سياسة

في الطريق إلى غلاسكو

المغرب ملتزم بالمحافظة على النظم الإيكولوجية الهشة

محمد بنعبو*

احتفا العالم العربي يوم الخميس 14 أكتوبر باليوم العربي للبيئة، وهي مناسبة عبر فيها المغرب ودائما عن التزامه الكبير في مجال البيئة والتنمية المستدامة، هذا الالتزام الدائم والمستدام يتجلى من خلال توقيع المملكة المغربية على كل الاتفاقيات المتعددة الأطراف حول المناخ والتنوع البولوجي ومكافحة التصحر، وكان آخرها انخراط المغرب في تعديل كيغالي وتجديد المغرب التزامه ببروتوكول مونتريال التاريخي لحماية طبقة الأوزون، وقبلها بقليل التوقيع والمصادقة على بروتوكول باريس التاريخي بشأن المناخ، وبهذه الدينامية المناخية يجدد المغرب عزمه الجاد على إدراج مقتضيات كل الاتفاقيات الدولية في مختلف سياساته وبرامجه التنموية، وقد تجسد هذا الالتزام السياسي، على أعلى مستوى تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من خلال إيلاء عناية كبيرة لحماية البيئة وجعلها ضمن الأولويات الوطنية.

وفي هذا الإطار، تمت المصادقة على القانون الإطار 99-12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة، وتنزيله من خلال إعداد الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة والتي تم اعتمادها من طرف المجلس الوزاري المنعقد، بتاريخ 25 يونيو 2017، تحت الرئاسة الفعلية لصاحب الجلالة، محمد السادس حفظه الله، والتي تشكل إطارا مرجعيا لكل البرامج القطاعية، وذلك بهدف تحقيق الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر الدامج في أفق 2030، ففي إطار تفعيل مقتضيات الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، نقوم بعدة إجراءات مهيكلة لرفع التحديات وكسب الرهانات المرتبطة بحماية البيئة وتثمين الموارد الطبيعية، ومواجهة الآثار السلبية لتغير المناخ، وتحسين الإطار البيئي لعيش المواطن.

وهكذا، وعلاقة بالحكامة البيئية، تم إحداث عدة لجن وطنية تهم تتبع ومواكبة أهداف التنمية المستدامة، والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والتغيرات المناخية والتنوع البيولوجي والساحل، كما تم إعداد 28 مخططا قطاعيا للتنمية المستدامة بالإضافة إلى مخطط أفقي يتعلق بمثالية الإدارة، أما الإطار القانوني فتتم تقويته من خلال إصدار مجموعة من القوانين، كقانون الساحل وقانون التقييم البيئي، والشروع في إعداد قوانين أخرى، مثل مشروع قانون بمثابة مدونة للبيئة، ومقترح القانون المتعلق بالمناخ، ومشروع القانون المتعلق بالحصول على الموارد الجينية والتقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدامها، إضافة إلى إطلاق مسلسل مراجعة القانون المتعلق بتدبير النفايات، كما تم تعزيز المراقبة البيئية والتنسيق مع الهيآت المعنية في هذا الشأن، وتقوية أجهزة الرصد واليقظة البيئية، من جهة أخرى، تم تحقيق تقدم ملحوظ في مجال دمج الاستدامة في القطاعات الأساسية للتنمية كالطاقة والنقل والصناعة وغيرها، وفي هذا الإطار، وبالنظر للدور الكبير الذي يلعبه قطاع الطاقة لتحقيق أهداف الاستدامة، تبنى المغرب استراتيجية طاقية وطنية تهدف إلى تثمين الموارد الطاقية المتجددة، وتعزيز النجاعة الطاقية والاندماج الجهوي، وحددت هذه الاستراتيجية بتوجيهات ملكية سامية أهداف جد طموحة في مجال تطوير الطاقات المتجددة، من خلال رفع مساهمتها في إجمالي الطاقة الكهربائية المثبتة إلى52 % في أفق 2030، والتي تبلغ حاليا حوالي 37 % من الحجم الإجمالي المثبت أي حوالي 4000 ميغاوات، بالإضافة إلى ذلك، فقد تم إطلاق أوراش جديدة للبحث عن مصادر أخرى للطاقة المستدامة، من خلال برنامج التثمين الطاقي للكتلة الإحيائية، والبرنامج المندمج لمواكبة مصانع تحلية مياه البحر بالطاقات المتجددة، وإعداد خارطة طريق لتطوير الطاقة البحرية.

كما يطمح المغرب إلى أن يصبح فاعلا أساسيا في مجال الطاقة الهيدروجينية، وقد تمت مواكبة هذه الاستراتيجية بمجموعة من الإصلاحات التشريعية تهم بالأساس الإنتاج الذاتي للطاقة لتشجيع الاستثمارات في هذا الميدان، وتحسين ولوج هذه المشاريع لمصادر التمويل، من خلال برامج مهيكلة ومندمجة بالإضافة إلى تشجيع البحث والابتكار بحيث تم في هذا الإطار، برمجة إنجاز مركب خاص بالبحث والتنمية في مجال البنايات الخضراء والنجاعة الطاقية والشبكات الذكية، وقد تمكن المغرب بفضل هذه السياسة الطاقية المستدامة، من رفع سقف طموحاتنا في مجال تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة في إطار اتفاق باريس من خلال تحديد هدف جديد في المساهمة المحددة وطنيا يفوق 46 % في أفق 2030.

أما على مستوى اﻟﺪﺑﻠﻮﻣﺎﺳﻴﺔ اﻟﺒﻴﺌﻴﺔ، فقد تم اعتماد مقاربــة مندمجة تروم المساهمة في الحفاظ على البيئة وتثمينها مــن خــلال لعب دور محوري في التعــاون الثنائي والمتعــدد الأطراف، وهكذا تمت تعبئة ما يناهز 228 مليون دولار في إطار التعاون الدولي خلال الأربع سنوات الماضية عبر تمويلات الصندوق الأخضر للمناخ وصندوق البيئة العالمي وعبر آلية التعاون الثنائي من أجل تمويل وتنفيذ ما يزيد عن 30 مشروع في مجال البيئة والتنمية المستدامة، وقد مكنت هذه المجهودات من أن يتبوأ المغرب دورا رياديا على المستوى الجهوي والعالمي بحيث يحتل المغرب المراكز الأولى في مجموعة من التقارير الدولية نذكر منها تصنيــف المغرب في الرتبة الرابعة عالميا حسب مؤشــر الأداء المناخي لسنة 2021.

وتسعى المملكة المغربية الى تحقيق التنمية المستدامة من خلال تفعيل الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة التي تشكل ورشا استراتيجيا بهدف دمج الاستدامة في كل السياسات العمومية القطاعية وضمان الانتقال إلى اقتصاد أخضر وشامل، وفي هذا الإطار ستتم متابعة تعزيز المنجزات المحققة سواء على مستوى الحكامة البيئية وبالخصوص من خلال تعزيز اللاتمركز، أو على المستوى القانوني من خلال تحيين وتجديد النصوص القانونية، أو على مستوى تعزيز نظام اليقظة البيئية من خلال تطوير آليات التتبع والتقييم والوقاية، أو على مستوى تنمية الآليات الاقتصادية والمالية بهدف جلب موارد مالية إضافية، ثم على مستوى متابعة تنفيذ برامج لحماية واستصلاح البيئة وتثمين الموارد والأوساط الطبيعية، وفي هذا الإطار، تم إعداد مجموعة من البرامج البيئية الموضوعاتية ذات الأولوية في أفق 2030، سيتم تنفيذها بالتشاور مع الجهات الفاعلة المعنية لتعزيز التنسيق والملائمة مع أهداف التنمية المستدامة وهي البرنامج المندمج للرصد والحراسة والمراقبة الذي يهدف إلى تعزيز نظام اليقظة البيئية من خلال دعم آليات المساعدة في اتخاذ القرار خاصة الأنظمة المعلوماتية والتقارير البيئية، وتقوية شبكات الرصد، وتعزيز المراقبة البيئية ووسائل الامتثال للقوانين؛ وبرنامج حماية وتعزيز الأوساط الطبيعية الذي يهدف إلى تعزيز تكيف الأوساط الطبيعية، والحد من الضغوط التي تعاني منها، وتشجيع التثمين الاقتصادي والاجتماعي؛ وبرنامج محاربة التلوث والذي يهدف إلى الحد من الإذايات المرتبطة بأنواع مختلفة من الملوثات، وبالخصوص بالمناطق الصناعية، من خلال تعبئة الفاعلين المعنيين، ووضع إجراءات تحفيزية؛ وبرنامج رصد جودة الهواء الذي يهدف إلى تعميم شبكة الرصد على كل التراب الوطني، بهدف إبلاغ السلطات المحلية وأصحاب القرار من أجل اتخاذ التدابير اللازمة لمحاربة تلوث الهواء؛ وبرنامج تدبير النفايات، والذي يهدف إلى تقليص الإذايات المرتبطة بالمطارح العشوائية والنقط السوداء وتحسين إطار عيش المواطنين، كما يهدف إلى تعزيز الإجراءات المتعلقة بتقليص النفايات من المصدر، وفرز وتثمين النفايات في إطار مقاربة مندمجة للاقتصاد الدائري.

* خبير في المناخ والتنمية المستدامة

رئيس المكتب الوطني لجمعية

مغرب أصدقاء البيئة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق