العبودية التي بنت أمريكا… والعنصرية التي ما تزال تحكم العالم
د. محمد بدوي مصطفى
من شعر الفيتوري إلى أدب الزنوجة الأمريكية، قراءة نقدية في التاريخ الخفي للتمييز العرقي في معاناة الإنسان الأسود الذي يطارد الحضارة الحديثة كلها
افتتاحية:
في مستهل هذا المقال، الذي يأتي بالتزامن مع احتفال الولايات المتحدة الأمريكية بمرور 250 عاما على تأسيسها، أود أن أذكّر يا سادتي بأن العنصرية، قديما وحديثا، ليست مجرد خطأ أخلاقي ارتكبته البشرية في زمن غابر، بل واحدة من أخطر الأفكار التي غيّرت مصائر الأمم والشعوب. فكم من دولة شُيّدت ثرواتها فوق أكتاف العبيد، وكم من حضارة رفعت شعارات الحرية فيما كانت تخفي خلف بريقها تاريخا طويلا من الإقصاء والاستغلال. وبين إفريقيا التي نُهبت أرضا وإنسانا، وأمريكا التي ما تزال تعيش ارتباكا عميقا في هويتها العرقية، يقف الإنسان الأسود شاهدا على قرون من المعاناة التي لم تنته تماما، بل تبدلت وجوهها وأساليبها فقط.
في الحقيقة لست عالم أنثروبولوجي، فليس من السهل عليّ أنا أستاذ اللسانيات أو غيري عموماً، في غضون زمن يزدحم يوما تلو الآخر بضجيج الحروب ومباريات المونديال وصراعات الكُتل السياسية، أن يختار المرء منّا الكتابة عن العنصرية والعبودية، وكأن الفرد يعود إلى ملف قديم أنهكه التكرار ما أنهكه. غير أن بعض القضايا يا سادتي ودون أدنى شكّ لا يطويها الزمن، لأنها لم تتحول بعد إلى ذاكرة، بل ما تزال واقعا حيا يتنفس في تفاصيل المجتمعات الحديثة مهما ادعت المدنية والتحضر. ولهذا السبب تحديدا، اخترت أن أكتب عن هذه القضية، لا عن حرب إيران، ولا عن كأس العالم، ولا عن سجالات السياسة اليومية التي تشتعل وتخبو بسرعة، لأن قضية الإنسان الأسود بالنسبة إليّ ليست موضوعا عابرا، بل سؤالا وجوديا يتعلق بمصير الإنسان نفسه، وبمصير السودان الذي أنتمي إليه، ذلك البلد الذي لم يخرج بعد من دوامة التصنيفات العرقية والقبلية التي مزقته أكثر مما مزقته الحروب، وأقول الحقّ هاهنا ولا أخشى في الله لومة لائم، هذا هو الحال.
فالسودان أو لنقل الوطن العربي برمّته يا سادتي، في جوهر مأساته، لم يكن فقط ضحية استعمار أجنبي أو أنظمة سياسية فاشلة، بل كان أيضا ضحية صورة مشوهة للذات، حيث نشأت عبر قرون طويلة طبقات اجتماعية وذهنية تعتبر نفسها “أعلى” عرقيا أو إثنيا من غيرها، في تناقض فج مع الدين والتاريخ والإنسانية. وما تزال بعض القبائل والشعوب حتى اليوم تنظر إلى اللون والانتماء الإثني بوصفهما معيارا للقيمة الإنسانية، وكأن البشرية لم تتعلم شيئا من كل الدماء التي أريقت بسبب العنصرية عبر التاريخ.

ربما لهذا السبب اتجهت مبكرا إلى دراسة الجذور الفكرية والثقافية لهذه القضية. وفي رسالتي للماجستير بجامعة ليون الثانية الفرنسية، تناولت “النزعة الزنجية في الشعر العربي لدى الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري”، ذلك الشاعر الذي لم يكن مجرد شاعر عربي يكتب عن إفريقيا، بل كان صوتا إفريقيا يصرخ داخل اللغة العربية نفسها، ويعيد مساءلة علاقتها التاريخية باللون والهوية والسلطة.
كان الفيتوري يدرك، بحدس الشاعر ورؤية المثقف، أن مأساة الإنسان الأسود لا تكمن فقط في استعباده الجسدي، بل في سرقة صورته الإنسانية. ولذلك جاءت قصائده مفعمة بالغضب والتمرد والبحث عن الكرامة. ففي عالم عربي كثيرا ما تعامل مع الأسود بوصفه هامشا أو تابعاً، وقف الفيتوري ليقول: “جبهة العبد ونعل السيد… تلك معركة لن تنتهي”. لم يكن شعره بكائية عرقية، بل مشروعا لتحرير الإنسان من أوهام التفوق العرقي التي تلبست الحضارات القديمة والحديثة معا.
ومن الفيتوري قادتني الدراسة إلى حركة “الزنوجة” الإفريقية، تلك الثورة الفكرية التي قادها الرئيس السنغالي والشاعر الكبير ليوبولد سيدار سنغور، ومعه إيمي سيزير وليون داماس. كانت الزنوجة، في حقيقتها، محاولة لاستعادة الكرامة الإفريقية بعد قرون من الاستعمار الأوروبي الذي لم يكتف باحتلال الأرض، بل احتل صورة الإنسان الإفريقي في الوعي العالمي، وصوره باعتباره كائنا أدنى، أقرب إلى الغرائز منه إلى الحضارة.
لقد ارتكب الاستعمار الغربي جريمة مزدوجة في إفريقيا: نهب الثروات من جهة، وتحطيم الثقة بالذات من جهة أخرى. ولم يكن الاستعباد مجرد مرحلة اقتصادية في التاريخ الغربي كما تحاول بعض السرديات الليبرالية المعاصرة أن تصوره، بل كان الأساس الذي قامت عليه إمبراطوريات كاملة. فالولايات المتحدة الأمريكية نفسها، التي تحتفل اليوم بمرور مائتين وخمسين عاما على تأسيسها، لم تكن لتصبح القوة الاقتصادية الأكبر في العالم لولا ملايين السود الذين اقتلعوا بالقوة من إفريقيا ليعملوا عبيدا في مزارع القطن والسكر والتبغ.
هذه ليست مبالغة خطابية، بل حقيقة تاريخية تؤكدها الوثائق الاقتصادية الأمريكية ذاتها. فمنذ القرن السابع عشر وحتى إلغاء العبودية رسميا عام 1865، كان الاقتصاد الجنوبي الأمريكي قائما بالكامل على العمل القسري للسود. وتشير تقديرات المؤرخين إلى أن ملايين الأفارقة ماتوا في رحلات “الممر الأوسط” عبر الأطلسي، حيث كانت السفن الأوروبية تنقل البشر كما تنقل البضائع، في واحدة من أبشع الجرائم المنظمة في التاريخ الإنساني.
لكن المأساة الأكبر أن أمريكا، التي رفعت شعار الحرية، ظلت لعقود طويلة تمارس نظام فصل عنصري ممنهج ضد السود حتى بعد إلغاء العبودية. كانت الديمقراطية الأمريكية، في أحد وجوهها، ديمقراطية بيضاء بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ. فالأسود لم يكن يملك حق التصويت الكامل، ولا حق التعليم المتساوي، ولا حتى حق الجلوس إلى جوار الأبيض في الحافلات أو المطاعم والقائمة طويلة. وحين نقرأ اليوم عن اغتيال مارتن لوثر كينغ أو عن نضالات مالكوم إكس، فإننا لا نقرأ أحداثا معزولة، بل فصولا من حرب طويلة خاضها السود لإثبات أنهم بشر كاملون في نظر الدولة الأمريكية.
وربما كان الأدب أكثر صدقا من السياسة في فضح هذه المأساة. فمن لانغستون هيوز، شاعر “نهضة هارلم”، إلى جيمس بالدوين، وصولا إلى توني موريسون التي حفرت في الذاكرة السوداء الأمريكية بعمق استثنائي، ظل الأدب الأسود الأمريكي شاهدا على أن العنصرية ليست مجرد موقف اجتماعي، بل بنية نفسية وثقافية متجذرة في التاريخ الغربي الحديث.
لقد كتبت توني موريسون عن العبودية بوصفها لعنة تنتقل عبر الأجيال، وكتب جيمس بالدوين عن الخوف الأمريكي المزمن من الأسود، فيما كان لانغستون هيوز يحلم بأمريكا لم تولد بعد، أمريكا تعترف أخيرا بأن ثراءها قام على ظهور العبيد الذين حرموا حتى من حق الحلم.
واليوم، بينما تستعد الولايات المتحدة للاحتفال بمرور قرنين ونصف على تأسيسها، يعود السؤال القديم بثوب جديد: من يملك حق الاحتفال بأمريكا؟ وهل يمكن للسود والأقليات أن يروا أنفسهم حقا داخل السردية الوطنية الأمريكية؟
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بوصفه الرئيس السابع والأربعين، يشعر كثير من الأفروأمريكيين بأن خطاب التفوق الأبيض يعود إلى الواجهة بصورة أكثر وقاحة، تصافقًا وعلنية. فالرجل الذي بنى جزءا كبيرا من شعبيته على التخويف من المهاجرين والأقليات، لا يخفي حنينه إلى أمريكا البيضاء المحافظة، تلك التي ترى في التنوع تهديدا لهويتها لا مصدر قوة لها.
نعم يا سادتي، صحيح أن الولايات المتحدة تغيرت كثيرا منذ ستينيات القرن الماضي، لكن العنصرية لم تختف، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال أكثر تعقيدا. فبدلا من السلاسل الحديدية القديمة، ظهرت أشكال جديدة من الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وما تزال الفجوة بين السود والبيض في التعليم والثروة والرعاية الصحية والعنف الشرطي شاهدا يوميا على أن العبودية انتهت قانونيا، لكنها لم تنته نفسيا وثقافيا.
وفي العالم العربي، تبدو المفارقة أكثر قسوة، لأن مجتمعات كثيرة ما تزال تمارس عنصرية صامتة ضد السود، بينما ترفع في الوقت ذاته شعارات الدين والمساواة. فكم من أسود عربي ما يزال يعامل باعتباره مواطنا من الدرجة الثانية؟ وكم من خطاب ثقافي عربي ما يزال ينظر إلى إفريقيا بوصفها هامشا جغرافيا وبشريا؟
إن القضية هنا ليست قضية لون بشرة فحسب، بل قضية وعي أخلاقي وحضاري. فالحضارات التي تبني مجدها على إهانة الإنسان، حتى وإن بلغت ذروة القوة، تحمل في داخلها بذور انهيارها الأخلاقي. ولعل أخطر ما في العنصرية أنها لا تدمر الضحية وحدها، بل تدمر أيضا روح الجلاد نفسه، لأنها تحوله إلى كائن يبرر القسوة باسم التفوق.
لهذا أكتب اليوم عن العنصرية، لا باعتبارها ملفا تاريخيا، بل باعتبارها مرآة للعالم المعاصر كله. فمن السودان إلى أمريكا، ومن قصائد الفيتوري إلى روايات توني موريسون، ومن سنغور إلى لانغستون هيوز، ما يزال الإنسان الأسود يطالب بالشيء نفسه منذ قرون: أن يُعامل بوصفه إنسانا كاملا، لا ظلا لإنسان آخر. وربما كان هذا، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لأي حضارة تدعي الإنسانية.

خاتمة
وفي تقديري، فإن العالم اليوم يقف أمام لحظة أخلاقية فارقة؛ فإما أن تتحول قضايا العنصرية والتمييز إلى مجرد شعارات تستهلكها السياسة والإعلام، وإما أن يعاد بناء الوعي الإنساني على أسس أكثر عدالة واعترافا بالتنوع البشري. فالمشكلة لم تعد في القوانين وحدها، لأن كثيرا من الدول ألغت العبودية والفصل العنصري رسميا، بينما بقيت العقليات القديمة كامنة في التعليم والإعلام والاقتصاد والخطاب الثقافي وحتى في تفاصيل الحياة اليومية.
إن المعركة الحقيقية في المستقبل لن تكون فقط ضد عنصرية اللون، بل ضد كل أشكال الاستعلاء التي تجعل الإنسان يعتقد أنه أرقى من غيره بسبب العرق أو القبيلة أو الدين أو اللغة أو الجغرافيا. ولهذا فإن مواجهة العنصرية تبدأ من المدرسة قبل المحكمة، ومن الثقافة قبل السياسة، ومن إعادة كتابة التاريخ بصدق قبل رفع الشعارات فوق المنابر.
نحن بحاجة إلى مناهج تعليمية تعترف بتاريخ العبودية والاستعمار بلا تزييف، وإلى إعلام يتوقف عن تكريس الصور النمطية ضد السود والأفارقة، وإلى خطاب ديني وثقافي يعيد للإنسان قيمته بعيدا عن التصنيفات الضيقة. كما أن العالم العربي، والسودان تحديدا، مطالبان اليوم بشجاعة فكرية وأخلاقية لمراجعة علاقتهما المعقدة باللون والهوية والانتماء القبلي، لأن الأوطان التي تعجز عن تحقيق العدالة بين أبنائها، تظل مهددة بالانقسام مهما رفعت من شعارات الوحدة.
أما الولايات المتحدة، التي تحتفل اليوم بمرور 250 عاما على تأسيسها، فلن يكون احتفالها كاملا ما لم تعترف، أخلاقيا وثقافيا قبل الاعتراف السياسي، بأن السود لم يكونوا هامشا في تاريخها، بل كانوا جزءا أساسيا من بناء قوتها وثروتها وحلمها الأمريكي نفسه.
لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تسقط فقط بسبب الحروب، بل تسقط أيضا حين تفقد قدرتها على رؤية الإنسان في الآخر المختلف عنها. وربما يكون الأمل الحقيقي اليوم في الأدب والفكر والفنون، لأنها وحدها القادرة على هدم الجدران النفسية التي بنتها قرون من الخوف والكراهية والتفوق الوهمي.
وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي يطارد ضمير البشرية كلها: هل نتعلم أخيرا أن الإنسان لا يُقاس بلونه ولا بأصله ولا بقبيلته، بل بما يحمله من عدالة ورحمة ووعي؟ أم أننا سنواصل إعادة إنتاج المأساة نفسها بأسماء جديدة ووجوه أكثر حداثة؟






هذا مقال موفق جدا وقد استطاع عبر الكلمة نقل احد اهم المبادئ الإنسانية السامية وهى ان الناس كلهم سواسية وان سعى البعض لإدعاء التفوق انما يعكس نقصهم وتناقضهم الداخلى.
نشأة البشرية تدور حولها كثير من المقولات الدينية والفلسفية ولكن العلم الحديث قد اثبت ان شرق أفريقيا كان هو المكان الذي شهد ميلاد الإنسان الأول. الدكتورة زينب بدوى المذيعة بقناة BBC قد كتبت كتاب ثوري بعنوان: “Africalln History of Africa from down of the humanity to independence” ، هذا كتاب غاية في الأهمية حيث انه يعيد كتابة التاريخ الافريقي بالشكل الصحيح. كما يقول المثل السوداني “حلو الكلام في خشم سيده” ، هذا كتاب عن التاريخ الافريقي بلسان الأفارقة.
الانسانية تضمنا جميعا واللون لا يجب أن يكون ميزة لاحد على الآخر. تخيل ان جميع البشر في العالم لديهم بشرة سمراء او بيضاء، اعتقد لن يكون هذا أمر محببا. هذه الفيفساء اللونية للبشر واختلاف الثقافات والسحانات، تعتبر صفة انسانية مميزة يجب على المجتمع الإنساني ان يعتز به لا ان يتندر عليها.
نحن نعيش في زمن التحديات العالمية الضخمة مثل قضية التغير المناخي، حيث أن درجة حرارة الأرض ظلت في ارتفاع مستمر والجهود العالمية المبذولة دون المطلوب حتى الآن. الإنسان الأسود هو امل البشرية في المحافظة على النسل البشري في ظل هذا الخطر الذي يتهدد البشرية بسبب التغير المناحي وارتفاع درجة حرارة الأرض، حيث انه الأكثر تكيفا مع الطقس الحار. انها مفارقة عجيبة ان تكون بداية البشرية في افريقيا والأمل في بقائها المستقبلي مرهون أيضا بالسود الافارقة. حتى قبل ذلك حاليا العالم يعاني تراجع حادا في المواليد، بسبب الانخفاض الحاد في الخصوبة خصوصا بين الدول الغنية، والحل مرة أخرى عند السود الأفارقة حيث أن الأمم المتحدة قدرت انه بحلول 2050 كل 5 شخص سوف يكون هناك 1 أفريقي اسود.
تحياتى،
محمد جبرائيل