ثقافة وفن

مختبر الفنون

بشرى بن فاطمة

للفن دور محوري في النمو البدني والعقلي للأطفال فهو أداة أساسية للتعبير والتعلم وصقل الموهبة وتنمية المدركات حيث تشير الأبحاث إلى أن الفن منذ الصغر يُحسّن المدركات الحركية الدقيقة، بالإضافة إلى تنمية مهارات التواصل الحسية مع الفضاء الخارجي ومع لآخر وتعويد الطفل على التعبير السليم عن أفكاره احلامه وتصوراته.

حيث يشجّع الفن الأطفال على ملاحظة بيئتهم باهتمام أكبر، وينمي إحساسهم بالتفاصيل وإدراكهم للعالم من حولهم، إذ يعزّز هذا النشاط الإبداعي نموهم العاطفي، كما يوفر لهم وسيلة للتعبير عن تجاربهم البسيطة ومعايشاتهم التي قد لا يستطيعون التعبير عنها لفظيًا فيجدون في الفن متّسعا لانطلاقهم وعفويّتهم.

   فالأطفال الذين يعبّرون بالفن وبشكل مرح تكون ثقتهم أكثر وتجاوبهم نديّا اكتشافيا مع التوجيه بشكل منتظم فيطورون إبداعًا وابتكارًا أكبر، لذلك تشجيع الأطفال على الفن بانتظام يعزز شعورهم بالإنجاز، كما أن رؤية مهاراتهم تتحسن مع مرور الوقت تعزز ثقتهم بأنفسهم، وبالتالي فمن المهم دمج الفن في حياتهم اليومية وهذا ما كان عليه مختبر الفنون التشكيلية بدار الثقافية تازركة من ولاية نابل التونسية.

حيث يٌعد مختبر الفنون التشكيلية بدار الثقافة محمود المسعدي تازركة أحد التجارب القلائل في مجال الفنون البصرية بتونس التي فتحت نافذة جديدة تستعيد من خلالها قيمة العمل الأكاديمي الذي يزاوج بين النظري والتطبيقي، رحلة تجريبية رائدة ومغايرة ومختلفة تنسج بخيوط الفن أفقا جديدة.

فعندما تُروى الحكايات بالفرشاة وتُصاغ الأحلام على القماش أو تتشكل بالطين أو تُنحت على مادة صلبة فتمنحها روحا يكون الفن ابتداع الجمال وابتكار الأفق وتسلّل المنافذ نحو ضوئها الثابت على الفعل والتجريب بطفولية غامرة التماهي والتميّز.

إنها مغامرة لا تعترف بحدود الممكن ولا تلتزم بأطر مسبقة، رحلة التحدي باحتواء الأطفال فنا موهبة وإبداعا اختارها الأستاذ والفنان التشكيلي سامي عمامي، من أجل خلق بيئة إبداعية محفزة.

يوفر هذا المختبر فرصة مثالية للناشئة لصقل مواهبهم وتطوير مهاراتهم الفنية واكتشافهم لعوالم الفن، ضمن مقاربة بيداغوجية تتبنى أسلوب أكاديمي سلس يتماشى مع قدراتهم العمرية بهدف -تدريب مجموعة من الاطفال تتراوح أعمارهم بين الـ 7 و15 سنة، لصقل مهاراتهم الفكرية والتقنية والمعرفية في مجال الفن التشكيلي البصري.

يقول سامي عمامي “هذه التجربة أخذت كامل وقتها لتتبلور وتتشكل لتحصد في نهاية المطاف جوائز محلية ووطنية آخرها كان التتويج بالمرتبة الأولى وطنيا ضمن فعاليات الصالون الوطني للفنون التشكيلية والبصرية في دورته الرابعة المقامة بمدينة توزر بالجنوب التونسي خلال شهر فيفري من هذه السنة تحت اشراف وزارة الشؤون الثقافية هدفها اكساب المتلقي (التلميذ) وعي وفهم عميق بماهية الفنون البصرية بعيدا عن المعرفة البسيطة البديهية التي يحملها عادة كل طفل عن مادة الرسم والفن التشكيلي في عمومه إذ عادة ما تُعنى المختبرات الفنية بالجانب العملي (التطبيقي) فتفسح له الحيز الأوسع، الا أن هذا المختبر وعلى حدّ قول عمامي، كسر هذه القاعدة و أولى الجانب النظري قيمة محورية حيث يتعرف الأطفال في كل لقاء على تيار تشكيلي جديد ترك بصمته في المسار التاريخي للفن العالمي انطلاقا من المدرسة التكعيبية مرورا بالسريالية ومن التجريد الى عوالم الحداثة مع تتبع سيرة روادها -التعريف بفروع الفن التشكيلي (الرسم – النحت – التصوير الفوتوغرافي – الطباعة – النسيج ….) والعمل على رصد الفوارق الفنية على مستوى المبنى والمعنى من أجل تكوين طفل ذي وعي فني بصري وتقني حيث أن تعدد الاشتغالات على أدوات وتقنيات مختلفة يثري الزاد المعرفي للمتلقي ويضعه أمام خيارات عديدة مما يترك لديه حرية أكبر وبابا أوسع لتشكيل وبلورة أفكاره”.

إنها رؤية أخرى تعيد فلسفة التطوير الذهني والحسي والتطوّر معه عند الطفل لصقل المواهب واقتفاء أثر الابتكار وتنمية روح الفعل وانبات البذرة الجمالية القادرة على أن تكون منجزا إضافة إلى تكثيف العمل الجماعي بين الأطفال وتحوّل العلاقة مع الأستاذ إلى شراكة بصرية تتجاوز فكرة العمر والخبرة إلى مغامرة واكتشاف كل يمنح عوالمه الجمالية للآخر وهو ما بدا من خلال عدّة منجزات حقّقها المختبر منها تتويجين على الصعيد الوطني ضمن الصالون الوطني للفنون التشكيلية بإشراف وزارة الثقافة التونسية في دورته الأولى وفي دورته الأخيرة عن عمل بعنوان سيرة النمل الذي حصد أربع تتويجات جهوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق