آراءبدوياترياضةسياسة

هل تتحوّل المنافسة إلى مسرح صراع فوقه المصالح والسياسة والمال؟

محمد بدوي مصطفى

مونديال ترامب … رجل البيت الأبيض…

محمد بدوي مصطفى كاتب وإعلامي ألماني من أصل سوداني مقيم بألمانيا
محمد بدوي مصطفى كاتب وإعلامي ألماني من أصل سوداني مقيم بألمانيا

٭٭٭

“في زمن الخداع العالمي، يصبح قول الحقيقة عملاً ثوريا.” (جورج أورويل)

على حدِّ قول المثل: “من نسي عادته، قلّت سعادته”، فعادة، يا سادتي، لا أميل إلى الكتابة في السياسة، ولا سيما السياسة العربية، لأنها لا تكفّ عن التغيّر يومًا بعد يوم، بل من ساعة إلى أخرى، دون أدنى مبالغة، حتى يكاد الكاتب يفقد الشغف والمتعة في ملاحقة أحداثها، أو الإمساك بخيطها قبل أن يفلت من جديد. ولعل هذا ما جعلني أؤمن، منذ زمن بعيد، بأن الأدب أبقى أثرًا من السياسة؛ فالروايات والقصائد تعيش عقودًا، وربما قرونًا، بينما تتحول التصريحات الرسمية والبيانات السياسية، مهما علت نبرتها، إلى أوراق صفراء في الأرشيف، لا يستعيدها إلا الباحثون في التاريخ. فالسياسة، في كثير من الأحيان، ابنة اللحظة، أما الكلمة الحرة فهي ابنة الزمن.

ولطالما خُيِّل إليّ أن السياسة، في عالمنا العربي على وجه الخصوص، تشبه صبيةً فائقة الجمال، مدللةً إلى حد الإفراط، لا تستقر على حال؛ تبتسم في الصباح، وتغضب عند الظهيرة، وتبدّل مزاجها كما مكياجها قبل أن يحل المساء. تُغري الجميع بالاقتراب منها، لكنها نادرًا ما تمنح أحدًا يقينًا دائمًا. أما الأدب، فلا يعرف هذا التقلّب؛ فهو أكثر صبرًا، وأطول نفسًا، لأن في طياته تكمن الحقيقة التي لا تقاس بسرعة الخبر، بل بقدرتها على الصمود أمام الزمكان.

ومع ذلك، دفعتني بطولة كأس العالم هذا العام، على غير عادتي، إلى الاقتراب من تخومها. فكلما اقتربت البطولة من إسدال الستار، ازدادت قناعتي يا سادتي، بأن الفصل بين كرة القدم والسياسة الدولية لم يعد ممكنًا البتّة كما كانت الحال في الماضي. فما يجري وما جرى داخل المستطيل الأخضر بكندا، أمريكا والمكسيك، لم يعد منفصلًا عما يدور خارجه، بل أصبح امتدادًا له وبجدارة.

فوا أسفاه إذ لم تعد الملاعب مجرد ساحات للتنافس الرياضي السمح، بل غدت مسارح ضروسة تعكس ملامح دنيا مضطربة أيما اضطراب، تتقاطع فيها المصالح، وتتصارع فيها القوى، وتنعكس على مدرجاتها وأسوارها وأساليب تنظيمها قضايا هامة للغاية، كمسائل الهجرة، والحدود، والهوية، والاقتصاد، وحتى العدالة غدت سيدة خجلة في ثوب عزوف. وأصبح واضحًا “عينك يا تاجر” ولكل فرد منّا أن كرة القدم التي أحببناها لحدّ القداسة والتي وُلدت يومًا لعبة للفقراء وأبناء الأحياء الشعبية، تحولت إلى نافذة نطل منها على التحولات الكبرى في السياسة والاقتصاد والمجتمع، حتى باتت البطولة نفسها أشبه بمرآة يرى العالم فيها صورته القاتمة بكل تناقضاتها، أكثر مما يرى مجرد مباراة بين فريقين يتنافسان على كأس.

ولعل الولايات المتحدة، بوصفها إحدى الدول المستضيفة وصاحبة الثقل السياسي الأكبر في العالم، قدمت لنا عيانًا بيانًا في غضون الستة أسابيع الجارية المثال الأوضح على هذا التشابك الوثيق بين الرياضة والسياسة بين تصنيف البشر إلى “درجة أولى” أو “درجة عاشرة”. فمنذ انطلاق البطولة، بدا أن هذه اللعبة لم تعد تُدار بمنطق الرياضة وحدها، بل أصبحت جزءًا من مشهد أوسع تتداخل فيه القوة الناعمة، وحسابات النفوذ، وصناعة الصورة السياسية وقضايا الاقتصاد والثراء الفاحش.

دعونا للحظة بس نتخيّل يا سادتي ماذا لو دخل دونالد ترامب مباراة ما وحيدا في مواجهة أحد أعظم منتخبات العالم، والله لما احتاج إلى أحد يسانده. ففي هذا المشهد الكاريكاتوري، يكفي أن يرفع جياني إنفانتينو “سبابته”، حتى تتطاير البطاقات الحمراء في وجوه لاعبي الفريق المنافس، واحدا تلو الآخر، حتى يبقى ترامب وحده في الملعب، فيُتوَّج بطلا، لا لأن المستديرة قالت كلمتها، بل لأن النفوذ سبق صافرة الحكم.

لم تُسدل الستارة بعد. فما زال النهائي بين الدولة المستعمرة إسبانيا والمستعمرة الأرجنين ينتظر صافرة بداية حرب كروية لم يرها العالم من قبل، وسيرفع أحد الفريقين الكأس في نهاية المطاف. لكن، أيًّا يكن البطل الذي سيعتلي منصة التتويج، فإن السؤال الحقيقي سيظل معلقًا فوق المدرجات، وأبعد من حدود المستطيل الأخضر: هل ما زالت كرة القدم احتفالًا بالشعوب وباللعبة الجميلة، أم أنها أصبحت، هي الأخرى، إحدى أدوات القوة الناعمة في عالم تتشابك فيه السياسة والاقتصاد والإعلام والمحسوبية؟

قد تنتهي المباراة، ويحتفل الملايين ببطل جديد، غير أن العالم لن يستيقظ في صباح اليوم التالي وقد وضعت الحروب أوزارها، أو خفتت الصراعات التي تمزق قلب الجغرافيا ونفس الإنسان. ستبقى غزة تنزف، وسيظل لبنان والسودان يواجها أزماتهما، وستستمر التوترات الإقليمية، بضريبة لعبور ممر هرمز أو بدونها فكلام الليل يمحوه النهار. كما سيبقى التنافس بين القوى الكبرى يجسّد بتشكيلية الرسام فانقوخ ملامح النظام الدولي الجديد أو لنقل اللانظام. وفي ظل هذه المعمعة كلها، لم تعد الرياضة بمنأى عن السياسة، بل غدت، في كثير من الأحيان، إحدى ساحاتها الأكثر تأثيرا وبدون منازع.

وأغلب الظنّ أن هذا هو أكثر ما دفعني، على غير شغفي وإرادتي، إلى الاقتراب من التحولات الجيورياضية. ليس لأنني أبتغيها، بل لأن كرة القدم نفسها دفعتني إليها. فما رأيناه في هذه البطولة يؤكد أن اللعبة التي وُلدت لتقريب بني البشر أصبحت، هي الأخرى، تعكس تناقضات العالم، وتكشف اختلال موازين القوة فيه، بقدر ما تقدم المتعة فوق المستطيل الأخضر.

ودعوني في نهاية المطاف أن أطرح السؤال، الذي سيبقى بعد انطفاء أضواء الملاعب لا يتعلق فقط بمن حمل الكأس الذهبية، بل بمن نجح في جعل الرياضة امتدادًا للنفوذ السياسي والاقتصادي. فالكؤوس تُرفع ثم تدخل المتاحف في كل لمحة ونفس، أما الأفكار التي تدافع عن الإنسانية والعدالة والكرامة فتبقى حيّة، لأنها لا تُقاس بعدد الأهداف، بل بقدرتها على مقاومة النسيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق