سياسة

سـدُّ النّهضة … ماذا وراء التعنّت الإثيوبي؟

جمال محمد إبراهيم

(1)

لقد تعثّر التفاوض الدائر بين الأطراف الثلاثة المعنية بملف إنشاء “سد النهضة العظيم”، ذلك المشروع الذي ظل فكرة مطروحة في إثيوبيا، وما تبلورت إلا بعد عام 2011. إلا أن إثيوبيا مضت في بناء السد، وقطعت أشواطا بعيدة، فيما تزايدت مخاوف اثنين من الأطراف الثلاثة التي تتشارك مياه نهر النيل الأزرق الذي سيقام عليه السد، على الرغم من أن اتفاقاً إطاريا تمّ التوقيع عليه بين البلدان الثلاثة عام 2015، إلا أن شياطين التفاصيل كمنت فيه، فبرزت رؤوسُها مع كلّ مرحلةٍ تقطعها الدولة الإثيوبية في الإنشاء. أثارت خطوات الملء والتشغيل، من دون إحاطة الدولتين الأخريين بتفاصيلها الفنية، قلقاً متزايدا لدى كلٍّ من الطرفين، السوداني والمصري، مع تفاوت انشغالاتهما بشأن الخطوات الإثيوبية الأحادية.

(2)

جرتْ جولات كثيرة لإحداث اختراقٍ في التفاوض بين البلدان الثلاثة، إلا أن التفاوض المباشر لم يكن مثمراً، والحوار الذي رعته الولايات المتحدة قد تعثر في 2020، وذلك الذي تلاه تحت مظلة الاتحاد الأفريقي لم يحرز ما يزيل مخاوف السودان ولا انشغالات مصر. وانتهت جولة في الشهر الماضي (مايو/ أيار) في الكونغو إلى فشلٍ ذريع، فغادرت الوفود الثلاثة العاصمة الكونغولية كينشاسا، وتأبّط كل طرف ملفاته. ثم أعلنت كلٌّ من الخرطوم والقاهرة أنّ إثيوبيا تتحمّل تبعات ذلك الفشل، لتعنتها وتصلب مواقفها، ما أضعف إرادة قيادتها السياسية لتحقيق اختراق إيجابي في جولة التفاوض تلك.

لعلّ من يتمعّن في تصلب المواقف الإثيوبية، والذي يكاد أن يجمع عليه المراقبون، في كلٍّ من السودان ومصر، ولحقتْ بهما الولايات المتحدة أخيرا، بما تواتر من تصريحاتٍ تشي أيضا بأنها مواقف متعنتة. والتعنّت لغةً هو الإصرار على الرأي والموقف، من دون إبداء مرونةٍ تحقق توافقاً بين مختلفين، لتنتهي المعضلة، بمكاسب تعود إلى كلِّ الأطراف، من دون أن يخسر أحد. إلّا أنّ القبول بمثل هذا التوصيف لا تقبله إثيوبيا، ولا ممثلوها الحكوميون في جولات التفاوض، ولا إعلاميوها وصحافيوها.

(3)

لو لم يكن ذلك هو الحال، فماذا نسمّي هذا التفاوض بين كل من إثيوبيا ومصر والسودان، وقد وصل إلى نهايات مسدودة، ولم يبدِ الجانب الإثيوبي أيَّ قدرٍ من المرونة، يمكن أن يفضي إلى توافقٍ بين ثلاثتهم؟ ثمّة ضبابية حول ما يسميه المراقبون هنا وهناك “التعنت” الإثيوبي. ما تراه مصر ويراه السودان من تصلّبٍ في المواقف الإثيوبية يدفعنا إلى إمعان النظر مليّاً في حقيقة تفاصيل ذلك الموقف، لا أن نقف عنده، بل لنسبر أغواره، فنستجلي خفايا موجباته. ذلك ما قد يحيلنا إلى وقائع تدور داخل إثيوبيا، قد لا تكون ذات صلةٍ مباشرةٍ بمشروع سد النهضة، ولكن للقيادة السياسية شأن بها، ولها ظلالها على مشروع ذلك السد النهضوي، كما يوحي المسمّى… وثمّة ملفات ساخنة تنشغل بتداعياتها القيادة الإثيوبية.

(4)

أول الملفات هو “سدّ النهضة العظيم”، الذي بشّر رئيس الوزراء، أبي أحمد علي، الشعب الإثيوبي بأن المشروع سيشكل النقلة التنموية الكبرى للبلاد، وأن فوائده ستعود على الشعب طاقة كهربائية وري مساحات زراعية وطفرة كبرى في التنمية الزراعية والصناعية، ورفع مستوى المعيشة في أقاليم البلاد كافة. وشكل خطاب التحدّي الذي تبناه رئيس الوزراء التزاما قويا للقيادة الإثيوبية، ووعداً صادقاً، التفّ حوله جميع سكان الأقاليم الإثيوبية. بات مشروع سد النهضة العظيم مصيريا، تعهّد القائد الإثيوبي الشاب الذي رهن مستقبله السياسي بإنجازه لفائدة الشعوب الإثيوبية كافة.

(5)

ثاني الملفات التي تحوز اهتماما متعاظما لدى القيادة الإثيوبية موضوع الانتخابات القومية التي كان من المفترض أن تجرى في يونيو/ حزيران 2020، ولكن رئيس الوزراء والحاكم الفعلي رأى تأجيلها بذريعة جائحة كورونا، فاشتعلت أزمة مع القوى السياسية في إقليم التيغراي تتشكك في نوايا رئيس الوزراء. وإقليم التيغراي، وفق النظام الفيدرالي، يتمتع باستقلالٍ إداري وسياسي عسكري نسبي، مثل غيره من الأقاليم الإثيوبية الأخرى في ذلك النظام. بين التيغراي والأمهرا، وبقية القوميات الإثيوبية، يقف شعب الأورمو (40% من حجم السكان)، وهو القومية التي ينتمي إليها أبي أحمد.

(6)

يتصل الملف الثالث بأزمة إقليم التيغراي، وهو الكيان المعارض التقليدي للجبهة الديمقراطية، الطرف الأساس في الائتلاف الحاكم الذي يتزعّمه رئيس الوزراء أبي أحمد. نوى الإقليم التمرّد على الدولة، فشنّتْ الحكومة المركزية حرباً تأديبية قاسية عليه، بقصد استعادة هيبة الدولة، فاندفع آلاف من سكان الإقليم إلى الهروب عابرين الحدود إلى السودان، نساءً ورجالاً وأطفالا، فيما السودان تعوزه الطاقة السياسية والاقتصادية لترتيب أوضاعه الهشّة، بعد ثورة ديسمبر 2018، ونقصان قدراته لاستيعاب كل ذلك العدد المهول من اللاجئين من إثيوبيا. تلك حرب داخلية، في حسابات رئيس الوزراء أن يأخذ بالشدّة معارضيه من شعب التيغراي، ليعزّز زعامته، فلا تتزعزع أمام تحدّيات خارجية تتربّص بمشروعاته لاستنهاض بلاده، وإنجاز أهم مشروع لنهضتها الحقيقية.

ليس مشروع سدّ النهضة اسماً حالما، بل هو تطلّع مشروع للنهوض بإثيوبيا، لتكون في طليعة الدول الأفريقية، وهي الدولة التي شهدتْ عاصمتها تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963، ولا يزال وريثها الشرعي، الاتحاد الأفريقي، مقيما في مباني تلك المنظمة، رمزاً للوحدة الأفريقية. وفي أجندة أبي أحمد أن يعزّز قيادته ليس على إثيوبيا وحدها، بل على الإقليم كله، خصوصا بعد أن نال جائزة نوبل للسلام عام 2019، تقديراً لجهوده في تحقيق تصالح مع جمهورية إريتريا المجاورة، بعد خصام طويل، ولما بذله الرجل من جهد فاعل لتحقيق الاستقرار في سودان ثورة ديسمبر.

(7)

رابع ملفات أبي أحمد تصعيد الخلاف الحدودي مع السودان، الساعى إلى تأمين حدوده من بعض المليشيات الإثيوبية النشطة في منطقة الحدود المشتركة مع إثيوبيا، وهي منطقة اسمها “الفـشقة”، مأهولة بمزارعين إثيوبيين، أقاموا سنين عددا باستسهال قديم وضعف سيطرة الحكومات السودانية المتعاقبة على مناطق الحدود، غير أن ادعاء ملكية أرض الغير بوضع اليد، من دون مسوّغ قانوني، وبتجاهلٍ متعمّد لاتفاقيات تاريخية مبرمة بين سلطات البلدين، لن يعطي لإثيوبيا حقاً يبرّر دفاعها عن مزارعيها الذين أقاموا مشروعاتٍ زراعية في أراضي الفشقة السودانية، والسودان يراه تعدياً على أراضيه لا مبرّر له. ليس أمام أبي أحمد، إلا التشدّد في الخلاف الحدودي مع السودان، ففي ذلك تعزيزٌ لقيادته، وهو على مشارف انتخابات قومية لا يرغب في خسارتها، غير أن الجانب السوداني تعامل بكلِّ حزمٍ، مؤكّداً سيادته الإدارية والسياسية على أراضي الفـشـقة وامتداداتها، ولن تكون محل مساومة. الفيصل، من وجهة النظر السودانية، هو الرجوع إلى الاتفاقيات التاريخية والوثائق المؤيدة ملكية السودان لها.

(8)

ثمّة تساؤل يبقى مشروعاً طرحه، ويتعلق بتزامن هذه الأجندات والملفات، مع التصعيد المتصل بملءِ سدّ النهضة وتشعيله في الشهر المقبل (يوليو/ تموز). هكذا يتضح تداخل هذه الملفات التي جيء على ذكرها، وجلّها بيد القيادة السياسية في إثيوبيا، ومعظمها ذات أبعاد داخلية تخصّ الطرف الإثيوبي. وقد أشارت وزيرة خارجية السودان، مريم الصادق المهدي، في محاضرة ألقتها في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الدوحة 17 يونيو/ حزيران الحالي، عن آفاق الحلول لأزمة سد النهضة، إلى ما سمته ضعف الإرادة السياسية عند الطرف الإثيوبي. وأضيف إلى ذلك تشابك الملفات الداخلية وتعقيداتها، ما قلّل كثيرا من خيارات التعاطي الإيجابي في التفاوض مع الدولتين اللتين طرحتا انشغالاتهما على الطرف الإثيوبي، فعجز عن التفاوض بإيجابية مثمرة. ليس من خيارٍ أمام مصر والسودان سوى الضغوط الإقليمية والدولية التي يمكن أن تعمل على تليين التصلب الإثيوبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق