
رواية «شرخ على شفاه الجسد» للكاتبة المغربية أسماء المعلومي: بلورة مواقف مختلة في حكي شهرزادي
نورالدين طاهري
تبدأ رواية «شرخ على شفاه الجسد» بعتبة إهداء تكتنز بوعي نقدي وإبداعي حاد، تصف الكاتبة من خلالها في الصفحات من 5 إلى 12 هذا العمل بأنه باكورة جنينية اقتاتت على سنين من إجهاد الذاكرة. إنها محاولة واعية لترسيم نسيج عالم كوني متخيل يقبض فيه على نزيف الأفكار المتناسلة لحظة بلحظة، وتجعل الكاتبة من الأحلام صهارة توهجها الإبداعي، متمسكة برهان المستقبل واللاانهزام رغم التهميش الفظيع الذي طال إصدارها الأول «نساء صامتات» الصادر عن وزارة الثقافة سنة 2007. وعبر تلك السنوات العجاف التي واكبت مخاض التكوين، تندفع الكاتبة لاستنبات زنبقة الإبداع في بيداء غجرية، مستفزة بضجيج الواقع وصخبه الذي يدفعها صوب التدوين؛ انطلاقا من إيمانها العميق بأن الرواية هي التاريخ السري للشعوب، ومن هنا ينبثق الأفق التخييلي لـرواية «شرخ على شفاه الجسد». وتصيغ الكاتبة خلفية هذا النص برؤية تشكيلية دينامية، معتبرة نفسها المخرج الأول لإبداعها، عابرة بأزمنة متداخلة تلف بطلتها مريم، مع تكثيف الأحداث لترك مساحة بيضاء للقارئ كي يتمم نسيج الرواية من ذاكرته وتأويلاته. أما دلالة الشرخ التي تتأسس في هذه الصفحات الأولى، فتتركه الكاتبة مفتوحا على غواية التأويل الجمالي والفكري، ويتداخل ولعها بالفن التشكيلي ليفجر لغة انزياحية رحبة تتلاعب بالمدهش السحري، لتخلق جنوحا بوهيميا مطلقا يبعثر النص ويحفز القارئ للانغمار في جسد تنهال عليه مطارق القدر، فالشرخ هنا صدى مرآة سيزيفية تؤكد بقاء الإنسانية مشحونة بالمأساوية والمفارقات الصادمة.
وتنتقل الرواية في الصفحات الممتدة من 13 إلى 33 لتنفتح على مشهد سريالي يمحو الماضي بلطخات دمائه المبعثرة في زوايا محنطة بصراخ مومياء صرعها الوهم، ويتصاعد من حافة السقوط دخان سر ثقيل تطرحه ذاكرة غضوبة تطوف بها أشباح تغني بسلاهيم سوداء وطواطية. في هذا المناخ الجنائزي، يبرز الشلال الأسود الذي يحضن مريم وهي تمد يدها اليمنى لتمسك بالماسات المنبجسة من ينابيع المياه الدافئة والباردة، وتصرخ بهلع إثر لثم الأشباح لها، ليحتضنها النهر الأسود دون أن يتحرر الجسد من لعنة الغجر، ظلا عالقا بأتربة دموية وعروق أفعوية ملوثة. وتتجلى اللعبة الميتا-روائية بأبهى صورها عندما تعترف الكاتبة بأن مريم لو لم تتشح بأبجدية الحرف لما عرفت صقل الجراح، وتتشابك هوية الساردة بطلتها في حوار داخلي وخارجي مدهش، فترى الكاتبة في شرارات مريم المرتعشة جزيئات مفتتة من نصفها الآخر، في حين تنكر مريم هذا الالتصاق وتدعي أنها مجرد بائسة تقبع في جحر الذات. وتؤكد الكاتبة أنها عاودت تشكيل مريم ونحتها بعد أن سكنتها لسنوات وقست عليها، بينما تصر مريم على البوح حتى الرمق الأخير متمسكة بكبريائها لتصرخ بما لا يقال. وتختصر الكاتبة العلاقة بمقولة جوستاف فلوبير الشهيرة بأن «مدام بوفاري هي أنا»، معتبرة مريم اختزالا لكل النساء اللواتي يحمن حولها. واستمرارا لخيوط التحايل والالتباس الإبداعي، يوثق السرد اللقاء الأول بين الكاتبة ومريم في تلك القرية النائية، في أزمنة شهدت ترتيل مريم لنصوص جبران خليل جبران محاولة احتضان الكلمات الهامسة لتدفئ رذاذ السأم الهلامي في ضلوعها، وتتزاحم ذكرياتها المترهلة كمطاردة المجنون الذي يصرخ باسم يامنة، والاصطدام بمحمود الساعي لقتلها. ترتل مريم في خشوع صوفي فلسفي عن سير الإنسان نحو الكمال عندما يشعر بأنه هو الفضاء ولا حد له، وأنه البحر بدون شواطئ، غير أن هذا الكمال الجبراني ينكسر فورا تحت وطأة الواقع الصاعق، إذ تبدأ الكاتبة السرد من لحظة صعق مريم من قبل محمود الذي سيطر على طفولتها وعشق تعذيبها السادي، والذي أطلقت عليه الكاتبة اسم تارتوف أو المنافق.
وتتوسع الرواية في رصد تشريح القهر الأسري ووليمة الدموع في الصفحات من 34 إلى 50، مارة ببراعة سينمائية إلى فضاء البيت السيزيفي المخنوق بالتوتر، وتفتح خديجة الباب لابن عمها احميدة وزوجته غيثة وأطفالهما، لتبدأ فصول مواجهة صامتة ومعلنة يوجه فيها احميدة كلامه لمحمود معاتبا إياه على جفائه لأهل القرية، مشيرا إلى خديجة بصفتها المرأة العزيزة التي اختطفها محمود منهم. وتتحول عروق خديجة ومحمود إلى ساحة غليان واحتقان دماء؛ فخديجة ترى في ابن عمها احميدة معتوها مريبا، وسببا مباشرا في تحويل حياتها إلى جحيم مستعر وخراب مقيم، ومحمود بدوره يبادلها نظرات الريبة والاستنكار، تاركا احميدة يهذي بكلامه البليد. وتكشف هذه الصفحات عن مكنونات الصراع الطبقي والنفسي، حيث تحدس خديجة أن احميدة وأسرته يودون المبيت بسبب علامات العياء الظاهرة عليهم، ورغم محاولتها بلع حنقها وغضبها المتطاير من عينيها، إلا أنها تشعر بوطأة الجرح القديم يفتح ثغره من جديد. ويستأذن محمود لينام، وقبل ذلك يصب جام غضبه على قطة سوداء شرسة تملكها ابنته إلهام، فيركلها بوحشية مفرطة، ثم يتكأ بتثاقل على سريره لينام شاعرا بالاسترخاء بعد يوم شاق. في أصقاع حلمه المجهولة، تنتصب ملامح احميدة المنفرة وهي تقهقه، بينما خديجة الطفلة الصغيرة تجري وتجري نحو حضنه في ظلام دكّان موحش، ليجذبهما تيار صاعق عنيف، فيستيقظ محمود لاهثا حانقا، ويرمي حذاءه على الحائط بعنف صارخاً بوعيد الانتقام. ترفض إلهام هؤلاء الزوار بسبب أسمالهم البدوية ورائحتهم الكريهة وأطفالهم المتسخين، فتضع أصابعها على أنفها وتغادر المكان باحتقان وبغض شديدين، أما مريم فتتحمل إعداد العشاء وقلي البطاطس تحت نظرات أمها العميقة، مستنشقة الحقد من رحيق أحضان الأب وضياعها الفعلي بين شجارات الأبوين المتوالية.
ثم ينتقل القارئ في الصفحات من 51 إلى 69 إلى ذروة استدعاء المرجعيات الثقافية للقهر، ففي المطبخ المكهرب، تتحامل خديجة على نفسها لتمنع سقوط دمعة لعينة فوق الدجاج الذي تطبخه، وتتذكر بمرارة بالغة ضعفها الشديد، فلولا أن محمود ستر عارها لقتلتها القبيلة بالطوب والحجارة. وتستحضر الذاكرة مشهدا مرعبا يمثل المرجعية الثقافية والاجتماعية للقهر، يتمثل في موت تلك المرأة المقنعة بالسواد في قصر قبيلة من لا يخاف. لقد لحقت بها القبيلة، وعرّوها من ثيابها بالقوة، وأخذوا يلعنونها ويرجمونها بالحجارة والطوب حتى أزهقوا روحها، ولم يكتفوا بذلك، بل حملوها بوحشية إلى فناء القبيلة وأحرقوها عبرة لمن يعتبر، وجعلوا رماد جسدها في كيس بلاستيكي معلقاً على باب أسرتها التي رحلت في الليل البهيم. هذه الحكاية الوحشية تعيش مع خديجة في كل ثانية، وترعبها كأن تلك المرأة المجهولة تسكنها وتحاول جذبها إلى ذات المصير الفظيع، لذلك تقدم العشاء وهي تردد في سرها الدعاء بالسم والهلاك، بينما تشعر غيثة بالرفض والمهانة فلا تأكل سوى قليل من البطاطس، وتتجمد أوصال مريم بنظرة عميقة حادة من أمها فتنسحب للنوم. تنام العائلة وتستيقظ خديجة وحدها، تضع يدها تحت وسادتها وتبحلق في المدى البعيد بحنق عارم على احميدة الذي يشاركها الطعام ويقهقه دون أن يفهم الثمن الغالي للسعادة التي حرمها منها. ويرفع النص الغطاء عن السر الدفين المتمثل في علم محمود بأن خديجة لم تكن عذراء، وفي ضوء ذلك المنعطف القديم، ينفصلان في الغرف ويتجرعان المرارة، ورغم رجاء خديجة المتكرر بالطلاق كرحمة أهون من السجن والمعاملة الكلبية الحقيرة، إلا أن محمود يصر على استبقائها لإذاقتها جحيم القرف. وتتذكر خديجة أيام حملها بمريم؛ كيف كانت تقوم بالمستحيل لإسقاطها عبر قفزات أليمة في المرحاض وحمل الأثقال لترمي بكتلة النجاسة في الخلاء للذئاب، لكن بمجرد سماع الصرخة الأولى، تشبثت بها وحمتها من ظلم العالم. أما محمود، فقد اعتبر زواجه سوء حظ توالت معه الكوارث، فبعد ثلاثة أشهر من الزواج، أحضرت القابلة لتفرخ الرذيلة في منزله، مما أصاب كرامته بمقتل وشكك في حسن اختياره أمام القبيلة. ماتت والدته، فباع ما يملك وشد الرحال بتكتم إلى المدينة ليشتغل بائع خضر في دكان، وظل يلوم نفسه لأنه لم يطلقها في فضيحة يسترد فيها شرفه الذي أريق دمه، واكتفى بجرح أصبعه لإنقاذ كرامته زيفا أمام القبيلة، ومن ثم، صار يتفنن في خلق شتى التعذيبات لزوجته وابنتها مريم التي يراها ابنة هذا الضيف الثقيل المزعج احميدة. وفي الصباح التالي، يبلغ الاحتقان ذروته إذ يضبط محمود احميدة وهو يلفظ اسم زوجته اخديديج بميوعة ومكر، وتصعد خديجة وراء زوجها غاضبة محفزة إياه على طرد ابن عمها ليخلصها من الخطيئة السرمدية والشروخ المرآوية والأسى الحارق. غير أن محمود يثور في وجهها معلنا أنه لن يسمح لهم بالبقاء أو الغداء، ويتسرب صوته الفظ لآذان غيثة، فتجمع حاجياتها غاضبة معتبرة أن أهل المدينة يرونهم بدوا، ويغادر احميدة وغيثة المنزل بغضب وعزة نفس مجروحة، دون أن يعلم احميدة أن جزءاً منه يتحرك في منزل بات ينبذه.
وفي الصفحات من 70 إلى 85، يسرد النص خدعة الفستان التوركوازي والتحول إلى خادمة، حيث ينتقل المشهد إلى دكان محمود بالسويقة، وهناك يرتدي قناع الحياة والبهجة والمزاح أمام زبنائه، ولا سيما السيدة الثرية المحترمة ياسمين، وتطلب ياسمين منه البحث عن فتاة أمينة ومن عائلة لتساعدها في أعباء منزلها بفيلا أكدال، ويرى محمود في هذا الطلب فرصته الذهبية للتخلص من رؤية وجه مريم التي تذكره بسياط الماضي وشماتته، وفي ذات الوقت يستأجرها ليأخذ راتبها الشهري لحسابه الخاص. ومن أجل إحكام الخدعة، يشتري محمود لمريم فستاناً بلون التوركواز، فتظن المسكينة أن حناناً نبت في تجاويف روحه، وتصدق القناع متناسية طبيعته المتوحشة، وتتفحص مريم ذاتها في المرآة لأول مرة بملامح وجهها المائل للسمرة، وشعرها الفاحم الطويل، وصدرها النحيل، وجسمها البدين بعض الشيء. يخفق قلبها سريعا متوهمة أن الزواج هو مبرر هذا الاهتمام النبيل، وأنه الجسر السري لتخطي جحيم الأسوار الرطبة النائية عن الشمس، وتلحظ الأم هذا التحول بنظرة حيرى شاكة، وتسألها بأسى إن كان الفستان قد أعجبها، وترسخ خديجة في وجوم وسأم، عالمة بقصور تجارب مريم في غابة العالم الشرسة التي لا ترحم الضعفاء ممن لا يملكون شهادات أو أسلحة مواجهة، بينما تصر مريم بإيمانها البسيط على الرضا بالمكتوب. وفي اليوم التالي، يقود محمود مريم إلى مربع الأوطوبيسات صوب فيلا ياسمين بأكدال، ويستقبلهم الخادم إسماعيل، وتهرع ياسمين لتتفحص السمراء من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، ويوصيها محمود بعبارات تقطر وحشية وسادية تؤكد تربيته لها على الطاعة واستعداده لاستخدام العصا الخارجة من الجنة إن أحدثت أي مشكلة، وفي لجة هذه الدوامة الرهيبة، تكتشف مريم الحقيقة وتوقن بصدق نبوءة أمها بأنها أصبحت مجرد خادمة.
وتمتد الرواية في فضاء فيلا أكدال عبر الصفحات من 86 إلى 109 لتصور مرسم عادل وعوالم التشكيل، فبين مساحات الفيلا الشاسعة وبذلة الخادمات البيضاء، تجد مريم في الزهور والورود صديقات جديدات ينسينها حزن أمها المستنسخ في كيانها، وفي هذا الفضاء، تلتقي بـ عادل، أصغر أبناء السيدة ياسمين، وهو شاب رقيق وحساس، يرفض نهج أخويه أشرف وسالم اللذين يدرسان طب الأسنان. يغلق عادل عليه باب مرسمه متوحدا مع الألوان واللوحات، ورغم ولوجه كلية الطب تحت ضغط أمه، إلا أنه يظل بوهيميا خالصا. تتشابك الخيوط وتتعقد إذ إن إلهام أخت مريم تدرس في نفس الكلية، وتنجذب لغنى عادل وجاذبيته، وتؤكد لصديقاتها أنها ستسيطر عليه وتجعله أسير قبضة يدها، لكن عادل ينساق وجدانياً صوب مريم؛ إذ يرى في وجهها الأسمر وتقاسيم حزنها البارد مشروعا للوحة كان ينبش عنها في دواخله. يرسم عادل لوحة فريدة يشرخ فيها جسد أنثوي معتم بواسطة قيثارة، وتتبعثر الألوان الرمادية في ضبابية تعزف أروع ما في مريم من خصوبة إنسانية وغربة ونار، ويعترف عادل لمريم بجمالها الغجري التلقائي العفوي، مؤكداً أنها نور يصعد به إلى السماء، وتجهش مريم بالبكاء متمنية لو التقته في زمن آخر وفي ثياب غير أسمال الخادمات البائسة. وفي إطار المصادفات الكونية الصادمة، يشغل عبد الرحيم والد عادل رجلا بدويا ساذجا كبستاني في الحديقة بعدما كاد يدعقه بسيارته ليلا، وتصدَم مريم بهذا البستاني لتكتشف أنه احميدة ابن عم والدها الحقيقي، والذي ضاع بعدما باع أرضه وماشيته وسُرقت نقوده في القطار لينتهي به المطاف بستانيا بائسا في فيلا مشغلي مريم.
وتأتي الصفحات من 110 إلى 122 لتعصف ببطلة النص في فصول المقصلة الأخلاقية والتعرية الوحشية للجسد، حيث تستمع السيدة ياسمين لتفاصيل حوار الحب والهوى بين ابنها عادل ومريم بالمطبخ، وتنفجر ثائرتها غيظاً وحقداً، فتصفع مريم وتضربها بكلتا يديها صائحة باتهامها بالوضاعة وتدبير الحيل لإيقاع ابنها الصغير، وتطردها فورا، متوجهة إلى دكان محمود لتخبره بأن مريم سارقة وغشاشة حقيرة سرقت منها خاتما من الماس. تهرب مريم إلى البحر، تلتقي بعادل قرب الصخور والأمواج حيث يعدها بالزواج وتحدي العالم لأجل عينيها، لكن في لحظة سريالية غامضة، يختفي عادل كطيف شارد، وتعود مريم إلى بيت بوقرون لتجد غولا بانتظارها. يطبق محمود على أنفاسها بالجلد بالسوط حتى تتهالك قواها وتخور أرضا راميا إياها بنعوت الفجور والزنا، وتكتمل المأساة بالتفتيش الهستيري عن الخاتم الماسي المزعوم، فيمزق محمود ثياب مريم بعنف ووحشية، ويعري جسدها المتهالك تماما، ويصلبها أرضا باحثا بين ضلوعها وثنيات صدرها عن الخاتم، وسط بكاء ونحيب خديجة العاجزة. وبمنتهى القذارة والمهانة، يبزق محمود على جسدها العاري ويهوي بحذائه الغليظ على بطنها حتى تحترق ألما، وتراقب أختها إلهام المشهد من كوة المفتاح باكتئاب وتقزز شديدين.
وتتوالى النكبات في الصفحات من 123 إلى 142 التي تروي صعود إلهام الأناني والمستنقع الأسود لمحمود، حيث تدخل إلهام في حالة اكتئاب وتتمنع عن الحفلات، وتتقرب من زميلها عادل في الكلية، ويجد عادل في إلهام سحرا وعطرا يبدد تعاسته ويهرب بها من ذكريات مريم. تنجح إلهام في ربط عادل بقلبها، وتخفي حزنها بابتسامة القوة، وتزف المفاجأة لأمها خديجة بتقدم عريس دكتور غني وجذاب لخطبتها، وتواجه ياسمين ابنها عادل بالرفض في البداية لكون العائلة تسكن أحياء شعبية عفنة، لكن محمود يتدخل بذكاء داهية ليعلن لياسمين في فيلتها أنه رجل غني يملك أراضٍ زراعية وفيلا بحي الرياض تقطنها زوجته الثانية سلوى. يكشف النص هنا عن الوجه الإجرامي لمحمود؛ فقد انغمر في عالم المتاجرة بالسموم البيضاء والمخدرات مع عصابة خطيرة تكللت عملياته معها بالنجاح، فأهداه زعيم العصابة فيلا وزوجة جميلة ومبالغ مالية هائلة، ويتم زفاف إلهام وعادل في فيلا محمود الجديدة الفخمة في أبهى الظروف، بينما تحضر خديجة ومريم كخادمتين مهمشتين إلى أقصى حد، لتنهار مريم بنحيب صامت يحطم أحشاءها بعدما استخسر فيها القدر حتى أوهامها.
وتتصاعد الدراما التراجيدية والجريمة في الصفحات من 143 إلى 160 مسجلة فخ المؤامرة الكبرى والموت المفجع للأم، ففي ليلة ليلاء، يدخل محمود بيت بوقرون العتيق في حالة سكر شديد، محاولاً اغتصاب مريم، وتستنجد خديجة بالجيران دون جدوى، فتهوي على رأسه بأقرب عصا لتتركه جثة هامدة أو مغمى عليه في صراع عنيف. وبعد فترة، يدبر محمود خطته الانتقامية الكبرى، فيزور البيت بعد اختفاء طويل، يصطنع اللطف، ويطلب كأسا من الشاي، بينما تلمحه مريم يضع كيسا خفيا في دولاب محاذٍ، ويغادر محمود بسرعة وتقتحم الشرطة المنزل فوراً لتقبض على خديجة بتهمة الاتجار في المخدرات بعد العثور على الكيس. تُرمى خديجة في زنزانة قذرة نتنة، تصاب بالذهول والتشظي التام، وتصرخ دون جدوى مستسلمة لمهاول السجن، وتنقل إلى مستشفى قذر، يزورها محمود قرب سريرها ليمارس ساديته وخنقه لرقبتها مستلذا بعذابها، وتموت خديجة وبين شفتيها حسرة واسم وحيد لمريم. تواجه مريم والدها في فيلته الفخمة متهمة إياه بالقتل والدموية وتتوعد بحرق الفيلا، فيصفعها بعنف وهدد بسحقها كذبابة، وتحاول مريم جاهدة إقناع المحقق ببراءة أمها وأن محمود هو رأس الأفعى وتاجر المخدرات، لكن المحقق يغرق في الضحك الساخر معتبراً كلامها هلوسة طفولية؛ لأن محمود قد اشترى الجميع بماله ونفوذه لإدانة خديجة.
وتصل الرواية إلى خاتمتها المشرعة على بوارق الأمل في الصفحات من 161 إلى 180، واصفة رصيف التشرد والمقهى الصحفي، حيث يبلغ الشرخ مداه الأقصى عندما يطرد محمود مريم إلى الشارع عبر عقود وأوراق مزورة سلبها بها آخر ملجأ يحميها، وتتحول مريم إلى متشردة تنام القرفصاء قرب القمامات وتؤنس وحدتها جيوش القطط الشرسة والكلاب الهزيلة المحنطة العظام، وتزور مقبرة أمها لتضع زهور البراري وتبكي بحرقة. وفي فجر أحد الأيام، يطاردها متشرد أرعن ذو جلباب رمادي ممزق يرى فيها امرأة تدعى يامنة، ويركض وراءها بين القبور حتى تلج السويقة قرب مقهى نفرتيتي، وينقض عليها المتشرد يصفعها ويصرخ باتهامها بالهرب والوعيد بقتلها، ويتجمهر حولها مشردون ومجانين يصرخون بذات الاسم. وفي هذه اللحظة الوجيعة من الغثيان والانهيار التام، تتدخل يد لتنقذ مريم؛ إنه فؤاد، صحفي شاب يتدخل ليخلصها ويجلسها بالمقهى، وتقص مريم عليه فاجعتها وخنق محمود لأمها خديجة العلمي. يربط فؤاد بذكائه الصحفي بين اسم خديجة العلمي والضجة الإعلامية المثارة حول سيدة تتاجر بالمخدرات وأدانها الرأي العام بعد موتها الفجائي، ويقرر فؤاد حماية مريم وإعلان حقيقة والدتها على الملأ، معتبراً أن امرأة بطبيعة خديجة لا يمكن أن تملك دهاء وذكاء محمود للاتجار في المخدرات، ويقودها إلى شقته المشمسة المجاورة لترتاح وتنام طويلاً. وحين تستيقظ وتصاب بإغماءة فجائية نتيجة الإرهاق الشديد، يستدعي لها صديقه الطبيب إبراهيم، ورغم تحذيرات إبراهيم لفؤاد من مغبة التورط مع مجهولة في متاهات الصحافة والمخدرات، إلا أن فؤاد يصر على شهامته الإنسانية، ويطمئنه الطبيب أن حالتها مجرد إرهاق سيزول بالظروف الملائمة، ويقدم لها وصفة العلاج، لتنتهي الرواية على أعتاب بداية معركة جديدة لترميم الشروخ الدامية على شفاه الجسد المستباح.
تتشكل رواية «شرخ على شفاه الجسد» لأسماء المعلومي كلوحة سردية شديدة الحساسية، حيث لا تكتفي اللغة فيها بنقل الأحداث، بل تغدو مشرا جراحيا يتغلغل في ثنايا الذاكرة المنهكة. إن أسلوب الكاتبة يزاوج بين قسوة الواقع وشفافية الوجدان، مستخدمة لغة استعارية مكثفة لا تروم التجميل بقدر ما تسعى إلى تعرية الألم، إذ تحضر الاستعارات المستمدة من صور التمزق والانكسار لتعبر عن جسدٍ أضحى مساحة للاختبار والقهر. وفي هذا السياق، يتجاوز السرد مجرد المحاكاة ليتحول إلى «ميتا-رواية» تتأمل في كينونتها؛ فالكاتبة لا تكتفي بكونها ناقلة للأحداث، بل تقتحم المتن لتعلن صراعها مع شخصياتها، لا سيما حين تستحضر مقولة فلوبير الشهيرة لتدمج ذاتها بمريم، في تداخل فلسفي يشي بأن الكتابة فعل وجودي لا ينفصل عن معاناة الجسد.
يتحرك هذا البناء الأسلوبي عبر إيقاع متوتر بين التداعي الحر للذاكرة والقفزات السردية التي تربط ماضي الشخصيات المأساوي بحاضرها الخاضع لسلطة «تارتوف»، محمود، الذي يتجسد في النص كرمز للقباحة الأخلاقية. إن التعدد الصوتي في النص، رغم هيمنة السرد المأسوي، يترك فسحات للصمت، ذلك الصمت الذي يحمل دلالة بلاغية تفوق الكلمات في التعبير عن الانكسارات التي لا تجد صوتاً لتبوح به. وتتجلى براعة الكاتبة في توظيف المفردات التي ترسم حدود القمع والتحرر؛ فالمفردات التي تحيط بمحمود تتسم بالحِدّة والعدائية، وتتسم بالثقل والترهيب، في حين تنزاح اللغة نحو أفق أكثر رحابة وأمل حين تقترب من عوالم المرسم أو محاولات فؤاد لكشف الحقيقة، مما يخلق تباينا لغويا يخدم الصراع الدرامي. وهكذا، تصبح اللغة في هذا العمل جسرا هشا يربط بين بشاعة الواقع المتمثل في مشاهد التفتيش والاتهامات الظالمة، وبين طموح النص الأدبي في الخلود إلى الجمال كنوع من المقاومة الوجودية.
تبرز رواية «شرخ على شفاه الجسد» للكاتبة أسماء المعلومي كعمل أدبي لا يكتفي برصد التصدعات الاجتماعية في علاقات القهر والهيمنة، بل يغوص في أعماق النفس البشرية بجرأة نادرة، محولا تجربة المعاناة إلى نص مفعم بالدلالات. لقد نجحت الكاتبة في خلق توازن لافت بين قسوة الواقع وتأملات الكتابة، حيث تتشابك خيوط السرد بأسلوب يجمع بين التشريح النفسي الدقيق والشاعرية الموحية، مما منح الشخصيات، وخاصة مريم وخديجة، صوتا يتردد صداه طويلا بعد طي الصفحة الأخيرة. إن هذا العمل، في جوهره، ليس مجرد حكاية عن الانكسار، بل هو صرخة إبداعية في وجه التهميش والظلم، وتأكيد على أن الأدب يظل الوسيلة الأكثر قدرة على توثيق الأوجاع الإنسانية وتحويلها إلى ذاكرة حية تقاوم النسيان.
المصادر
– أسماء المعلومي. (2013). شرخ على شفاه الجسد [رواية]..
– أسماء المعلومي. (2007). نساء صامتات [رواية]، منشورات وزارة الثقافة.
– جوستاف فلوبير. (مرجع أدبي مستشهد به في النص)، مقولة «مدام بوفاري هي أنا».




