
يا دعاة وقف الحرب.. اتحدوا!!

د. عمر القراي
(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)
لقد بلغ سوء الأوضاع في السودان، حداً يفوق الخيال. فقد نقل تقرير بريطاني، عن «مشروع مواقع واحداث النزاعات المسلحة»، وهو من أبرز قواعد البيانات الدولية، المتخصصة في رصد، وتوثيق، النزاعات المسلحة، أن متوسط عدد المدنيين، الذين قتلوا في الحرب، تجاوز 52 شخص يومياً، في الفترة من يناير 2024 إلى يونيو 2026م. فيما قدر إجمالي القتلى، في تلك الفترة ب 52904 شخص. وذكر التقرير نفسه، إن الأرقام الفعلية، قد تكون أكبر من هذه بكثير، نظراً لعدم قدرتهم على الوصول الى مناطق العمليات، واستمرار المعارك، وتعطل التوثيق الرسمي. كما أضاف المصدر البريطاني، أن هناك جهات أخرى، ذكرت أن عدد القتلى بما فيهم العسكريين، بلغ 150 ألف مواطن سوداني. وانتشرت مقاطع «فيديو» لأطفال، ونساء، وشيوخ، وشبان، تظهر على أجزاء من أجسادهم أورام غريبة، وتضخم في الرقبة والبطن، ويظهر آخرين وجلودهم منزوعة من أجسادهم، من آثار السلاح الكيميائي، الذي استخدمه الجيش ضد الدعم السريع، وضد المدنيين. ورصدت في الخرطوم، وامدرمان، وبحري، حالات كثيرة، لانعدام الأمن، والتفلتات، والنهب، وقتل المواطنين في بيوتهم. وتداعت القبائل، مثل الجعليين بالدامر، الى الفزع، لحماية أنفسهم وأبناءهم، من انتشار المخدرات خاصة، والاعتداء على النساء، في مناطق سيطرة حكومة بورتسودان، التي تنتشر فيها قوات المشتركة. هذا إلى جانب انعدام القانون، والأحكام الجائرة، على كل من يخالف حكومة البرهان والإخوان المسلمين، أو ينقد سياساتهم، بالاعدام، بحجة التعاون مع الدعم السريع. لقد اذاقوا الشعب من الموت، والرعب، والمهانة، والذل، والجوع، حداً يوجب تضافره كله، يداً واحدة، في مجابهة هذا العدو، الحاقد، الغادر.
لقد عُقد اجتماع «قوى إعلان المبادئ»، في نيروبي، لمناقشة قضية السودان في الفترة 19-21 يوليو 2026م. وفي بيان يصف نتائج ذلك الاجتماع، ذكر أن هذه القوى شددت على خارطة الطريق، التي وضعتها الرباعية في سبتمبر 2025م. كما أكدت على وقف الحرب، وحماية المدنيين، والانتقال المدني الديمقراطي، واستكمال مسار ثورة ديسمبر المجيدة. كما جدد الاجتماع، الرفض القاطع، لأي محاولات لإقحام المؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية وواجهاتها، في العملية السياسية، مؤكداً ان هذه المجموعة الإرهابية، تتحمل المسؤولية الرئيسية، في تقويض الدولة، وإشعال الحرب، وإعاقة التحول الديمقراطي. ولهذا لا مكان لها في مستقبل السودان. كما أكد القوى المجتمعة على أنها ستواصل العمل، مع جميع القوى الوطنية والديمقراطية، والشركاء الإقليميين، والدوليين، من أجل إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وبناء الدولة السودانية، على أسس المواطنة المتساوية، وسيادة حكم القانون، والحكم المدني الديمقراطي.
إنما خرج به اجتماع نيروبي، لا يختلف عما ظلت تطرحه «صمود»، منذ فترة، عن إيقاف الحرب، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات لهم، واعتماد ما خرجت به الرباعية، واستبعاد المؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية وواجهاتها، من مستقبل الوضع السياسي في السودان، والانتقال المدني الديمقراطي. كما انه لا يختلف عما طرحته «تأسيس» منذ البداية، وسلمته مؤخراً، للمندوب الأمريكي، حين طرح موضوع هدنة لمدة ثلاثة أشهر. فقد ذكرت «تأسيس» أنها توافق على بيان الرباعية، وعلى الهدنة، وعلى الوقف الدائم لإطلاق النار، وفتح مسارات آمنة، لوصول الإغاثة للمواطنين، في جميع أنحاء السودان. كما تؤكد على الحكومة المدنية الديمقراطية، التي تقوم على المساواة بين المواطنين، وعلى إبعاد المؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية وواجهاتها، فيما يخص أمر السودان. كما طرحت إنشاء جيش وطني واحد، جديد، غير مؤدلج.
إذا كانت هذه المنظمات الأكبر، وسط المدنيين السودانيين، وهي متفقة في مطالبها الأساسية، فلماذا لا تتوحد في جبهة واحدة، خلف ما اتفقوا عليه، وتتغاضى عن الخلافات السياسية، التي يمكن أن تثار فيما بعد؟!
لماذا لا يكوّنوا جبهة واحد، ويعطوها أسماً مثلاً (الجبهة السودانية لاستعادة ثورة ديسمبر)، ويحدّدوا المسائل التي ذُكرت، في نقاط بسيطة وواضحة، ثم يسلمونها الرباعية، والخماسية، وللمجتمع الإقليمي، والمجتمع الدولي، ومنظمات الأمم المتحدة؟! ويمكن أن تتم دعوة لجان المقاومة، ونقابة الأطباء الشرعية، ونقابة المحامين، ولجنة المعلمين السودانيين، ولجنة مفصولي القوات المسلحة، ونقابة الصحفيين الحرة، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات النسوية، والشخصيات الوطنية، لينضموا الى هذه الجبهة، حتى تكون بحق الممثل الوحيد للشعب السوداني.
والنقاط الأساسية يمكن أن تكون:
1-القبول التام، ببيان الرباعية، والتعاون معها، على تنفيذه.
2- إيقاف الحرب فوراً. والدخول في هدنة لمدة ثلاثة أشهر، وقبول مراقبة دولية لمتابعة الهدنة، وتوصيل الإغاثة للمتضررين، في جميع أنحاء البلاد، تحت مراقبة دولية.
3-الاتفاق مبدئياً على حكومة مدنية ديمقراطية. وقيام حكومة انتقالية، محددة المهام، من أهم مهامها اشاعت حوار واسع، بين جميع السودانيين، ما عدا المؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية وواجهاتها، حول المبادئ التي تحكم الدستور، الذي سيحكم به السودان، بعد الفترة الانتقالية، وبعد قيام انتخابات حرة، ونزيهة، تقوم بعد الاستقرار، وعودة النازحين واللاجئين والاعمار.
4-السماح للجنة تقصي الحقائق، التابعة للأمم المتحدة، بالدخول للسودان، وتسهيل مهامها، لتحديد مرتكبي جرائم الحرب. وإعادة لجنة «تفكيك نظام الثلاثين من يونيو»، والسماح لها بمزاولة نشاطها، لاستكمال ما بدأت، من رد حقوق الشعب السوداني. ويمكن تطوير قانونها، وآلياتها. والحرص على ألا يفلت من ارتكب جريمة من المحاسبة، مهما كان موقعه، أو وضعه، أو انتماؤه.
5-وضع أسس لإعادة التعمير، دون احتكاره لدولة واحدة، أو شركة، أو جماعة. وإنما يتم عليه تنافس مشروع بكل شفافية، تفرز فيه عطاءات.
ويمكن إضافة نقاط مهمة أخرى، متى ما اتفق عليها، داخل الجبهة العريضة.
فإذا توحدت القوى المدنية، فإني أرى أن أمامها ثلاث مهام رئيسية:
1-كتابة مذكرة بالمسائل المتفق عليها أعلاه، وإيداعها لدى الرباعية، والخماسية، والاتحاد الأوروبي، وأمريكا. ومخاطبة الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان، التي تبدأ في يوم 7 سبتمبر إلى بداية أكتوبر 2026م بمحتواها.
2-تجميع التقارير الدولية، والمعلومات، الخاصة باستخدام حكومة البرهان، للأسلحة الكيميائية في الحرب، والأضرار التي لحقت بالمدنيين، من جراء ذلك. والتواصل مع أسر المتضررين، ورفع شكوى باسمهم الى «لجنة حظر الأسلحة الكيميائية»، التابعة للأمم المتحدة. وشكوى أخرى، ضد البرهان، وياسر العطا، لدى المحكمة الجنائية الدولية، لاعترافهما، باستخدامها في أشرطة «فيديو» متداولة، حيث اسموها السلاح المميت.
3-تسليم كل من قيادة الجيش، وقيادة الدعم السريع، صورة من المذكرة، والمطالبة بتنفيذها فوراً. على أن يكتبوا خطاباً موقعاً إذا قبلوا تنفيذها أو لم يقبلوا. وإعلانهم بأن الجبهة العريضة، ترى أنه ليس هناك وقت لإضاعته في التسويف. وأن الذي لا يوافق منهم على المذكرة، رغم أنها تمثل معظم الشعب السوداني، فإن الجبهة العريضة، ستقف ضده، وتقف مع الطرف الآخر، الذي يوافق عليها باعتبارها مطالب الشعب السوداني، حتى ينتصر عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً. وستفعل ذلك بكل ما لديها من اعلام، واتصالات إقليمية ودولية، بل وستطالب مجلس الأمن بالتدخل، لحماية المدنيين، وتدمير ما لم يستعمل بعد، من السلاح الكيميائي، وإيقاف الحرب بالقوة، وفرض إيصال المساعدات للمتضررين.
ولا يفهم من هذا، أن الجبهة العريضة، ستكون حاضنة للدعم السريع، أو متغاضية عما ارتكب من انتهاكات، تستوجب المحاسبة عليها، بعد كشفها، بواسطة لجنة تقصي الحقائق الدولية، وبعد إيقاف الحرب. ولا يفهم منه، أن الجبهة العريضة، تتفق سياسياً، مع أي من الطرفين المتحاربين الآن. ولكنها ستقف مع من يوافق على مذكرتها، التي تمثل رؤية معظم الشعب السوداني، وستقف ضد من يرفضها، ويريد استمرار الحرب، حتى يُهزم ويضطر لقبول السلام. وذلك لأنه برفضه للهدنة، وللسلام، يدل على أنه لا يهتم بأرواح السودانيين، ولا يعبأ بمعاناتهم، وهذا هو العدو الحقيقي للشعب السوداني.
وبالطبع سيقوم اعلام الاخوان المسلمين، بالهجوم على هذه الجبهة، وحتى لو لم تقم، فإنه سيهاجم «صمود» و « قوى إعلان المبادئ»، وسيتهمهما بأنهما واجهات سياسية للدعم السريع، وسيدور الأكاذيب المكررة، التي شيطن بها الدعم السريع، منذ بداية الحرب، وسيحاول أن ينسى السودانيين، الجرائم البشعة، التي ارتكبها جيش الحركة الإسلامية، وميليشياتها، وما زالوا يرتكبونها، الآن، ضد المدنيين، في قرى كردفان، من قطع الرؤوس، وبقر البطون، واللعب بالجماجم. ولهذا لابد من أن يكون للجبهة العريضة، مكتب اعلام قوي، يواجه الإعلاميين المأجورين، والغرف الإعلامية الموبوءة بالكذب والفجور، ويفضحهم للشعب في كل لحظة.
هل تريدون الحق؟ إن أكبر مستفيد من عدم توحد دعاة وقف الحرب، هم من اشعلوها، ولا يريدون لها أن تنطفئ!! فلا تجعلوا حظوظ النفوس، تجعلكم تساعدون أعداء الشعب، وارفعوا الوطن، فوق كل مصلحة ذاتية، أو حزبية، أو سياسية.




