خارج الحدود

السعيد الخيز

حاز على جائزة الطيب صالح للإبداع الأدبي

(المركز الثالث – الرواية)

حاوره: د. محمد بدوي مصطفى

< عرفنا عنكم يا مولاي، فنحن صحيفة جديدة وقراؤنا في شوق ولهفة لمعرفة أخبار الأدباء والمفكرين، من السعيد الخيز جملة وتفصيلا؟

> أنا السعيد الخيز من مواليد مدينة تارودانت بجنوب المغرب سنة 1980، حصلت على بكالوريا الآداب العصرية سنة 1999، وعلى دبلوم مركز تكوين المعلمين سنة 2001، وكما نلتُ إجازة الدراسات العربية سنة 2014، حيث عملت استاذا بنفس المدينة، ذلك من سنة 2005 إلى الآن. كنت سعيد الحظ بنيل الجائزة الوطنية الكبرى للمبدعين الشباب بالمغرب عن رواية “سجين الهوامش”، التي طُبِعَت محليا سنة 2008، بعد أن تمّ ترشيحها لنهائي مسابقة الابداع الأدبي بالمغرب. عملت صحفيا بجريدة ملفات الوطنية وكنت مهتما فيها بالقضايا الإنسانية الكبرى في المغرب، على شاكلة قضايا الهامش والاعتقال والفقر وقضايا حقوق الإنسان والعدالة.

وفي سنة 2012 أسست مع رفقة الكاتبة فاطمة الزهراء الرياض والشاعر يونس لهديدي “مجلة أوراق ثقافية” المتخصصة في الأدب والنقد، وفي سنة 2015 أصدرت رواية “نوستالجيا الحب والدمار” عن دار كيان للنشر والتوزيع بجمهورية مصر. العربية، وفازت هذه السنة بجائزة الطيب صالح للإبداع في صنف الرواية حيث حصلت بها على المرتبة الثالثة بعد المغربي عبد الباسط زخنيني والليبية غالية ذرعاني.

< صدرت لكَ ثلاث روايات لقيت استحسان القرّاء في مختلف البلدان العربية.  كتبتها بلغة رصينة. كسؤال تقليدي لماذا انصبّ اهتمامك على الرّواية فقط؟ أو ماذا تعني لك الرواية؟

> انصب اهتمامي على الرواية لأنها الجنس الأدبي الأكثر قدرة على استيعاب ما أريد قوله. لا أستطيع كتابة الشعر لأني لا أجيد

ذلك ولا أستطيع كتابة القصة لأنها تحتاج قدرات أخرى لا أمتلكها من تكثيف وحذف واختزال. فطبيعتي الشخصية وطبيعة أسلوبي في الكتابة تميل إلى الحكي المسترسل والطويل والاهتمام المفرط بالتفاصيل الصغيرة التي تشكل عالم الرواية. تعدد الأصوات بما فيه من ديموقراطية في إيصال الرأي والرأي المخالف. انفتاح الرواية على كل مناحي الحياة ونزولها إلى الشارع ورفقتها للنضال. انفتاح الرواية على أشكال تعبيرية كثيرة وعلى مجالات معرفية أخرى كالتاريخ وعلم النفس والسوسيولوجيا والعلوم الحقة. قدرة الرواية على احتضان الشعر والخاطرة والسيرة والتأملات الفكرية كلها أشياء تجعلني أفضل كتابة الرواية التي وجدت نفسي منخرطا فيها دون تفكير مسبق. الرواية عالم تخييلي ومعرفي في نفس الوقت فهي خلف كل المسارات الصورية والموضوعاتية تتقاسم معرفة كبيرة مع القارئ. وهي مجال خصب لتمرير القيم الإنسانية التي أومن بها من خير وعدل وحرية وحب وسلام وصدق ومجال لدحض ما هو سلبي كالقتل والعنف والإقصاء والتهميش والاعتقال السياسي وغيرها. إذن فالرواية تعني لي مجالا إبداعيا يوازي الحياة.

< في روايتك نوستالجيا الحبّ والدمار تناولت مواضيع فريدة تخصُّ منطقتك، ونفس الشيء لاحظه القارئ في عملك الثالث قطف الجمر. لماذا هذا التقوقع حول منطقتك بالضبط؟

> نوستالجيا الحب والدمار هي صرخة حب في وجه تاريخ من الدمار الذي لحق منطقة أولوز وإيوزيون الفلاحيتين بسبب ما

جرته عليهما سياسة بناء السدود التي كرستها الدولة في مطلع الثمانينات. أربعين سنة وما زالت الملفات في أدراج المحاكم وما زال الناس ينتظرون تعويضاتهم عن أراضيهم التي غمرتها مياه السد. من هنا تكون الرواية صرخة في وجه الطغيان. من هنا تكون الرواية مساندة لنضالات شعب مقهور من أبناء الجبال الذين ورثوا الإهانة بعدما كان الحل الذي اقترحته الدولة هو التنكيل بهم واقتراح بعض المشاريع الاجتماعية لتضميد جراحهم. الواقع ينسى ولكن ذاكرة الناس لا تنسى وكذلك الرواية لا تنسى. فهي تعويض عن عدم قدرة الانسان على تغيير واقعه. ونحن نكتب حين تنتهي كل أسلحتنا في مواجهة الموت. أما قطف الجمر فهي جبهة أخرى للحرب حيث ناقشت الاستغلال الجنسي الطبقي الذي تمارسه النساء الثريات على الطلبة، نوع من الدعارة المعكوسة التي موضوعها الطالب الذي يصارع الحياة والفقر والتهميش ويرتمي في أحضان شبكات للدعارة تستثمر في جسده وشبابه. فما يحدث للمرأة يحدث للشاب أيضا. هي نداء لتحرير الجسد من ربقة الاستعباد المادي الطبقي وتحرير الحياة العاطفية من سلطة الحاجة والفقر والضغط النفسي. وهي رواية جاءت نتيجة حوارات صريحة وعميقة مع تلة من الشباب والمراهقين حول أوضاعهم النفسية والجنسية وأفكارهم حول الحب والرغبة والعلاقات الإنسانية، نوع من الإنصات الهادئ لمشاكل فئة عمرية غالبا ما نصفها بالاستهتار دون أن نسمع حقيقتها المؤلمة.

أما التقوقع على منطقتي فهو ما تعلمناه من الكاتب السوداني الطيب صالح. تعلمنا أنه ليس تقوقعا وإنما إخراج المحلي ليصل إلى القطري والعالمي. والإنسان يحكي وضعه وعلاقته الوجودية بما حوله في آخر المطاف.

< من أين استقيت تلك الجرأة التي تتمظهرُ بشكلٍ جلي في أعمالك؟ ألا تواجه مشاكل بسبب جرأتك في تناول المواضيع الحساسة والطابوهات؟

> الرواية هي بالضرورة تطرق إلى الطابوهات والمسكوت عنه اجتماعيا وسياسيا ونفسيا وعلى جميع الأصعدة. لذلك فهي ليست جرأة بقدر ما هي واجب. الجنس يجب أن يناقش بشكل عادي ويطرح للنقاش العمومي لأنه فعلا يختزل الكثير من أمراضنا وأمراض أوطاننا. وهو كالسياسة يحتاج للتعري. وماذا يفعل السياسي غير ممارسة شذوذه علينا؟ إنه وضع مخجل ما وصلنا إليه اليوم في هذا الوطن. لماذا يحمل الجميع حقيبته ويستعد لركوب أول طائرة؟ الحنين إلى الوطن لم يعد كما قال الجاحظ من علامات الرشد بل أصبح من علامات الوعي باللحظة التاريخية. هذا ما أنتجته سنوات الصمت. والجرأة في تعرية الباطن من المرغوبات كما اعتقد. الكاتب في نظري يعرف كيف يطرح الطابوهات والمسكوت عنه بمساعدة اللغة. والطرح التقريري المباشر لا يكون على صفحات الروايات بل في المقالة والفعل النضالي في الشارع وعبر مؤسسات الدولة إن كانت تحترم نفسها.

< ما هو موقفك تجاه الأعمال الروائية المغربية التي صدرت في السنوات المنصرمة؟ وهل تطورت الرواية المغربية في نظرك؟

> الرواية المغربية تتطور طبعا. لكنها تتطور ببطء شديد مقارنة مع ما يجري في العالم. الروائي المغربي سباق إلى كسر بنية السرد في الرواية وسباق إلى التجريب. لكن هذه المغامرة لا تعطي دائما نتائج حسنة. فقد أصبح القارئ يهرب من الغموض والأشكال العجيبة التي يقرأها في السرد الروائي المغربي متجها إلى مراتع الرواية العالمية التي استطاعت أن تشده عبر السرد السلس المتقن البسيط والممتع في نفس الوقت. الرواية المغربية مثقلة بالتجريب. هذا من جهة. أما من جهة أخرى فالإعلام يلعب دورا سيئا في الزج بالقارئ في اختيارات ضعيفة بسبب الكتلة الفيسبوكية التي لا تستطيع أن تميز الغث من السمين. وتلعب في ذلك دور النشر دور المستفيد فأصبحت تطبع فقط لأن صاحب الرواية له جيش فيسبوكي يستطيع الشراء كما حدث مع روايات مغربية معروفة صدمت المتلقي بسبب لغتها الركيكة وبنيتها المهلهلة. وحتى لو كانت اللغة متينة كلغة حسن أوريد تجد الرواية مثخنة بالأيديولوجيا التي تعب المتلقي من أن يكون سطل قمامة لها. هناك أسماء تحتاج قراءة ثقافية بعد أن يتخلص قارئها من سطوة الإعلام ودهشة الشهرة كروايات أوريد وبنسالم حميش وبعض الشباب. نحتاج قارئا ينصت للسرد الرصين كروايات زهرة المنصوري وفاتحة مرشيد والأشعري وزهرة رميج وغيرهم. وأظن أن الأمر ينسحب أيضا على ما هو عربي.

<  ما رأيك في الجوائز العربية، وخصوصا في جائزة الطيب صالح؟

> الجوائز تعبر عن ذوق لجنة التحكيم وليس عن الذوق العام. الجوائز في العالم العربي عوضت عمل دار النشر والمؤسسات الثقافية التي كان عليها أن تريح الكاتب ماديا وتدعمه وتعفيه من التملق للجوائز حتى أصبحنا نرى روايات على مقاس مرجعيات التحكيم في كل جائزة. ولكن اللوائح النهائية لبعض الجوائز العربية تتمتع بقدر من الحرفية والنقد المستقل مما يجعلها موجهة فعليا للقارئ العربي ورافعة لذوقه ولكن الحذر واجب من كل ما يجعل الكاتب عبد المادة وعبد الجائزة لأنه مساس بشيء جوهري في الكتابة وهو الحرية. ومن الجوائز العربية التي تحظى باحترام كبير جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي التي نلت شرف التتويج بها، في عشريتها الأولى. أولا لأن لجنة التحكيم كانت محترمة عربيا ودوليا وثانيا لأنها عبرت عن استقلالها عن توجيهات الأمانة العامة وصرحت أنها لم تتعرض لأي ضغط من أي جهة وثالثا لأنها لا تأبه بجنسية العمل المقدم ولا بهوية كاتبه ولا بسنه وانتماءاته. فالعمل يقدم للجنة دون هوية كاتبه. الداعم الذهبي للجائزة شركة زين السودان أعطت مثالا للشركات المواطنة التي تتماهى مع الثقافة وتعرف أن الاستثمار في الثقافة هو مدخل التنمية الإنسانية المستدامة. كانت تجربة زيارة السودان في هذه الفترة بالضبط تجربة فارقة في مساري حيث معالم الثورة في الشوارع والنقاشات السياسية والمصيرية ما زالت تغلي. هذا الشعب يستحق الأفضل. يستحق أن يعود إلى مجده الفرعوني القديم ويكون أصل الحضارة الإنسانية. فسيفساء من الثقافات العربية والصحراوية والأفريقية وفسيفساء من المعتقدات والأديان التي مع الأسف فرقتها السياسة الدولية والسياسة الداخلية لفترة أثقلت كاهل السودان. أتمنى الخير لهذا البلد العريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق