بدويات

ماريا.. لبنان في حقيبة الجدّة

محمد بدوي مصطفى
محمد بدوي مصطفى كاتب وإعلامي سوداني مقيم بألمانيا

د.محمد بدوي مصطفى

وصلت إلى مدينة ميدلين وطفقت أجرجر أذيالي بحواريها الغارقة في أنغام السحر اللاتيني الأمازوني. عُرِفَ عنها أنها حسناء كولومبيا المهابة. فعند تجوالي بحناياها الدفينة، كما هي حال تجوالي في كثير من مدن العالم، أدركُ وأيما إدراك، أن الحكايات الحقّة قد تبدأ بأماكن لا نتوقعها البتّة.

أولا في فندق لم تخطط ماريا للعمل فيه ولا أنا لقضاء بضع أيّام به. بين الإفطار وساعات اليوم المترامية، فمن حديث عابر مع امرأة لا أعرف عنها شيئا، ثم أكتشف بعد لحظات أن ما ظننته عابرا ليس عابرا على الإطلاق، وأن وراء الوجه الذي مر أمامي حكاية كاملة، وربما وراء الاسم وحده طريق يمتد من قارة إلى قارة، ومن جيل إلى جيل.

اعتدت في زيارات سابقة لميديلين أن أنزل في فندق في حي لاورليرس الهادئ، لكنني غيّرت المكان هذه المرة. وهناك التقيت ماريا. كانت شابة سمراء جميلة، متوسطة الطول، مجدولة الشعر، يَفْتَرُّ عن فِيها ابتسامة مشرقة، تسحرك من أوّل وهلة. هاهي ماريا، شابة فنزويلية في ريعان شبابها، هجرت بلدها ناشدة لقمة العيش الشريف هاهنا بكولومبيا. تحدثنا قليلا عن الحياة والعمل والأسرة، وعن فنزويلا وكولومبيا، ثم قالت لي، في سياق الحديث، إن جدتها لبنانية الأصل، وإنها هاجرت من لبنان إلى فنزويلا، حيث استقرت وبدأت حياة جديدة.

أخرجت لي ماريا بطاقتها الشخصيّة، فوقع بصري على اسمها:

ماريا محمد سالم.

توقفت لحظة أمام الاسم.

محمد سالم! نطقتها ماريا «سالن»، على السليقة اللاتينية.

ماريا محمد سالم… كانت تنطق حرف الميم، ذلك الصوت الشفوي الذي يخرج من التقاء الشفتين، كأنه نون أنفية، على الطريقة التي ألفها أهل أمريكا اللاتينية في بعض نطقهم. وفجأة، بدا الاسم العربي مألوفا في ثوب لاتيني؛ كأن «محمد سالم» عبر من ضفاف العربية إلى شوارع فنزويلا، من غير أن يغيّر شيئا من حروفه، سوى نبرة الصوت.

قلت في نفسي: يا إلهي، اسم عربي قطع عابر للقارات، قطع كل هذه المسافة، حتى وصل إلى امرأة فنزويلية تعيش اليوم في كولومبيا!

لم يكن لدي وقت كاف يومها لأطرح عليها كل الأسئلة التي خطرت ببالي. من أين جاء الاسم تحديدا؟ وكيف بقي الاسم العربي حاضرا بعد كل هذه الأجيال؟ وما الذي بقي في الأسرة من حكاية الجدة اللبنانية؟ التي تزوجت من رجل فنزويلي، جدّها، وهل هي على قيد الحياة!؟ تلاطمت الأسئلة في دخيلتي كطوفان عرم. وبين هذا وذاك كان صديقي الألماني فولكر على أهبة الاستعداد بأن نزور بعض المعالم السياحيّة بميديلين .

بيد أنني يا سادتي تعلمت من السفر، أن بعض الأسئلة لا تجد جوابها في اللحظة نفسها. تترك السؤال في مكان ما، ثم تعود الحكاية إليك بعد أيام، وكأنها تقول لك إن ما ظننته تفصيلا عابرا كان مفتاحا لباب أوسع.

ومنذ تلك اللحظة لم تعد ماريا بالنسبة إليَّ مجرد امرأة فنزويلية التقيتها في فندق بمدينة ميديلين، بل صارت وجها صغيرا لتاريخ طويل اسمه الهجرة بكل تجلياتها.

فالجدة غادرت لبنان إلى فنزويلا، ثم جاءت ماريا، بعد ثلاثة أجيال، تشق طريقها من فنزويلا إلى كولومبيا، وهل فعلت الجدّة هذا للأسباب نفسها.

تأملوا يا سادتي المسافة قليلا.

بلد في المشرق العربي، ثم المحيطان، ثم فنزويلا، ثم كولومبيا. أجيال تتعاقب، والأماكن تتبدل، واللغات واللهجات تتغير، ويبقى في مكان ما أثر الرحلة الأولى.

ماذا يبقى من الوطن بعد كل هذا؟

قد تبقى اللغة، أو الطعام، أو اسم العائلة، أو حكاية ترويها الجدّة. وقد لا يبقى سوى اسم صغير يطل عليك فجأة من بطاقة هوية، فيوقظ في داخلك أسئلة أكبر من اللحظة نفسها.

ولعل هذا هو سحر الهجرة؛ أنها لا تنقل الإنسان وحده، بل تحمل معه أشياء قد لا يدرك قيمتها إلا بعد زمن. تحمل الاسم والذاكرة والعادات والصور والروائح، ثم تتركها تتنقل من جيل إلى جيل، تَبُثُّها بتحنان حتى يصبح الوطن الأمّ أحيانا شيئا لم نره، لكننا نشعر أنه يسكن في مكان ما بجوانحنا.

ومن هذه التجارب خرج أدب المهجر العربي، وبرزت أسماء مثل جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي وغيرهم، حيث أصبحت الغربة والحنين والهوية والبحث عن الذات مادة للكتابة والتأمل. كان الوطن بعيدا في الجغرافيا، لكنه قريب في الروح بل أقرب من حبل الوريد، ذلك في كل زفرة وفي كل لمحة ونفس.

ومع ماريا بدا لي أن الحكاية انتقلت إلى جيل آخر؛ لم تعد هي المهاجرة الأولى، وإنما أصبحت تحمل في داخلها أثر مهاجرة سبقتها.

وهنا خطر لي سؤال بسيط وعميق في آن واحد: هل يمكن أن يرث الإنسان وطنا لم يعشه؟

ربما كانت ماريا تجيب عن هذا السؤال دون أن تدري.

وبعد ذلك، وفي تجوالي بمدينة ميديلين، تذكرت ماريا مرة أخرى عندما التقيت الأخ علي، صاحب مطعم لبناني اسمه «بيتي بيتك».

كان علي من بعلبك.

جلسنا نتحدث عن لبنان والهجرة، وعن العرب الذين عبروا المحيط واستقروا في هذه البلاد. وبينما كان يتحدث، شعرت أنني أستمع إلى الوجه الآخر من قصة ماريا.

علي جاء من لبنان إلى الولايات المتحدة في سن السادسة مع أسرته. وعاش وصار من أهلها. ثم هدته السبل إلى الرحيل مرّة ثالثة لبداية جديدة في ميديلين.

أما ماريا فجاءها لبنان من جدتها.

علي يعرف بعلبك لأنه عاش فيها، يعرف شوارعها وناسها وذاكرتها. أما ماريا، فلم تعش لبنان قط. وصلها لبنان من خلال جدة غادرت ذلك البلد ذات يوم، وحملت معها شيئا منه إلى فنزويلا.

عند علي، الوطن ذاكرة شخصية.

وعند ماريا، الوطن ذاكرة موروثة.

ولفتَ انتباهي يومها اسم مطعم علي: «بيتي بيتك».

يا لها من عبارة بسيطة، لكنها في حياة المهجر تكاد تكون فلسفة كاملة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان.

فالمهاجر حين يغادر بيته لا يستطيع أن يحمل حجارة البيت وأبوابه وشرفته معه، لكنه يحمل شيئا منه، ثم يحاول أن يعيد بناءه في المكان الجديد.

علي فعل ذلك بالطعام والاسم والحديث وما يحمله للناس من حبّ ودعم بدون أي مقابل. بيته حقيقة مفتوح لكل فرد، وما بالك قلبه؟!

أما جدة ماريا، فقد حملت لبنان إلى فنزويلا، ثم مضت السنوات، وولدت أجيال جديدة، حتى بقي لبنان في اسم وحكاية وذاكرة عائلية.

وهنا فهمت أن الهجرة ليست دائما رحلة من مكان إلى مكان، بل قد تكون رحلة من جيل إلى جيل.

بيد أنّ هذه المدينة المهابة ميديلين نفسها، كانت تحمل مائة حكاية وحكاية عن الرحيل والعنف والتحول وحدث ولا حرج!

إنّ هذه المدينة التي تبدو اليوم نابضة بالحياة والفن والموسيقى، عاشت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي سنوات قاسية ارتبطت بتجارة المخدرات والعنف وصراعات عصابات الكارتل. وكان اسم بابلو إسكوبار وكارتل ميديلين جزءا أساسيا من تلك المرحلة. وفي عام 1991، بلغت معدلات القتل في المدينة مستويات مرتفعة للغاية، ثم بدأت، بعد سنوات الصراع، رحلة طويلة من التحول الحضري والاجتماعي. وحوائط الذكرى لا تزال تحمل مئات بل آلاف الصور الفتوغرافية لمن رحلوا، سلبوا حريتهم، قتلوا أو تبخروا في لجين بحار النسيان.

ولقد زرت حي كومونا 13، وهي منطقة تختصر جانبا من هذه التحولات. بيد أنني اكتشفت أن قصتها لا يمكن اختزالها في اسم رجل واحد. فقد كانت مسرحا لصراعات متعددة بين جماعات مسلحة وميليشيات وعصابات، قبل أن تبدأ لاحقا في تقديم صورة أخرى عن نفسها من خلال الفن والجداريات والمبادرات المجتمعية والسياحة.

وربما كان هذا أكثر ما شدني في المدينة: أن ترى مكانا يحمل آثار ماض قاس، ثم ترى الناس وهم يحاولون أن يصنعوا منه شيئا آخر.

وهنا عادت إليّ ماريا بطيفها اللبناني الفنزويليّ.

فهي أيضا تحمل خلفها بلدا غادرته. أخبرتني عن حياتها في كولومبيا، وعن عملها، وعن قطعة أرض صغيرة اشترتها، وعن طفليها، وعن عيشها مع والديها دونما بعل.

تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنها تقول الكثير.

قطعة الأرض تعني محاولة لأن يبدأ الإنسان من جديد.

والعمل يعني البحث عن الاستقرار.

والبيت يعني أن يكون لك مكان تقول فيه: هنا أنا، وهنا أطفالي، وهنا يمكن أن نواصل الحياة.

ولهذا، حين أسمع أرقام الهجرة، أحاول أن أتذكر الوجوه التي تختبئ خلفها.

فكولومبيا تستضيف ملايين المواطنين الفنزويليين، وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، استنادًا إلى بيانات الحكومة الكولومبية، إلى وجود نحو 2.84 مليون منهم في البلاد بنهاية عام 2024.

لكن الرقم لا يستطيع أن يخبرك عن ماريا ولا على من جاء معها من أسرتها وربعها.

الرقم يقول: ملايين.

أما ماريا فتقول: أنا.

ولعل أجمل ما في قصتها أن الهجرة لم تكن حدثا واحدا في عائلتها، بل رحلة امتدت عبر الأجيال.

الجدة غادرت لبنان إلى فنزويلا، ثم جاءت ماريا من فنزويلا إلى كولومبيا.

وكأن التاريخ أعاد السؤال نفسه، ولكن بصوت متهدج مختلف:

أين يكون الوطن حين يتغير المكان؟

هل هو الأرض التي ولدنا فيها؟ أم المكان الذي عاش فيه آباؤنا؟ أم اللغة التي نحلم بها؟ أم اسم العائلة؟ أم رائحة طعام كانت الجدة تعده؟ أم تلك الحكايات التي لا نعرف تفاصيلها كلها، لكننا نشعر أنها تخصنا؟

لا أعرف يا سادتي.

لكنني أعرف أن الإنسان أكبر من جواز سفره، وأوسع من حدود البلد الذي ولد فيه.

ومنذ لقائي بماريا، صرت أنظر إلى الوجوه العابرة بطريقة أخرى. فالإنسان الذي نراه لدقائق قد يحمل وراء تلك الدقائق عمرا كاملا لا نعرف عنه شيئا.

وربما لهذا كان لقائي بعلي في مطعمه «بيتي بيتك» امتدادا طبيعيا لذلك اللقاء الأول.

رجل أخذ لبنان معه إلى ميديلين، وامرأة حملت أثر لبنان دون أن تعيش فيه، ثم واصلت هي نفسها رحلة الهجرة من فنزويلا إلى كولومبيا.

صورتان مختلفتان، لكن بينهما خيط واحد: الإنسان يغادر مكانا، ثم يحاول أن يصنع لنفسه مكانا آخر، وفي الطريق يترك جزءا منه هنا، ويحمل جزءا من هناك. أتعرف المثل البدوي الذي يقول: «فلان ألقى عصاه»؟!

ومنذ لقائي بماريا، ثم لقائي بعلي، بدا لي أنني أمام صورتين مختلفتين لرحلة واحدة. علي رجل غادر لبنان، لكنه حمل بعلبك معه إلى أمريكا ومن ثمّة إلى كولومبيا، وحاول أن يصنع من مطعمه «بيتي بيتك» بيتا صغيرا لوطنه البعيد. أما ماريا، فلم تغادر لبنان لأنها لم تعش فيه أصلا؛ لقد ورثته من جدتها التي حملته معها من لبنان إلى فنزويلا، ثم وجدت ماريا نفسها، بعد أجيال، تواصل رحلة أخرى من فنزويلا إلى كولومبيا.

عند علي كان الوطن ذاكرة عاشها، وعند ماريا صار ذاكرة موروثة، لكن كليهما يذكّرنا بأن الإنسان لا يترك وطنه خلفه تماما حين يرحل؛ قد يحمله في اسم، أو في طبق، أو في حكاية عائلية، أو في مطعم صغير يكتب على بابه «بيتي بيتك».

وربما لهذا بقي اسم «محمد سالم» عالقا في ذهني؛ اسم عربي قطع كل تلك المسافة، وعبر البحر والأجيال والحدود، حتى استقر في بطاقة امرأة فنزويلية تعيش في كولومبيا.

بعض الأسماء ليست أسماء فقط، يا سادتي.

إنها آثار سفر قديم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق