
لكل مجتهد نصيب
الصانع المصري جوزيف رومان
د. محمد بدوي مصطفى
رأى مولد هذا الرجل الجميل النور في صعيد مصر بعام ١٩٨٩، حيث الأصالة والوفاء والكرم الحاتميّ، عرفته في عدة رحلات إلى مصر وكان بصحبتي دليلي، أخي وأستاذنا نور رشاد، أيضا جميل هذا الرجل كما المعلم جوزيف في كل الصفات والملامح الإنسانيّة. قعدنا في إحدى مقاهي حي الزيتون – إن لم أنس، وجلسنا ننتظر نحتسي العصائر الطازجة ونسترق السمع لأغنيات الست العظيمة أم كلثوم، تتبادر إلينا “أنا في انتظارك … وغيرها من الأغنيات الخالدة”. أتى شاب ربعة القامة، وسيم الملامح، طيب الخلق، حلو الهندام وجميل الأدب والحديث، دعانا دون تردد أن نشرفه في ورشته الجديدة في نفس الحارة. دخلنا إليه وكانت الورشة صافية نديّة منتظمة في ثوب “العذراء”.
حصل المعلم جوزيف على إجازة البكالوريوس وسافر إلى القاهرة واستقر هناك ليبدأ مشواره الفني لدراسة آلة الناي، حيث التحق بالمعهد العالي للموسيقى العربيّة بقاهرة المعز وفي سبيل بحثه ودأبه المتواصل متنقلا في عالم الآلات الموسيقيّة التي أحبها وبذل قصارى جهده لمعرفتها بكل تبايناتها وألوانها، وقع في حبّ آلة الكمان وسار لا يلوي على شئ إلا ويفحص أسرارها ومداخلها ومخارجها. لم يبطره عناء الكفاح في مدينة العشرين مليون نسمة أن ينتقي معلما يتعلم معه أسرار آلة الكمان فوقع حظه على الأستاذ الكبير والصانع الماهر أمين عبد العظيم. فسلك طريقه في ورشته يتعلم ويفحص ويبني ويبدع أمام ناظريّ معلمه الجديد الذي أبدى اعجابه بحرفيته الفائقة وذكائه الوقاد. لم يقف المعلم جوزيف فقط في حب صناعة الآلة فملكت لبّه سحبات الكمان وسحر المقامات عندما تنبثق من جوفها فتعلم الآلة وصار عازفا لها. ومن هنا سلك طريقه يبحث عن صناع الآلة المتحرفين فلكل منهم ذوقه وأسراره فدخل في اتصال وثيق والصانع الفلسطينيّ الماهر بطرس بشارة. وهذا الأخير يصنع الكمان كما العود. صارت صناعة الآلات هاجسا يلازم المعلم جوزيف فعقد العزم في سبيل العلم أن يسافر إلى مدينة كريمونا بإيطاليا لتعلم صناعة آلة الكمان وبقيت الرحلة ذهنية بالعلم عن بعد حيث أشار المعلم الفلسطينيّ الجديد على الباحث جوزيف رومان أن يتعلم أولا بالقاهرة صناعة آلة العود قبل الشروع في التحضير في مشروع السفر إلى إيطاليا، وبقيت أحلام تراوده إلى ما وراء البحر المتوسط وسوف يكون كذلك في القريب العاجل.
كان المعلم جوزيف منذ بداياته محبا للفن والموسيقى وبوجه التحديد لآلة العود لذا لم يتردد فى تعلم صناعته فالتقى بأحد الأساتذة في المجال، الأستاذ عمرو مصطفى، وتعلم بورشته كل ما يخص هذه الآلة. ومن هنا بدأ رومان يتوغل ويبحر فى أسرار صناعة شيخ الآلات ولم يكتفِ بصناعته فحسب بل بدأ يرمم العديد من الآلات الأثريّة والقديمة، ومن أهم هذه الآلات أعود للصناع المهرة: عبد العزيز الليثي – ابراهيم خليل الجوهري- جميل جورجي و رفلة ارازاي، وغيرهم مما أضاف لمعرفته وعلمه الكثير الوفير.
كل هذا دفع المعلم جوزيف لأن يسعي يوما تلو الآخر ليطور من خبرته ومعرفته بعلوم هذه الآلات ولم يقف عند حد معين، فشرع في صناعة قالبه الخاص به الذي بُنِيَ عن دراسة وافية وبحبّ زاخر لهذا النموذج.
الآن وبعد الالمام بكل هذه المعارف والخبرات بدأ المعلم جوزيف في خلق وابداع آلته الخاصة به، يصنعها من الألف إلى الياء دون تدخل أي شخص آخر في العمل، وهذا مهم جدا بالنسبة للعازفين أن يكونوا على بيّنة بأن يد الصانع هي الخلاقة لا أيدي الصبيان التي تتعلم الحرفة بالورشة كما هو السائد حاليا. لذا يقوم بكل المهام حتى الدهان الذي يضفي على الآلة رونقها وسحرها، فهو يستعمل دهان الشيلاك، الفرنش بولش، النادر والذي يحتاج إلى مهارة فائقة في التعامل معه والذي يطلب الصبر الجميل والوقت الكافي.
المعلم جوزيف رومان مبدع في صناعة العود، سلك طريقه من أول السلّم بجهده ودأبه المنقطع النظير وسوف نسمع عن سحر أعواده الرنَّانة وحرفيته الفائقة في القريب العاجل. شاب طموح، مجتهد ودؤوب ولكل مجتهد نصيب. صار للمعلم جوزيف اسمه الآن بين عازفيّ العود وعليه أن يسير في نفس الطريق ليصنع بإذن الله ما صنعه النحات وغيرهم من العملاقة وهو أهل لذلك.




