
الشـرق والشرقيون في ديوان فيكتور هوجو
(الشرقيات: Les Orientales 1802- 1885)
معجب بن سعيد الزهراني
لقد أشرنا سابقًا إلى أن هوجو عرف الكثير عن تقاليد الشعرية العربية، وقرأ بعض نماذجها، وها هو يستلهم تقاليد المديح ويدمج فيها تقاليد شعرية التأمل والحكمة لينجز هذا النص باسم شاعر شرقي هو آخره وقرينه في الوقت نفسه كما لا يخفى على القارئ.
أما الآخر الشرقي الذي يجمع بين وظيفتي القرين “والقناع” فنجده في نص بعنوان “بوناباردي” (44) – بونابرت – حيث يعلن الخطاب الشعري بلسان فارس عربي يهجر مدينة القاهرة ليعيش حرًا في الصحراء مع حصانه، وهناك يتغنى ببطولة “سلطان الفرنجة” الذي لم يعد قائدًا عسكريًا غازيًا وعدوًا بل “فارسًا” مثله يثير الإعجاب ببطولته الخارقة ولذا يخاطبه بقوله:
“أوه! حينما تعود لتحلم فوق هذا الجبل
تمهل قليلاً وأنت تعبر الريف يا بونابردي
سترى خيمتي الشاحبة فوق الرمال الثائرة
لأنني حر وفقير، عربي من القاهرة
حين أقول لحصاني: يا الله!.. يطير الحصان الأصيل وتحت حاجبيه جمرتان متقدتان” (45)
إننا هنا أمام الآخر “القناع” الذي يتيح للشاعر أن يعبر عن إعجابه العميق بنابليون بونابرت دون التورط مباشرة في مجابهة مع السلطة الملكية القائمة حينها في بلده وهي سلطة لم تكن لترحم من يذكرها بخصمها اللدود فضلاً عمن يمدحه ويعلي من شأنه.
لكن شخصية الفارس – الشاعر تتحول إلى قرين داخلي في نص مطول يرد بعد هذا النص القصير مباشرة وفيه يستعيد هوجو المفاصل الأساسية لمغامرات نابليون الملحمية البطولية بصيغ تعبر أقوى تعبير عن إعجابه العميق به وحنينه إليه وحلمه ببطل مثله في المستقبل ها هو يخاطب ذلك “الكبير كالعلم” بقوله:
“دائمًا، تحت الشجرة الخضراء وفوق العشب الممتد دائمًا، يطل عبر البحار والمروج
من فوق صخور الشاطئ ومن حواف الجزر المزدهرة دائمًا يرى طيف العملاق الداكن وهو يصعد في الأفق” (46)
فالخطاب يعلن هنا بصيغة ماكرة وملتبسة يمكن أن تحيل إلى ذلك الفارس العربي أو إلى الشاعر أو إلى كل من يشاركهما الإعجاب بنابليون الذي يتحول هنا إلى عملاق أسطوري قادر على الحضور في كل مكان في أية لحظة. ومع أنه من المستبعد أن يكون في القاهرة أو في الصحراء العربية من يعاين نابليون من هذا المنظور التبجيلي آنذاك إلا أن الدلالة الأهم بالنسبة لنا تكمن في منطق الفارس وهو منطق الفروسية الذي يتبناه ويمجده حتى حين يتحدث عن خصومه. هنا أيضًا لابد أن نستحضر شعرية الصعاليك الذين قرأ هوجو بعض نصوصهم ويبدو أنه يستلهمها هنا لا من أجل تمجيد نابليون فحسب بل أيضًا للتعبير عن ولعه الخاص بحياة التمرد والترحل الحر في تلك الصحراء المتخيلة التي لا تحضر في نصوص ديوانه هذا إلا مقرونة بدلالات الغموض والفتنة والجاذبية كما عند معظم الرومانسيين.
ومما يعزز وجاهة هذا التأويل أن الشاعر يعبر في هذه النصوص عن ذاته الحميمة كشاعر متمرد على قيم وأفكار مجتمعه وليس عن أهواء ومواقف “الرأي العام” والمؤسسات الرسمية كما في النصوص السابقة. علاوة على ذلك نعتقد أن تلك النصوص المشحونة بالتعبيرات العدائية تجاه السلطة وممثليها في “الشرق” يمكن أن تؤول من منظور آخر يتصل بما نذهب إليه هنا أقوى اتصال. فصورة رجل السلطة المكروه والمحتقر يمكن أن تنصرف بعض دلالاتها إلى رجال السلطة الرسمية في فرنسا حتى وإن كان الشاعر يعبر عن نزعاته ومشاعره العميقة دون وعي بهذا البعد الدلالي. فخلال رحلته الأسبانية لابد أنه شاهد وسمع الكثير من الفضائح الوحشية التي ارتكبها أبوه الجنرال إذ كان يأمر أتباعه بقتل المقاومين الأسبان والتمثيل بجثثهم من دون رحمة فيقطع رأس أحدهم ويبقر بطن الآخر ويلقي بآخرين أحياء من نافذة قصره.. كما يشير إليه أ. موروا (47) أما في فترة الشباب والتحول فلا شك أن هوجو كان يكره ويعادي رموز النظام الملكي الذين ما إن يقارنهم بنابليون بونابرت حتى يبدوا ممثلين لفرنسا التقليدية الاستبدادية المهزومة والرجعية لا لفرنسا الجديدة التي هيمنت على الغرب والشرق وجسدت قيم الثورة والحرية قبيل سنوات!. فتلك الخبرات والتجارب المؤلمة في زمن الطفولة وتلك الآراء والمواقف الجريئة المتحررة في رحلة الشباب لابد أنها ظلّت كامنة في نفسه إلى أن وجدت طريقها الواسع للتحرر منها بإسقاطها شعريًا على رموز السلطة العثمانية، خاصة وأن الظرف التاريخي كان يستدعيها ويبررها كما رأينا من قبل.
وختامًا لهذه الفقرة، نشير إلى أن هناك تمثيلات أخرى للرجال الشرقيين لا تنكشف دلالاتها المركزية إلا عبر تمثيلات الشاعر للنساء الشرقيات ولذا أجلنا تحليلها إلى الفقرة التالية.
النسـاء الشـرقيات:
في كتابها المتميز “هل أنتم محصنون ضد الحريم” (48) تتوقف فاطمة المرنيسي قليلاً عند تمثيلات “الحريم الشرقي” في بعض نصوص هوجو التي تعتبرها الباحثة جزءًا من خطاب استيهامي عام برت تجلياته في كثير من اللوحات والمسرحيات وقصص الرحلة والقصائد، وذلك وفق رؤية نسقية واحدة في العمق وإن اختلقت تعبيراتها الفنية في الظاهر. فالشاعر ممن كان يستهويه عالم الحريم الممنوع والمرغوب في بيئته الكاثوليكية الصارمة، ولابد أن الوصول إليه وإعادة تمثيله يُعد تملكًا رمزيًا له وانتهاكًا لفضاء الآخر الأكثر سرية وحرمة، وهو انتهاك يتصل بانتهاكات أخرى تمت في ساحات المعارك التي غالبًا ما كانت تنتهي لصالح القوى الغربية الاستعمارية. لكن الذي ينبغي التنبيه إليه في قراءة كهذه هو أن بعض هؤلاء النساء الشرقيات لسن مجرد “موضوعات” لرغبات الشاعر وأحلامه المكبوتة إذ بينهن من يمكن أن تمثله وتنطق بلسانه وكأنها ذات أخرى له. ثم إن التوقف عند “عالم الحريم والسلطانات المحظيات” فحسب هو نوع آخر من الاختزال والتنميط الذي تمارسه القراءة بدل أن تحلله وتتجاوزه كي لا تسقط في المنطق الظاهري للنص المقروء. وبما أننا هنا أمام نص إبداعي متعدد المستويات الدلالية بالضرورة فإن هذا النمط من القراءة هو ما ينبغي علينا تجنبه انسجامًا مع منطلقاتq وغايات القراءة النقدية الحوارية التي نطبقها في هذا البحث كما أكدناه منذ البداية.
من هذا المنظور لعل أول ما يلفت النظر وجود أربعة نصوص متعاقبة يقدم كل منها شخصية نسائية مختلفة وهي “الأسيرة” (ص 76)، “ضوء القمر” (ص 79)، “الحجاب” (ص 81) و”السلطانة المحظية” (ص 84)، هذا بالإضافة إلى نصين آخرين يقدمان نموذجين نسائيين آخرين هما “سارة المستحمة” (ص 103) و”وادع المضيفة العربية” (ص 118) (49)
فالأسيرة امرأة غير شرقية تتمنى لو كانت حرة طليقة لتحب هذا الفضاء أكثر فهو “قريب من البحر الدافئ، أرضه مزروعة بحقول الذرة الجميلة وسماؤه مرصعة بالنجوم الزاهية” (50) وحينما ترى الحراس من حولها تتذكر بلادها “حيث يلتقي الشبان والفتيات ويتبادلون أحاديث المساء دونما رقابة”، لكن الذكرى لا تدل هنا على الحنين لأن هذه المرأة “الغربية” تنطوي على نزعة رومانسية تجعلها تحب تلك الشواطئ الشرقية الجذابة التي “لا يحل فيها الشتاء ولا تعبرها الرياح الباردة” (51) ومما زاد من تعلقها بالفضاءات الشرقية اكتشافها غرائبية المكان وجمالياته التي تراها في “الحصون القرمزية والبيوت الذهبية الجميلة كلعب الأطفال/ والهوادج المتأرجحة فوق ظهور الجمال والأفيال/ وموسيقى تلك الأصوات الهادئة/ التي تمتد من أعماق الصحراء/ لتنطلق غناء حرًا وفاتنًا في الهواء”. فهذه التعبيرات الرومانسية الحالمة قد تكون تخيلات طريفة وساذجة في عمومها لكنها دالة على أن الشاعر يحوّل هذه الأسيرة إلى ذات عاشقة لهذا الشرق الغريب والجذاب كيما يعبر عن فتنته الخاصة بالفضاء ونمط حياته وثقافته الشرقية التي طالما حلم بها من دون أن يعايشها إلا عبر المتخيل (52)! بصيغة أخرى يمكننا القول بأن الشاعر يعبر عن ذاته العميقة على لسان هذه المرأة التي تجد في الأسر فرصة لا تعوض للعيش في ذلك الشرق الغامض والجذاب لأنها مثله فنانة مسكونة بفتنة المعجزة الشرقية كما بناها المخيال الجماعي الرومانسي!




