجيا والحركة النسائية. وقد انعكس أثر هذه القراءة المتنوعة الثرية في كتاباتها، التي اتسمت بثراء اللغة وبالحجاج المقنع وتلون اللغة وتنوع الأفكار. لم تكتب بغية الفضح أو الإدانة، بل كتبت لتغير لون اللغة وخلق مضامين لغوية لهويات هامشية أخرى تستوعب جميع أشكال التعبير عن معاناة الناس. إثر فوزها بجائزة نوبل للآداب عام 1993، نوهت لجنة الأكاديمية السويدية في قرار اختيارها موريسون بمخيلتها الواسعة، وقدرتها على، التعبير الشاعري، وتوصيفها الحي لجانب أساسي، من، الحياة الأمريكية، كما نوهت بالطريقة “التي تستعمل بها اللغة نفسها. إنها لغة تريد تحريرها من قيود العرق”. كتبت بلغة إنجليزية غير أكاديمية، موجهة نحو أصحاب قضية إنسانية، للتحرر من الاستعمار الفكري ولجعل التراث اللامادي الإفريقي بالمجتمع الأمريكي أكثر عالمية. خلفت الروائية ” توني موريسون” ذات الأصول الإفريقية ميراثًا كبيرًا من الأدب والمقالات، لكن الأهم كان الميراث الذي خلفته للنساء صاحبات البشرة السوداء، على مدار أكثر من 60 عامًا هي مدة مسيرتها الأدبية. المستوحاة غالبا من، الواقع، اليومي، المستمدة تيماته من فك شيفرة ملامح الهوية السوداء الأمريكية في عمقها الذاتي والثقافي، وسط مجتمع اجتاحته قيم ضياع الكرامة الاجتماعية ومظاهر لا عدالة العرقية واللامساواة الأخلاقية.  لقد طورت تقنية طوني موريسون تقنية سردية فريدة مع كل عمل جديد لها، وقد صاغت كتاباتها بأسلوب أدبي غنائي قريب من الشعر؛ لا نظير له في الأدب الإنجليزي الحديث، إلى حد أن بعض النقاد عدّها أقرب إلى كتاب الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية خصوصا “كابرييل جارسيا ماركيز”. قائلة ذات مرة: “لقد جعل عملي جميع الأميركيين الأفارقة أصواتهم مسموعة، إما سياسياً أو ببساطة من خلال، كتابة قصص خيالية”. انتصرت الكاتبة لذاكرةالمقهورين والمستضعفين والأقليات؛ المنهكة بمضامينها وكفاحها؛ والموضوعات، الوطنية للعنصرية والتحيز الجنسي في جل أعمالها التي تجسد القيم الإنسانية المثلى، فهي إنسانية من الطراز الأول هدفها نشر السلام والتسامح، والرحمة والمحبة.

فيما يخص الجانب الذي عملت عليه بكتابي، الحوارات، المتعددة للروائية طوني موريسون والتي يزيد عددها عن العشرين. عملت على تحليل خطابات حوارات الروائية، فوجدته حفر أركيولوجي في الذات السوداء وكذلك بمثابة مرايا مقعرة، تعكس الهوية الثقافية والجنسية والاجتماعية للسود؛ وكذلك وجهة النظر والحقائق حول المفاهيم والقيم المحدثة بمجتمع، المهاجرين الأمريكي. وكذلك وجهات النظر للأخر المهمش، التي تريد الروائية التعبير والدفاع عنه، والحقائق التي تسعى إلى إثباتها، والمشاعر التي تريد أن تتراءى بها عند الآخر المختلف، والصور التي تحب أن تظهر به الأدب الأسود الأمريكي داخل العالم الجديد. فكل الحوارات، والمقابلات المترجمة على طول الكتاب، تؤكد على أن اللغة يجب ألا تتعرق. بمعنى أن الإنسان الأبيض جعل من اللغة الإنجليزية، لغة للترهيب، والخضوع والتفرقة العنصرية، وكذلك عنيفة تحد من المعرفة مع الآخر الشريك بالذاكرة والوطن.  بكل تمظهراتها بالأدب والتعليم والإعلام والقانون، لا   تسمح ولا تشجع على تبادل الأفكار ووجهات النظر.

فالحوار عند الروائية توني موريسون سمة ثقافية معرفية، تواصلي في بعده الحضاري، ينقل الأقلية السوداء من إطار النظرة البيضاء الضيقة، إلى رحاب الحياة المدنية والاجتماعية، إلى، قيم الكرامة الاجتماعية، والمساواة الأخلاقية. وبمثابة جسر إنساني نحو الآخر المتباهي ببياضه. فتنوع الحوارات، وتعدد مستوياتها، بحد ذاته دلالة صحية على حيوية هذا المجتمع بكل فئاته. كانت حواراتها تفوح بروح متحررة من خطاب السلطة؛ الأحادي النظرة والنخبوي والذي يتعالى ثقافيا على هويات الهوامش، ذات جذور الثقافية الضاربة بأرض أفريقيا، وعلى ذخيرة ثقافية عن ذاكرة الهويات والأصول العرقية. اتخذت خطابا معرفيا، يحتفي بالهامش الجميل البعيد عن سلطة المركز. يتعالى عن النظرة الانغلاقيه للعرق الأبيض يؤمن بالتعدد والاختلاف. إن الحوار الحقيقي عموما، يحتاج إلى احتكاك عقول متباينة بعضها ببعض، وهذا الاحتكاك هو الذي يولد وجهات النظر المختلفة، والتي لا تخلو كل واحدة منها من فائدة. وكما قال (بول فاليري): “علينا أن نغتنى بخلافاتنا” أي نستفيد من الآراء الأخرى باعتبارها وجهات نظر للموضوع أو للمشكلة المطروحة من، زوايا متعددة كالعبودية والعنصرية والأدب الأسود. قد تتيح لنا مالا تتحه النظرة الواحدة من منظور واحد للإنسان الأبيض وأدبه وذاكرته. ولا شك أن إجراء الحوار مع كل فئات المتنوعة المكونة لهذا المجتمع الجديد، يتطلب لغة وثقافة خاصة، وأسلوبًا في الإقناع يتناسب مع الثراء المعرفي لصاحبه. وهو يثبت أننا لم نعد أمام “حوار” واحد، وإنما أمام “حوارات” متعددة. تزهو بالعقل والمنطق، ممتلئة بالحجج، البرهانية والجدلية. حوارات الاستكشاف؛ تعدد علل المجتمع الذي رسخ مفاهيم العبودية والعنصرية والأخر المختلف، وبيان علاقات التداخل، والتشابك والاتصال بينها، وبين المشكلات، البنيوية والعضوية، للمجتمع الأمريكي المعاصر.  وان على اللغة والخطاب والحجاج في كل أعمالها الروائية؛ المستوحاة غالبا من الواقع اليومي المعيشي للأقلية السوداء بالمجتمع الأمريكي. أن تكون جسرا معرفيا نحو الآخر لفهمه وتقبله في بعده الإنساني والثقافي مع إقصاء فكرة الانتقام من الماضي. لذا يمكن اعتبارها، من أهم المرجعيات التي يستند إليها أقطاب النظرية ما بعد الكولونيالية، لقدرتها وجسارتها ان تخلخل بنية العقل الأبيض الغربي/ الأمريكي عبر تلوينه ونقده عبر التشكيك ببياضه. لقد نعاها الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” قائلاً: “كانت توني موريسون كنزًا وطنيًا، كتابتها كانت تحديًا جميلًا ذا معنى لضميرنا وخيالنا الأخلاقي، يا لها من هدية أن تتنفس الهواء الذي تتنفسه، ولو لفترة قصيرة”.

> ماهي الفلسفة التي اعتمدت عليها موريسون في الحياة؟

< المضمر في كتابات الروائية طوني موريسون يعكس فلسفتها الحقيقية. لطالما كتبت توني موريسون عن همٍّ عالمي كونها مواطن عالمي بالدرجة الأولى بمحددات ومميزات .لقد كانت فلسفتها بمحاربة العنصرية والكراهية ونبذ الآخر المختلف علينا. نقطة تحوّل في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، لقد حرّضت جيل من السود على تخيّل كيف عاش السود ككائنات إنسانية، بالوقت الذي كان يتم التعامل معهم على أنهم مخلوقات بشرية لهم مشاعر حب وأحاسيس وخيال. لقد حللت فلسفتها عمق الوجع الأسود، وتكلّمت بقلق وجودي من داخل أرواح السود، ووجدت لغة بدون عرق لوصف مشاعرهم، وإعادة الكرامة الإنسانية إليهم. لقد أعادت كتابة التاريخ الذي تم دفنه. لخصت فلسفتها في الإجابة   على سؤال صحافي في مقابلة تلفزيونية بعد صدور روايتها “محبوبة”: “هل تعتقدين أن الأميركيين الأفريقيين لديهم تجربة مختلفة عن كل العالم؟”، قائلة “أعتقد أن طوق الحديد في رقابهم قد يجيبك على هذا السؤال.. وأعتقد أن المشكلة لم تكن في السود، المشكلة في البيض، عليهم أن ينظروا إلى أنفسهم ويجدوا حلًا لها.”

> التحولات التي مر بها المجتمع الامريكي من منظور موريسون، من أبرز المواضيع التي تحدثت عليها في كتابك هل يمكن القول إن هذه التحولات كانت استشرافية من خلال خطاب موريسون؟

< قال ذات مرة مارتن لوثر كنغ،:”تنخر المجتمعَ الأمريكي أربعةُ أمراض: الفقر، ثقافة الاستهلاك، العسكرة والعنصرية”. وهذا ما حاولت، طوني موريسون فعله، إزالة غبار قرون من الإقصاء والتغييب والتهميش لصورة الأسود بالخيال الأدبي. في مقابل الرجل الأبيض الحاضر على طول، جغرافية الأدب الأمريكي.

حيث قالت مفسرة: “لقد أصبح فضولي لتعرّف أصول هذا الحضور الأفريقاني، المراقب والمبتدع بعناية ولتعرّف استعمالاته الأدبية، دراسة غير رسمية لما أدعوه الأفريقانية الأميركية: إنّها بحث عن الطرق التي يُبنى بها الحضور أو الشخصيات غير البيضاء والأفريقانية في الولايات المتّحدة، وفي الاستعمالات، التخييلية التي يخدمها هذا الحضور المبتدع” فهي، ترى موريسون بأنّ هاجس الأدب الأمريكي هو التخطيط لبناء رجل أبيض جديد فقط. كانت جريئة في اتخاذ القرار النقدي الملائم ككاتبة أفريقية أميركية، كسر حاجز الخوف أو التردّد، والانتصار للأدب الأسود بلعبة المركز والهامش في أمريكا في مقابل احتكارية أدب الرجل الأبيض. ومشروعها بمثابة توسيع مساحة التخييل الأدبي داخل فضاء الأدب الأميركي. حيث تقول، “الغرض كان تأمّل حضور السود أمرًا أساسًا لأجل فهم أدبنا القومي بحيث لا ينبغي أن يترك على تخوم الخيال الأدبي”. تؤكّد صاحبة المؤلّف، أنّ الأدب الأميركي كان شريكًا في “جريمة صناعة العنصرية”، فلا يُمكن تصوّر هذا الأدب دون وضعه في سياق هذا الصدام.

لقد طرحت موريسون على نفسها مجموعة من الأسئلة، منها: ماذا يحدث للعمل الذي يتناول الأفارقة والأفارقة الأميركيين؟ الواضح أنّ قراءتها للأدب الأميركي جعلها تخلص إلى النتيجة التالية: ” لم يُكتب نصٌّ أمريكي.. لأجل السود، وحتى رواية كوخ العمّ طوم لم تُكتب لكي يقرأها العم طوم أو يقتنع بها”.

لم تكتب طوني موريسون، بغية الفضح أو الإدانة، بل كتبت لتغير اللغة وخلق مضامين لغوية أخرى تستوعب جميع أشكال التعبير عن معاناة الناس.

8- وصفت في كتابك موريسون بأنها رسولة الزنوجية لأسفار السود، كيف ذلك؟

لقد ارتبطت الروائية الأفرو أمريكية طوني موريسون ارتباطا عضويا بتاريخ العبيد وتجربة حياة مواطنيها السود بأمريكا. للكشف عن مفهوم الزنوجة أو الأفريقانية كاحتفال بالذاكرة الجماعية لأمريكيين الأفارقة. والمقاومة بالكتابة للانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها عن طريق الكراهية والاضطهاد والعنصرية. وبناء ذاكرة مقاومة تحتفل بجدارة حياة السود بعيدا عن الذكريات المؤلمة لأنسان الأبيض.

كانت الروائية طوني موريسون أمريكية افريقية حقيقية: ابنة الجدارة الديمقراطية ووصول الأقليات إلى عالم الاحتمالات، كانت بمثابة الضمير الأدبي للأقلية السوداء. رسخت مكانتها كحارسة لتاريخ المنبوذين والمهمشين من السود. لا تُقرأ نصوص توني موريسون بوصفها أعمالًا أدبية فقط، بل بوصفها شهادات اجتماعية وسياسية عن أبناء عرقها، حيث يتمحور عالم السرد الروائي الخاص بها حول مسائل الهوية والانتماء، العرق والعائلة، تعالج تلك المواضيع بنفس مغامر وذهنية تشكك وتفضح، تقرأ العالم من وجهة نظر امرأة أمريكية سوداء، ومن وجهة نظر مواطن عالمي وإنسان يعيش في القرن الواحد والعشرين، وعليه تسأل ماذا يعني أن تكون أمريكيًا أسودَ اليوم؟

كانت رسولة الزنوجية لأسفار السود لأكثر من أربع قرون. شهادات اجتماعية وسياسية عن أبناء عرقها منذ 1619 إلى وقت وفاتها، اختصرت رحلة السود إلى العالم الجديد بنفس مغامر وذهنية تشكك وتفضح، تقرأ العالم من وجهة نظر امرأة مواطنة أمريكية سوداء، وكذلك من وجهة إنسانة عالمية تعيش في القرن الواحد والعشرين. كانت مهمتها كرسولة لزنوجية في محو الأمية الراديكالية للسود؛ لقد أتاحت موريسون لملايين الأميركيين تجربة ما كان عليه أن يكون المرء أسود في بلد يعاني من العنصرية، وكانت في رواياتها تصحّح التحريف التاريخي لحكايات السود والتي تم دفنها. لقد أعطت أعمالها معنى جديدًا لفكرة “الأدب الأسود”، أعطت أبطالها مساحة للكلام عن وجهات نظرهم، ولقول قصص سوداء لم يُسمع بها من قبل وحقائق لم نكن نعرف بوجودها. أرادت موريسون أن يكون للسود صوت يفضح طبقات العنصرية في الوقت الذي كان صوتهم مرتعشًا، متوترًا، وصامتًا أمام جبروت الإنسان الابيض.

> مامدى تأثر سينما هوليود بخطابات وفلسفة موريسون من خلال سينما الزنوج؟

< أيام من مقتل المواطن الأميركي الأسود جورج فلويد على يد ضابط شرطة في مينيابوليس، غصّت وسائل التواصل الاجتماعي، بحملات التضامن وبيانات المساندة والومضات الدعائية التي عبرت، فيها مختلف القطاعات عن تضامنها مع احتجاجات حركة “حياة السود مهمة”، ولم تكن هوليوود استثناء. لكن مساندة هوليود للحراك الاجتماعي والاحتجاجات المنددة بالتمييز ضد السود، كانت مجرد شعارات فارغة، لأن الممارسات على أرض الواقع شيء آخر تماما، فلم تقم بتغييرات جوهرية في صناعة السينما الأميركية لتعزيز التنوع ومكافحة العنصرية بالمجتمع الأمريكي المتنوع. لقد أسهمت هوليوود خلال أكثر من قرن في ترسيخ العنصرية ضد السود من خلال، تجريدهم، من إنسانيتهم، وكرامتهم وقدمتهم بصورة سيئة في عدد من الأفلام. وأنه حان الوقت لتغيير طريقة التعامل مع السود، خاصة أن دراسة جديدة أظهرت أن تعزيز التنوع يمكن أن يحقق لصناعة السينما الأميركية أرباحا مالية كبيرة. وقد نهجت السينما الأمريكية العنصرية في بعض إنتاجاتها باحتشام تقديم أصحاب البشرة السوداء بمفاهيم ومضامين مختلفة، من قصص النجاح وحتى المواقف النضالية أو حتى الحكايات المأساوية.

وكان من بين أفلامها فيلم “bloved” الذي حاربت فيه العنصرية. من بطولة أوبرا وينفري وداني جلوفر، أخرجه جوناثان ديم وتم إنتاجه عام1998. وهو مقتبس من رواية ” محبوبة” للكاتبة توني موريسون، ويتناول العنصرية ضد العبيد بعد الحرب الأهلية الأمريكية في قالب جمع بين الرعب والدراما. تلقى الفيلم ترشيحًا للفوز بأوسكار عام 1999 عن فئة أفضل ملابس، إلا أنه لم يفز بها. إلا انها كانت الصوت الذي عرّى طبقات العنصرية بأميركا، وارادت أن يكون للسود صوت يفضح طبقات العنصرية حتى بهوليوود.

> كلمة ختامية؟

< إن كتاب متعة الحوار عند الروائية الامريكية طوني موريسون يقدم للقارئ العربي، فلسفة الحوار عند طوني موريسون، كروائية ودرس في النقد المقارن وصورة الاخر. لقد وضعت طوني موريسون مقاربتها النقدية، في مخاطبة وتأمل الرجل الأبيض المتفوق دون أن تستند إلى الخطاب الإيديولوجي، المباشر، وكذلك متجنبة أن تخوض في بعض القضايا التي تمس مجتمعها كالأدب العنصري أو اللاعنصري، أو المواقف التي يتخذها كثير من الكتاب البيض من العرق. كما سعت الكاتبة في كل حواراتها بفصول الكتاب إلى ضرورة توسيع دائرة الأدب الأمريكي ليضم الأدب، الأسود كمشروع نقدي لذاكرة العبودية ومقاومة العنصرية. لقد ظهرت طوني موريسون من خلال هذا الكتاب باعتبارها حكيمة سوداء وروائية وناقدة أدبية استطاعت ان تستلهم تجربة السود الإنسانية والتاريخية باعتبارها أيقونة الأدب الأسود الأمريكي. وقدمت للقراء والنقاد العرب درسا في مجالات النقد المقارن وتصوير الآخر والمثاقفة وعموم النقد الأدبي. لقد ساعدتنا الروائية طوني موريسون على رؤية أجزائنا الداخلية كبشر والعالم كله بطريقة أعمق، لقد كانت تجمع أجزاءنا أيضًا وترتبها بشكل صحيح من أجل عالم أكثر إنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق