آراءبدوياتسياسة

نظام دولي بمعايير ازدواجية: قراءة نقدية لحرب إيران والتحولات الجيوسياسية

علاقة القوة بالقانون وتأثير الإرث الاستعماري

د. محمد بدوي مصطفى

افتتاحية: بين التجربة السياسية والوعي التاريخي

ينطلق هذا التحليل من موقع كاتبه، د. محمد بدوي مصطفى، الذي لا يكتفي بالمتابعة الأكاديمية البعيدة، بل يجمع بين التجربة السياسية المباشرة والدراسة الفكرية المتعمقة لقضايا ما بعد الاستعمار، بما في ذلك الأدب الأفريقي وأدب الاستعمار، إضافة إلى المشاركة في ندوات علمية تناولت نقد الذاكرة الاستعمارية الغربية وإشكالية الاعتراف بالمسؤولية التاريخية عن جرائم العبودية والاستنزاف وإعادة تشكيل البنى الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا وأجزاء واسعة من الشرق.

وقد عايشتُ العمل السياسي من خلال تجربتي كنائب برلماني عن حزب الخضر الألماني في بلدية مدينة كونستانس، حيث يتجلى يومياً كيف تُصاغ القرارات في المساحات الفاصلة بين الخطاب المعلن ومقتضيات الواقع السياسي، وكيف لا تعكس اللغة الرسمية دائماً حقيقة التوازنات التي تحكم الفعل السياسي خلف الكواليس.

في ضوء هذه الخبرة المركبة بين الممارسة السياسية والوعي التاريخي النقدي، أتناول الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران لا بوصفها حدثاً عسكرياً معزولاً، بل كجزء من منظومة دولية تعاني من اختلال بنيوي عميق، تتجلى ملامحه في ازدواجية المعايير، والانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وفي إعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر الإعلام والخطاب السياسي معاً.

لقد بدأ هذا المشهد بصمت غربي ثقيل، بدا في ظاهره حياداً دبلوماسياً، لكنه في جوهره كان تعبيراً عن إدارة محسوبة للأزمة، تنتظر تبلور موازين القوة قبل اتخاذ موقف واضح، قبل أن يتحول لاحقاً إلى خطاب قانوني متأخر يناقش شرعية الحرب وكأنها مسألة تقنية منفصلة عن واقع الدم والدمار الإنساني الذي ينتج عنها.

klippmagazin: 5. bis 7. Mai: Tage der Afrikanischen Literaturen

بين القانون الدولي والانتقائية السياسية

إن القانون الدولي، الذي نشأ تاريخياً بوصفه محاولة بشرية لتقييد الفوضى في العلاقات بين الدول، وتأسيس حدّ أدنى من القواعد المشتركة التي تحكم الحرب والسلم، يُفترض أن يكون المرجعية العليا التي لا تعلوها اعتبارات القوة أو المصالح، وأن يظل الإطار الذي يُخضع الجميع لمبدأ واحد: المساواة أمام القاعدة القانونية. غير أن الممارسة الفعلية في العلاقات الدولية كثيراً ما تكشف فجوة واسعة بين هذا التصور المعياري، وبين الواقع الذي تتحكم فيه موازين القوى، وتعيد فيه الدول الكبرى تفسير القواعد وفق ما يخدم مصالحها الاستراتيجية في لحظات معينة.

فيا سادتي، حين تُطرح قضايا مثل الحرب على إيران، أو غيرها من ملفات النزاع في النظام الدولي، لا يأتي الجدل القانوني دائماً من باب البحث الصرف في نصوص ميثاق الأمم المتحدة أو مبادئ القانون الدولي الإنساني، بل يتداخل مع حسابات سياسية معقدة، تتعلق بالتحالفات، وبالنفوذ الإقليمي، وبالتوازنات الاستراتيجية. وهنا تحديداً يبدأ التباين في المعايير بالظهور: فالمبدأ القانوني ذاته قد يُشدَّد في تفسيره أو يُخفف، بحسب الجهة التي يُراد تطبيقه عليها.

لقد سمعنا في الخطاب السياسي الغربي، وفي سياقات متعددة، تبريرات تُركّز على طبيعة النظام السياسي في بعض الدول، وعلى سجلها في مجال حقوق الإنسان، وعلى ممارسات القمع الداخلي، وكأن هذه العناصر، في حد ذاتها، يمكن أن تتحول إلى أساس قانوني أو أخلاقي لتبرير تدخل عسكري خارجي. غير أن هذا المنطق، إذا ما جرى تعميمه، يُحدث انقلاباً خطيراً في بنية القانون الدولي، لأنه ينقلنا من نظام قائم على قواعد محددة سلفاً، إلى نظام قائم على التقييم السياسي والأخلاقي المتغير للدول، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة إنتاج منطق التدخل الانتقائي.

فإذا أصبح معيار “حقوق الإنسان” أو “طبيعة النظام السياسي” مبرراً كافياً لاستخدام القوة، فإن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه فوراً هو: من يحدد هذا المعيار؟ ومن يقرر متى يصبح التدخل مشروعاً ومتى لا يكون كذلك؟ وهل يمكن ضمان أن هذا المعيار لن يُستخدم بطريقة انتقائية، بحيث يُطبَّق على خصوم سياسيين، ويُغضّ الطرف عنه في حالات أخرى، رغم وجود انتهاكات مماثلة أو أشد؟

هنا تتجلى الإشكالية العميقة في النظام الدولي المعاصر، حيث يتحول القانون، في بعض الأحيان، من كونه إطاراً ملزماً للجميع، إلى أداة تفسيرية تُستخدم لتبرير سياسات قائمة سلفاً. وهذا التحول لا يمر دون أثر؛ فهو يُضعف الثقة في النظام القانوني الدولي، ويُعزز لدى كثير من الدول والشعوب الشعور بأن العدالة ليست متساوية، وأن المعايير ليست واحدة، وأن ما يُطبق على طرف قد لا يُطبق على طرف آخر في ظروف مشابهة.

إن هذا التباين لا يعكس مجرد خلل تقني في التطبيق، بل يشير إلى أزمة بنيوية أعمق في طبيعة النظام الدولي ذاته، حيث تتداخل الشرعية القانونية مع الشرعية السياسية، وتصبح الثانية في كثير من الأحيان قادرة على تعطيل الأولى أو إعادة تشكيلها. فالقوة، في هذا السياق، لا تخرق القانون دائماً بشكل مباشر، لكنها تعيد تعريفه، أو تؤثر في آليات تفسيره وتطبيقه، بما يجعله مرناً بشكل مفرط في مواجهة مصالح معينة، وصلباً بشكل انتقائي في مواجهة أطراف أخرى.

ومن هنا تنشأ حالة من التناقض المستمر: فبينما يُقدَّم القانون الدولي في الخطاب الرسمي بوصفه نظاماً عالمياً شاملاً، تُظهر الممارسة اليومية أنه أقرب إلى منظومة تفاوضية غير متكافئة، تتحدد فيها نتائج التطبيق بمدى القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية للأطراف المعنية. وهذا ما يفسر الإحساس المتزايد لدى كثير من الفاعلين الدوليين بأن النظام القائم لا يعكس فعلياً مبدأ المساواة، بل يعيد إنتاج توازنات القوة القائمة في شكل قانوني.

إن خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في الأثر المباشر على الدول المستهدفة، بل أيضاً في الأثر طويل المدى على مفهوم الشرعية الدولية ذاته. فعندما يفقد القانون طابعه الملزم والمتساوي، ويتحول إلى أداة انتقائية، فإن النتيجة الطبيعية هي تآكل الثقة به، وازدياد الميل إلى البحث عن بدائل خارج إطاره، سواء عبر التحالفات الإقليمية، أو عبر منطق القوة الصرف، أو عبر إعادة تعريف السيادة بمعزل عن المنظومة الدولية.

وفي المحصلة، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود القانون الدولي كفكرة، بل في طريقة تطبيقه. فالقانون، في جوهره، لا يزال يمثل ضرورة إنسانية وسياسية لا غنى عنها لتنظيم العلاقات بين الدول. لكن التحدي الأكبر يكمن في تحويله من خطاب معياري يُستخدم انتقائياً، إلى ممارسة فعلية متسقة، تُطبَّق على الجميع دون استثناء، وبعيداً عن الحسابات اللحظية للمصلحة.

وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل يمكن للنظام الدولي أن يستعيد توازنه بين القوة والقانون، أم أن مسار الانتقائية سيظل هو القاعدة، بينما يبقى القانون مجرد إطار يُستدعى حين يخدم، ويُهمَّش حين يعارض؟

Geraubte Geschichten: Auch moderne Literatur zehrte von kolonialer ...

الصمت الغربي: بين الحياد والتواطؤ

إن الصمت السياسي، في جوهره، ليس حالة فراغ كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو تعبير ضمني عن موقف، أو على الأقل عن خيار محسوب ضمن شبكة معقدة من الاعتبارات الدبلوماسية والأخلاقية. فحين تختار القوى الكبرى عدم التعليق، أو الاكتفاء بعبارات عامة ومتحفظة، فإن هذا الصمت لا يُقرأ فقط بوصفه حياداً، بل يُقرأ أيضاً بوصفه رسالة سياسية قد تحمل في طياتها قبولاً ضمنياً، أو رغبة في عدم تعطيل مصالح استراتيجية قائمة. ومن هنا فإن الصمت، في سياق العلاقات الدولية، لا يقل دلالة عن الكلام، بل قد يفوقه تأثيراً في تشكيل الوعي العام وتوجيه مسارات الأحداث.

غير أن هذا الصمت يصبح أكثر إشكالية حين يتعلق بقضايا تمس حياة ملايين البشر، أو ترتبط بانتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي وحقوق الإنسان، لأن غياب الموقف الواضح في مثل هذه الحالات لا يُفهم كحياد بريء، بل غالباً ما يُفسَّر كنوع من التواطؤ غير المعلن، أو على الأقل كقبول ضمني باستمرار الوضع القائم. وعندما يترافق هذا الصمت مع لاحق من التصريحات المتناقضة أو النقاشات القانونية الانتقائية، فإنه يكشف عن حالة من الارتباك السياسي، أو عن محاولة لإعادة صياغة الموقف بما يتلاءم مع تطورات المشهد، دون تحمل كلفة الاعتراف المباشر بالمسؤولية الأخلاقية.

لكن هذا النمط من الصمت لا يمكن فصله عن سياق تاريخي أوسع، يمتد إلى ما قبل الأزمات الراهنة بكثير، حيث ارتبط تاريخ العلاقات الغربية مع العالم غير الغربي بسلسلة طويلة من السياسات الاستعمارية التي لم تكن مجرد احتكاك حضاري، بل شكلت منظومة متكاملة من الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية. فقد شهدت القرون الحديثة توسعاً استعمارياً واسعاً قامت به القوى الأوروبية، امتد عبر قارات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث جرى إخضاع شعوب بأكملها لمنظومات حكم خارجي، وإعادة تنظيم مواردها الاقتصادية بما يخدم المراكز الاستعمارية في أوروبا.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال واحدة من أكثر الصفحات قتامة في التاريخ الإنساني، وهي تجارة الرق العابرة للمحيطات، التي شهدت نقل ملايين البشر من القارة الأفريقية إلى مختلف أنحاء العالم في ظروف بالغة القسوة، حيث تم تحويل الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى في أسواق النخاسة، في منظومة اقتصادية امتدت لقرون، وتركت آثاراً عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للقارة الأفريقية. هذه التجربة لم تكن مجرد حادثة تاريخية عابرة، بل كانت نظاماً كاملاً من الاستغلال المنهجي، ساهم في إعادة تشكيل التوازنات العالمية بشكل غير متكافئ، ولا تزال تداعياته قائمة في أشكال متعددة من عدم المساواة حتى اليوم.

Literatur - Afrika - Afrikanische Kunst - No. 7

 

ورغم مرور الزمن، فإن الاعتراف الكامل بهذا الإرث الاستعماري لا يزال جزئياً ومحدوداً في الخطاب الغربي الرسمي. فبينما تم تقديم اعتذارات في بعض السياقات، أو الاعتراف ببعض الانتهاكات، إلا أن النقاش حول المسؤولية التاريخية الشاملة، بما في ذلك التعويضات أو إعادة النظر في آثار النهب الاقتصادي والاستنزاف المنظم للموارد، لا يزال يواجه مقاومة سياسية وثقافية واضحة. وهذا ما يجعل كثيراً من الدول الأفريقية، وغيرها من دول الجنوب العالمي، تعيش حالة مستمرة من السعي لاستعادة توازن تاريخي مفقود، سواء عبر المطالبة بالعدالة التاريخية، أو عبر إعادة صياغة علاقاتها الدولية على أسس أكثر توازناً.

إن الربط بين هذا الإرث التاريخي وبين أنماط الصمت المعاصرة ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو محاولة لفهم البنية العميقة التي تحكم طريقة تفاعل النظام الدولي مع الأزمات. فالصمت تجاه بعض القضايا اليوم لا يمكن عزله عن تاريخ طويل من الانتقائية في الاعتراف بالألم الإنساني، حيث كانت معاناة شعوب معينة تُرى وتُوثق وتُعطى قيمة سياسية وأخلاقية عالية، بينما تُهمَّش معاناة شعوب أخرى أو تُختزل في أرقام وتقارير عابرة.

ومن هنا، فإن الإشكالية لا تكمن فقط في الصمت ذاته، بل في البنية التي تجعل هذا الصمت ممكناً ومقبولاً في بعض السياقات، ومرفوضاً في سياقات أخرى. فحين يُنظر إلى بعض المآسي بوصفها أحداثاً تستحق الاستنفار الأخلاقي والإعلامي الكامل، بينما تُعامل مآسٍ أخرى بوصفها أحداثاً اعتيادية أو متكررة، فإننا نكون أمام اختلال في منظومة القيم التي يُفترض أنها عالمية.

إن هذا الاختلال لا يُنتج فقط شعوراً بالظلم لدى الشعوب المتأثرة، بل يساهم أيضاً في تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب، وبين المركز والأطراف، ويؤدي في النهاية إلى إضعاف الثقة في النظام الدولي نفسه. فالنظام الذي يُفترض أن يقوم على مبادئ العدالة والمساواة، لا يمكن أن يستمر في أداء وظيفته إذا ظل يفسر الصمت والكلام، الإدانة والتجاهل، وفق معايير مزدوجة.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا يصمت الغرب؟ بل أيضاً: متى يصبح الصمت نفسه شكلاً من أشكال الفعل السياسي؟ وهل يمكن للنظام الدولي أن يعيد تعريف هذا الصمت بحيث لا يكون أداة لتأجيل العدالة، بل مدخلاً للاعتراف بها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تظل مفتوحة، لكنها في جوهرها تمس مستقبل العدالة الدولية، وقدرة العالم على تجاوز إرث طويل من الانتقائية في الاعتراف بالألم الإنساني، والانتقال نحو نظام أكثر اتساقاً وصدقاً في معاييره.

Kulturaustausch: Namibia — Kann Literatur die Geschichte neu schreiben?

ألمانيا بين التاريخ والواقع السياسي

لا يمكن فهم الموقف الألماني من الصراعات في الشرق الأوسط، وعلى رأسها ما يتعلق بإسرائيل، دون العودة إلى الجرح التاريخي العميق الذي ما زال يطبع الوعي السياسي الألماني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وما ارتبط بها من جرائم إبادة ممنهجة في الهولوكوست، تلك الجريمة التي لم تكن مجرد حدث عابر في التاريخ، بل تحولت إلى عنصر تأسيسي في هوية الدولة الألمانية الحديثة، وإلى عبء أخلاقي وسياسي تحمله ألمانيا على أكتافها في كل موقف دولي تقريباً.

لقد تأسست العلاقة بين ألمانيا وإسرائيل على هذا الأساس تحديداً، حيث لم تكن مجرد علاقة دبلوماسية بين دولتين، بل علاقة ذات طابع أخلاقي خاص، عبّرت عنها ألمانيا عبر عقود من الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري. فمنذ اتفاقية التعويضات في خمسينيات القرن الماضي، مروراً بالدعم المستمر في المحافل الدولية، وصولاً إلى التعاون العسكري والتكنولوجي، حرصت ألمانيا على تأكيد التزامها بما تسميه “أمن إسرائيل كجزء من مصلحة الدولة الألمانية”.قارة-افريقيا

وقد عبّرت عن هذا المبدأ بوضوح شخصيات سياسية بارزة، مثل أنغيلا ميركل، التي أعلنت أمام الكنيست أن أمن إسرائيل “غير قابل للتفاوض”، وهو تصريح لم يكن مجرد موقف سياسي، بل إعلان عن عقيدة سياسية راسخة. واستمر هذا النهج، بدرجات متفاوتة، مع قيادات لاحقة مثل أولاف شولتس، وكذلك فريدريش ميرتس، الذين أكدوا في أكثر من مناسبة على هذا الالتزام، وإن اختلفت أساليب التعبير وحدود الموقف.

غير أن هذا الالتزام، على مشروعيته التاريخية، يطرح إشكالية عميقة عندما يتقاطع مع مبادئ القانون الدولي. فحين يُعلن مسؤولون ألمان أن دعم إسرائيل قائم “مهما حدث”، فإن هذا يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل يشمل هذا الدعم أفعالاً قد تُصنف كخرق للقانون الدولي؟ وهل يمكن لدولة مثل ألمانيا، التي تقدم نفسها كحارس للقانون الدولي، أن تتجاهل هذه القواعد عندما يتعلق الأمر بحليف استراتيجي؟

هنا تحديداً يظهر التوتر بين البعد الأخلاقي والبعد القانوني. فالمسؤولية التاريخية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تتحول إلى غطاء دائم يبرر الصمت أو التردد في مواجهة انتهاكات محتملة. بل إن هذه المسؤولية، إذا ما أُعيد فهمها بعمق، قد تفرض على ألمانيا واجباً مضاعفاً في الدفاع عن القانون الدولي، لا في التغاضي عنه.

إن الصداقة بين الدول، كما بين الأفراد، لا تُختبر في لحظات الاتفاق، بل في لحظات الخلاف. والصديق الحقيقي ليس من يبرر كل الأفعال، بل من يمتلك الشجاعة ليقول: هنا أخطأت. ومن هذا المنطلق، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا تبدو ألمانيا، في كثير من الأحيان، عاجزة عن توجيه نقد صريح لإسرائيل عندما يتعلق الأمر بعمليات عسكرية تُثير جدلاً قانونياً وأخلاقياً واسعاً؟

الواقع يشير إلى أن الموقف الألماني غالباً ما يتسم بالحذر الشديد، حيث تُستخدم عبارات دبلوماسية عامة تدعو إلى “ضبط النفس” أو “حماية المدنيين”، دون أن تصل إلى مستوى الإدانة الواضحة. هذا الأسلوب، وإن كان مفهوماً في سياق الحفاظ على العلاقات، إلا أنه يُفسر من قبل كثيرين كنوع من التردد أو حتى التواطؤ الصامت.

ولا يمكن إغفال أن ألمانيا، بحكم موقعها في الاتحاد الأوروبي، تلعب دوراً مؤثراً في تشكيل الموقف الأوروبي العام. وعندما يكون هذا الموقف غير حاسم، فإنه ينعكس على مجمل السياسة الأوروبية، ويُضعف من قدرة الاتحاد على لعب دور متوازن في النزاعات الدولية.

في المقابل، تحرص ألمانيا على إبراز التزامها بالقانون الدولي في سياقات أخرى، كما هو الحال في موقفها من الحرب في أوكرانيا، حيث كانت من أبرز الداعمين لسيادة الدولة الأوكرانية، ومن أشد المنتقدين للانتهاكات الروسية. هذا التباين في المواقف يعزز الانطباع بوجود ازدواجية في المعايير، حتى وإن كانت مبرراته السياسية مفهومة.

إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في دعم إسرائيل بحد ذاته، بل في غياب التوازن بين هذا الدعم وبين الالتزام بالمبادئ القانونية. فالدفاع عن أمن دولة لا يجب أن يأتي على حساب القانون الدولي، بل يجب أن يكون منسجماً معه. وإلا فإننا نكون أمام سابقة خطيرة تُضعف من مصداقية النظام الدولي برمته.

من هنا، فإن إعادة تقييم هذا الموقف لا تعني التخلي عن المسؤولية التاريخية، بل تعني إعادة صياغتها بطريقة أكثر اتزاناً، تتيح لألمانيا أن تظل وفية لماضيها، دون أن تتخلى عن دورها كدولة قانون. فالتاريخ، مهما كان ثقيلاً، لا يجب أن يكون قيداً يمنع من رؤية الحاضر بوضوح، ولا من اتخاذ مواقف عادلة تُنصف الضحية، أياً كانت هويتها.

وفي نهاية المطاف، فإن قوة ألمانيا الحقيقية لا تكمن فقط في اقتصادها أو موقعها السياسي، بل في قدرتها على التوفيق بين ذاكرتها التاريخية والتزاماتها القانونية. وهذه القدرة، إذا ما أُحسن استخدامها، يمكن أن تجعل منها صوتاً للعدل لا صدى للمصالح، وجسراً بين القيم لا ساحةً للتناقضات.

الإعلام وصناعة الوعي: بين النقل والتوجيه

لا يمكن مقاربة أي أزمة دولية معاصرة دون التوقف ملياً عند دور الإعلام، ذلك الفاعل الذي لم يعد يكتفي بنقل الحدث، بل يشارك في صياغته، وفي توجيه إدراكه، بل وفي تحديد وزنه الأخلاقي في وعي المتلقي. فالإعلام، عبر أدواته المتعددة، لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد ترتيبه، ويختار زواياه، ويمنح بعض عناصره الضوء، ويترك أخرى في الظل، وبذلك يُنتج سردية قد تكون أحياناً أقوى من الحدث ذاته.

من خلال متابعتي، ومن خلال ما رصده باحثون وأكاديميون، يتضح أن هذا البناء السردي لا يتم بشكل عشوائي، بل يخضع في كثير من الأحيان لأنماط متكررة تكشف عن تباين واضح في طريقة تناول القضايا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشرق أو بالعالم الإسلامي. وهنا لا نتحدث عن اختلاف طبيعي في وجهات النظر، بل عن منهجية شبه مستقرة في اختيار المفردات، وتحديد مصادر المعلومات، بل وحتى في نبرة الصوت التي تُستخدم عند عرض الخبر.

وقد لفت انتباهي، في هذا السياق، عمل أكاديمي أُنجز في جامعة كونستانس، ضمن كلية اللغات، حيث قامت إحدى الطالبات بدراسة صورة الشرق، أو صورة المسلم تحديداً، في الإعلام الغربي، ومدى تفاعل المجتمعات الغربية مع مآسي الشعوب خارج دائرتها الثقافية. وقد خلصت هذه الدراسة إلى نتيجة بالغة الأهمية، مفادها أن هناك معيارين مختلفين في التغطية والتلقي: معيار يُطبق عندما يكون الضحايا من الغرب، وآخر عندما يكونون من الشرق.

هذا الاستنتاج لا يأتي من فراغ، بل تؤكده شواهد متعددة. فعندما وقعت هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، شهد العالم تغطية إعلامية غير مسبوقة، ليس فقط من حيث كثافتها، بل من حيث عمقها العاطفي أيضاً. لقد تحولت المأساة إلى حدث إنساني كوني، واستُحضرت لها كل أدوات التعاطف، من القصص الشخصية إلى التحليلات النفسية والاجتماعية، وتم التعامل مع الضحايا بوصفهم أفراداً لهم أسماء ووجوه وحكايات.

في المقابل، عندما ننظر إلى ما يحدث في فلسطين، أو في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، نجد أن التغطية، رغم أهميتها، غالباً ما تأخذ طابعاً مختلفاً. فالأخبار تُعرض في سياق متكرر، أرقام تتزايد، ضحايا يسقطون، مشاهد دمار تتكرر، لكن دون أن تُمنح دائماً ذلك العمق الإنساني ذاته. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الأخبار، في وعي المتلقي، إلى ما يشبه الروتين؛ تُسمع، تُفهم، لكنها لا تُحرك ذات القدر من التفاعل.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، ليس فقط في التفاوت في التغطية، بل في أثر هذا التفاوت على الوعي الجمعي. فعندما يُعرض الألم بشكل متكرر دون سياق إنساني عميق، يفقد تدريجياً قدرته على التأثير، ويتحول إلى خلفية صامتة للأحداث، بينما تظل مآسي أخرى حاضرة بقوة، لأنها قُدمت منذ البداية بوصفها استثنائية.

كما أن استخدام عبارات مثل “بحسب مصادر محلية” أو “لا يمكن التحقق بشكل مستقل” عند الحديث عن ضحايا في الشرق، مقابل تقديم معلومات مماثلة في سياقات غربية على أنها مؤكدة، يزرع بشكل غير مباشر بذور الشك في ذهن المتلقي، ويُضعف من مصداقية الضحية نفسها. وهذا لا يعني بالضرورة وجود نية مبيتة، لكنه يعكس نمطاً متراكماً من المعالجة الإعلامية التي تميز، بوعي أو بدونه، بين مصدر وآخر.

إن هذا التفاوت في التناول لا يمكن فصله عن السياق الثقافي والسياسي الأوسع، حيث يلعب القرب الثقافي والديني دوراً في تحديد مستوى التعاطف. فالمتلقي، بطبيعته، يتفاعل أكثر مع ما يشبهه، لكن دور الإعلام، في جوهره، هو أن يتجاوز هذه الحدود، وأن يُعيد تذكير الإنسان بإنسانيته المشتركة، لا أن يُعيد إنتاج الانقسامات.

وإذا كان الإعلام يمتلك هذه القدرة الهائلة على تشكيل الوعي، فإنه يتحمل في المقابل مسؤولية أخلاقية كبرى، تتجاوز مجرد نقل الخبر إلى ضمان توازنه وعدالته. فالمسألة ليست في عدد التقارير، بل في كيفية تقديمها، وفي المساحة التي تُمنح للإنسان داخلها، سواء كان هذا الإنسان في أوروبا أو في الشرق الأوسط.

إن ما نحتاجه اليوم ليس إعلاماً محايداً بالمعنى البارد للكلمة، بل إعلاماً عادلاً، يُدرك أن كل حياة إنسانية تحمل القيمة ذاتها، وأن الألم لا يُقاس بالجغرافيا، ولا يُصنف وفق الهوية. فحين يصبح الخبر عن الموت خبراً عادياً، نكون قد خسرنا شيئاً أعمق من الحقيقة؛ نكون قد خسرنا القدرة على الشعور.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: هل يستطيع الإعلام الغربي أن يُعيد النظر في هذه الأنماط، وأن يقترب أكثر من معايير العدالة التي يدعو إليها؟ أم أن منطق السوق والسياسة سيظل هو الحاكم الخفي لطبيعة ما نرى ونسمع؟ إنها معركة وعي بقدر ما هي معركة خبر، ومعركة إنسانية قبل أن تكون مهنية.

الحرب على إيران: رفض مبدئي وإدانة شاملة

من منظور أخلاقي وقانوني، لا يمكن تبرير الحرب على إيران، خاصة عندما تتحول من مواجهة عسكرية محدودة إلى نمط من العمليات التي تطال البنية التحتية الحيوية وتمس بشكل مباشر حياة المدنيين الذين لا علاقة لهم بصناعة القرار ولا بتوجيه الصراع. فالقانون الدولي الإنساني، الذي نشأ تحديداً للحد من وحشية الحروب، يقوم على مبدأين أساسيين: التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، والتناسب في استخدام القوة، وهذان المبدآن، حين يُخرقان، لا تعود الحرب مجرد صراع سياسي، بل تتحول إلى مأساة إنسانية مفتوحة.

وإذا ما نظرنا إلى ما جرى على الأرض، نجد أن مسار العمليات قد تجاوز في كثير من الأحيان حدود الاشتباك العسكري التقليدي، ليمتد إلى استهداف مرافق تمثل شرايين الحياة اليومية للمجتمع. فقد تعرضت شبكات الكهرباء والمياه لضربات متكررة، ما أدى إلى انقطاع الخدمات الأساسية عن ملايين المدنيين، وخلق حالة من الفوضى المعيشية التي لا تقل خطورة عن القصف ذاته. إن تدمير البنية التحتية لا يُضعف فقط قدرة الدولة، بل يُنهك المجتمع، ويُدخل الناس في دوامة من المعاناة المستمرة التي قد تستمر آثارها لسنوات طويلة.

ولعل أكثر ما يثير القلق، بل والأسى، هو التقارير التي تتحدث عن استهداف مرافق طبية، أو وقوع أضرار جسيمة في مستشفيات كانت، حتى وقت قريب، ملاذاً للمرضى والجرحى. فالمستشفى، في كل الأعراف والقوانين، يجب أن يبقى منطقة محايدة، محمية، لا تُمس، لأنه يمثل الحد الأدنى من الإنسانية في زمن الحرب. وعندما يُقصف هذا الفضاء، أو يُعطَّل، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس هي أن لا مكان آمناً، وأن الحرب لم تعد تميز بين من يحمل السلاح ومن يحمل الألم.

ولا تقف المأساة عند هذا الحد، بل تمتد إلى مشاهد أكثر إيلاماً حين نسمع عن سقوط طلاب مدارس بين قتيل وجريح، أو عن استهداف مؤسسات تعليمية مثل الجامعات، التي يُفترض أن تكون فضاءات للعلم والحياة، لا ساحات للصراع. إن الطالب، الذي يحمل كتابه، لا يمكن أن يُنظر إليه كجزء من معادلة عسكرية، واستهدافه، بأي شكل من الأشكال، يمثل خرقاً صارخاً لكل القيم الإنسانية قبل أن يكون انتهاكاً قانونياً.

وفي خضم هذه المشاهد، تتكشف حقيقة مرة: أن الحرب، عندما تفقد ضوابطها، تتحول إلى آلة عمياء، لا ترى إلا الهدف العسكري المزعوم، وتتجاهل ما يحيط به من حياة بشرية معقدة وهشة. وهنا تحديداً يصبح الحديث عن “الضرورة العسكرية” موضع تساؤل، لأن الضرورة، في مفهومها القانوني، لا يمكن أن تبرر الإضرار المفرط بالمدنيين، ولا أن تتحول إلى ذريعة مفتوحة لكل فعل.

ومع ذلك، فإن الموقف الأخلاقي لا يكتمل إذا اقتصر على إدانة طرف دون آخر. فكما أن استهداف البنية التحتية والمدنيين في إيران مرفوض ومدان، فإن أي رد يستهدف مدنيين في الجهة المقابلة لا يمكن قبوله أيضاً. لأن العدالة لا تُبنى على الانتقام، ولا يمكن للعنف أن يكون أداة لتحقيقها، بل هو في الغالب يعمق الجراح ويُطيل أمد الصراع.

إن الإشكالية الكبرى في مثل هذه النزاعات تكمن في أن كل طرف يسعى إلى تبرير أفعاله ضمن سردية خاصة به، لكن الضحية في النهاية تظل واحدة: الإنسان العادي، الذي يجد نفسه فجأة في قلب معادلة لا يملك فيها صوتاً ولا قراراً. هذا الإنسان هو الذي يفقد بيته حين تُقصف البنية التحتية، ويفقد أمنه حين تُستهدف مدينته، ويفقد مستقبله حين تُغلق المدارس وتُدمر الجامعات.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى موقف مبدئي شامل ليست ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة إنسانية. موقف لا يساوم على حياة المدنيين، ولا يبرر الانتهاكات تحت أي ذريعة، ولا يسمح بتحويل القانون الدولي إلى أداة انتقائية. فإما أن يكون هذا القانون مرجعاً للجميع، أو يفقد معناه.

إن ما يحدث اليوم يجب أن يدفعنا إلى إعادة التفكير في طبيعة الحروب المعاصرة، وفي حدود القوة، وفي مسؤولية المجتمع الدولي، ليس فقط في إدانة الانتهاكات، بل في منعها. لأن الصمت، أو التردد، أو الاكتفاء ببيانات خجولة، لا يوقف نزيف الدم، ولا يعيد بناء ما دمرته الصواريخ.

وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأوضح والأبسط: لا توجد حرب نظيفة، لكن هناك دائماً حدود يجب ألا تُتجاوز. وعندما تُقصف المدارس، وتُستهدف المستشفيات، وتُدمر الجامعات، فإننا لا نكون فقط أمام انتهاك للقانون، بل أمام سقوط أخلاقي يطال الإنسانية جمعاء، ويضع العالم أمام سؤال صعب: إلى أي مدى يمكن أن نصمت، قبل أن نصبح شركاء في هذا الخراب؟

دول الخليج: حسابات معقدة في بيئة مضطربة

تجد دول الخليج نفسها اليوم في قلب معادلة جيوسياسية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع المصالح الكبرى وتتصادم الاستراتيجيات، بينما تتحمل هذه الدول، بحكم موقعها الجغرافي وارتباطاتها الدولية، كلفة صراعات لم تكن طرفاً في إشعالها، ولا تملك في كثير من الأحيان القدرة الكاملة على توجيه مسارها. لقد نشأت هذه الدول، منذ عقود، ضمن منظومة تحالفات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تحالفات قامت على أساس تبادل المصالح: أمن مقابل استقرار، وحماية مقابل شراكة اقتصادية ونفطية. غير أن ما كشفته الأزمة الأخيرة، خصوصاً في سياق الحرب المرتبطة بـ إيران، هو أن هذه المعادلة لم تعد صلبة كما كانت، وأن كلفة الاعتماد على مظلة واحدة قد تكون أعلى مما كان يُعتقد.

لقد دخلت دول الخليج، دون إرادة مباشرة منها، في دائرة التأثر اليومي بتداعيات الحرب، حيث باتت منشآتها الحيوية، ومجالها الجوي، وأمنها الاقتصادي، عرضة لارتدادات الصراع. ويبرز في هذا السياق التهديد المتكرر لإغلاق مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. إن مجرد التلويح بإغلاق هذا المضيق كفيل بإرباك الأسواق، ورفع أسعار التأمين، وتعطيل سلاسل الإمداد، فما بالك إذا تحول التهديد إلى واقع جزئي أو كامل.

الخسائر هنا لا تُقاس فقط بالأرقام المباشرة، بل بتأثيرها التراكمي على الثقة الدولية في استقرار المنطقة. فدول الخليج، التي استثمرت لعقود في بناء صورة اقتصادية جذابة، تقوم على الاستقرار والانفتاح، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ حقيقي: كيف تحافظ على تدفق الاستثمارات، وعلى جاذبية قطاع السياحة، في ظل بيئة إقليمية مضطربة؟ إن رأس المال، بطبيعته، جبان، يبحث عن الأمان قبل الربح، وأي اهتزاز في هذا الأمان ينعكس فوراً في قرارات المستثمرين.

لقد شهدت هذه الدول، خلال العقود الماضية، نهضة اقتصادية لافتة، تنوعت فيها مصادر الدخل، وتوسعت فيها البنى التحتية، وتحولت مدنها إلى مراكز عالمية للأعمال والسياحة. غير أن استمرار التوترات بهذا الشكل يهدد بتقويض جزء من هذه الإنجازات، أو على الأقل بإبطاء وتيرتها. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى بيئة مستقرة، والاستثمارات طويلة الأمد لا تزدهر في ظل القلق الجيوسياسي.

وفي خضم هذه التحديات، يبرز سؤال استراتيجي بالغ الأهمية: هل ستظل دول الخليج متمسكة بتحالفها التقليدي مع الولايات المتحدة، رغم ما تكشف من محدودية في الحماية، أو من تغليب لأولويات أخرى في لحظات حاسمة؟ أم أنها ستسعى إلى تنويع خياراتها، والبحث عن شركاء جدد في نظام دولي يتغير بسرعة؟

هنا يبرز اسم الصين، التي لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل تحولت إلى لاعب دولي رئيسي، يمتلك أدوات تأثير متعددة، من التجارة إلى الطاقة إلى الدبلوماسية. إن العلاقة بين الصين ودول الخليج، وكذلك مع إيران، تقوم على مصالح اقتصادية عميقة، خاصة في مجال الطاقة، حيث تعتمد بكين بشكل كبير على واردات النفط من هذه المنطقة. وتشير تقديرات إلى أن نسبة كبيرة من احتياجاتها الطاقوية ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بإمدادات من الخليج وإيران، ما يجعل استقرار هذه المنطقة مسألة حيوية بالنسبة لها.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور غير المعلن الذي لعبته أطراف مثل باكستان في الدفع نحو تهدئة أو مبادرات لوقف التصعيد، وهي تحركات يُنظر إليها، في كثير من التحليلات، كجزء من تنسيق أوسع تقوده الصين من خلف الكواليس، حرصاً منها على حماية مصالحها دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. إنها دبلوماسية هادئة، تعمل في الظل، وتُفضل النتائج على الضجيج.

أما في الداخل الأمريكي، فإن الحسابات تبدو بدورها معقدة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2028، التي تلقي بظلالها على كل قرار سياسي كبير. فالرئيس دونالد ترامب، الذي ينظر إلى السياسة من زاوية النتائج السريعة، يجد نفسه أمام معادلة صعبة: حرب مكلفة مادياً وسياسياً، ورأي عام داخلي يزداد انقساماً، ومؤشرات شعبية لا تسير في الاتجاه الذي يتمناه.

لقد بدأت أصوات الاحتجاج تتصاعد داخل الولايات المتحدة، في مشهد يعكس تآكل الثقة في جدوى هذه الحروب، خاصة عندما تمتد دون أفق واضح. فالمجتمع الأمريكي، الذي خبر كلفة الحروب الطويلة، لم يعد يتقبل بسهولة الانخراط في صراعات جديدة، خصوصاً إذا كانت دوافعها أو أهدافها غير واضحة.

وفي موازاة ذلك، تبرز ظواهر اجتماعية لافتة، مثل توجه بعض اليهود الأمريكيين، خاصة من أصول أوروبية، إلى تعزيز ارتباطهم القانوني بدول أخرى، بما في ذلك ألمانيا، مستفيدين من قوانين الجنسية التي تتيح استعادة المواطنة على أساس تاريخي. هذه الظاهرة، وإن كانت متعددة الدوافع، تعكس في جانب منها شعوراً بعدم اليقين، ورغبة في تنويع الخيارات في عالم يتسم بالتقلب.

كل هذه المؤشرات ترسم لوحة معقدة، تقف فيها دول الخليج عند مفترق طرق حقيقي. فهي من جهة لا تستطيع بسهولة التخلي عن تحالفاتها التقليدية، ومن جهة أخرى تدرك أن الاعتماد الأحادي لم يعد كافياً في عالم متعدد الأقطاب. وربما يكون الخيار الأكثر واقعية هو السعي إلى توازن دقيق، يتيح لها الحفاظ على علاقاتها القائمة، وفي الوقت ذاته الانفتاح على قوى جديدة، بما يحقق قدراً أكبر من الاستقلالية.

وفي النهاية، فإن ما تمر به هذه الدول اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار لقدرتها على التكيف مع نظام دولي يتغير بسرعة، حيث لم تعد التحالفات ثابتة كما كانت، ولم تعد المصالح تُدار من مركز واحد. وبين الضغوط الاقتصادية، والتحديات الأمنية، والتحولات الجيوسياسية، يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن لدول الخليج أن تحمي مكتسباتها، وأن تواصل مسيرتها التنموية، في عالم لم يعد يشبه ما كان عليه قبل عقد واحد فقط؟

الخطاب السياسي الأمريكي: بين القوة والاندفاع

اللغة في السياسة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي أداة لصياغة الواقع وتوجيه مساراته، بل وقد تتحول في لحظات التوتر إلى سلاح لا يقل خطورة عن السلاح العسكري ذاته. وحين ننظر إلى الخطاب السياسي الأمريكي في السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل حضور شخصيات مثل دونالد ترامب، ندرك أن هذا الخطاب قد شهد تحولات عميقة، انتقل فيها من الحذر الدبلوماسي التقليدي إلى أسلوب مباشر، صادم أحياناً، ومشحون بروح الصفقات أكثر من كونه مشبعاً برؤية استراتيجية طويلة الأمد.

لقد دخل ترامب إلى السياسة من بوابة الاقتصاد، حاملاً معه عقلية رجل الأعمال الذي يقيس النجاح بمنطق الربح والخسارة، لا بمنطق التوازنات الدقيقة التي تحكم العلاقات الدولية. هذه الذهنية، التي قد تكون فعالة في عالم السوق، تصبح أكثر تعقيداً حين تُنقل إلى ميدان السياسة، حيث لا يمكن اختزال الدول إلى شركات، ولا الشعوب إلى أرقام في دفاتر الحسابات. ومع ذلك، فقد حاول ترامب أن يُعيد تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية وفق هذا المنظور، فكانت النتيجة خطاباً يميل إلى التبسيط، وإلى التعامل مع القضايا الكبرى كأنها صفقات قابلة للإبرام أو الإلغاء.

وفي خضم التوترات المتصاعدة مع إيران، بدا هذا النهج أكثر وضوحاً، بل وأكثر إرباكاً. فالدخول في مواجهة عسكرية بهذا الحجم لم يكن مصحوباً برؤية واضحة لكيفية الخروج منها، ولا بخطة متماسكة لإدارة تداعياتها. وقد بدا، في كثير من اللحظات، أن مسار التصعيد يتجاوز حسابات الإدارة الأمريكية نفسها، وكأن القرار السياسي لم يعد يُصنع في مركز واحد، بل يتشكل تحت تأثير ضغوط وتحالفات معقدة، من بينها العلاقة الوثيقة مع بنيامين نتنياهو، الذي لعب دوراً محورياً في دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

هذا التداخل بين الحسابات الأمريكية والإسرائيلية خلق حالة من الارتباك الاستراتيجي، حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها منخرطة في صراع مفتوح، دون أن تمتلك تصوراً واضحاً لنهايته. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل كانت هذه الحرب خياراً مدروساً، أم نتيجة انزلاق تدريجي فرضته ديناميكيات التحالف والضغط السياسي؟

من الناحية الاقتصادية، لا يمكن إغفال الكلفة الباهظة لمثل هذا الانخراط العسكري. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل أيضاً بحجم الاستنزاف المالي والتقني. وتشير التقديرات إلى أن العمليات العسكرية المكثفة قد تكلف الخزينة الأمريكية مليارات الدولارات يومياً، خاصة في ظل الاستخدام الكثيف لمنظومات دفاعية متطورة لاعتراض تهديدات منخفضة التكلفة نسبياً، مثل الطائرات المسيّرة. هذا التفاوت بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع يطرح تحدياً استراتيجياً حقيقياً، ويكشف عن خلل في معادلة الردع التقليدية.

وفي موازاة هذا المسار العسكري، استمر ترامب في الاعتماد على قنواته الخاصة لإدارة العلاقات الدولية، وعلى رأسها تكليف جاريد كوشنر، زوج ابنته، بأدوار دبلوماسية حساسة. وقد أثار هذا التوجه الكثير من الجدل، ليس فقط بسبب الطابع العائلي في إدارة الملفات، بل أيضاً بسبب غياب الخبرة السياسية والدبلوماسية التقليدية. ومع ذلك، فقد نجح كوشنر في تحقيق بعض الاختراقات في ملفات معينة، خصوصاً في سياق اتفاقيات تطبيع العلاقات، ما يعكس جانباً من فعالية هذا النهج غير التقليدي، لكنه لا يلغي في الوقت ذاته مخاطره.

إن الاعتماد على منطق الصفقات في إدارة النزاعات الدولية قد يحقق نتائج سريعة في بعض الحالات، لكنه يظل قاصراً عن معالجة الجذور العميقة للصراعات، التي تتطلب فهماً تاريخياً وثقافياً وسياسياً معقداً. فالسلام لا يُبنى فقط على توقيع الاتفاقيات، بل على خلق بيئة مستدامة من الثقة والتفاهم، وهو ما لا يمكن تحقيقه عبر أدوات تجارية بحتة.

وإذا كان من الإنصاف القول إن ترامب قد كسر الكثير من القوالب التقليدية في الخطاب السياسي، فإن هذا الكسر لم يكن دائماً في الاتجاه الصحيح. فالتصريحات التي تتحدث عن السيطرة على دول أو “حضارات” أخرى لا تعكس فقط نزعة استعلائية، بل تُقوض أيضاً الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي، من سيادة الدول إلى مبدأ الاحترام المتبادل. وهي تصريحات، حتى وإن جاءت في سياق الضغط أو التفاوض، تترك آثاراً عميقة على مستوى الثقة، وتُغذي مشاعر العداء، وتُعقد فرص الحلول السلمية.

إن العالم اليوم، في ظل هذه التوترات المتشابكة، لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التصعيدية، بل إلى عقلانية سياسية قادرة على استيعاب تعقيدات الواقع، وعلى إدارة الخلافات بوسائل دبلوماسية مسؤولة. فالقوة، مهما بلغت، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحكمة، ولا يمكن للاندفاع أن يحل محل التخطيط.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: هل يمكن لرجل تشكل وعيه في عالم الأعمال أن يتقن لعبة السياسة الدولية بكل ما فيها من تعقيد وتشابك؟ أم أن هذا الانتقال، رغم ما يحمله من جرأة، يظل محفوفاً بمخاطر قد يدفع ثمنها العالم بأسره؟ إنها تساؤلات مشروعة، تفرض نفسها بإلحاح في زمن تتداخل فيه المصالح، وتتشابك فيه الأزمات، وتصبح فيه الكلمة، قبل الفعل، مفتاحاً للحرب أو السلام.

تركيا والاتحاد الأوروبي: إشكالية المعايير المزدوجة

قضية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لم تعد مجرد ملف تفاوضي تقني يتعثر بين فصل يُفتح وآخر يُغلق، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لطبيعة المعايير التي يعتمدها الاتحاد في قبول أو رفض شركائه. فتركيا، العضو الفاعل في حلف شمال الأطلسي، لم تكن يوماً خارج المنظومة الأمنية الغربية، بل شكلت لعقود خط تماس استراتيجي مع الشرق، ورافعة عسكرية وجيوسياسية لا غنى عنها في توازنات المنطقة. ومع ذلك، ظل باب الاتحاد الأوروبي موارباً أمامها، يُفتح خطابياً ويُغلق عملياً، في مشهد يختزل التناقض الأوروبي في أبهى صوره.

هذا التناقض يزداد وضوحاً حين نقرأ مواقف القيادات الأوروبية، وعلى رأسها أورسولا فون دير لاين، التي لم تأتِ إلى موقعها من فراغ، بل عبر مسار سياسي وعسكري بدأ من وزارة الدفاع الألمانية، داخل نفس التيار السياسي الذي ينتمي إليه فريدريش ميرتس، أي الحزب الديمقراطي المسيحي، وهو تيار عُرف تاريخياً بصلابة مواقفه في قضايا الأمن والتحالفات، وبانحيازه الواضح في الصراعات الدولية التي تمس ما يُعرف في الخطاب السياسي بـ”الدولة الزرقاء”.

لقد عبّرت فون دير لاين، في أكثر من مناسبة، عن رؤية أوروبية حازمة تجاه الحرب في أوكرانيا، حيث أكدت مراراً أن دعم أوكرانيا ليس خياراً سياسياً فحسب، بل “واجب أخلاقي واستراتيجي”، وذهبت أبعد من ذلك حين تحدثت عن ضرورة “انتصار أوكرانيا” بوصفه شرطاً لحماية النظام الدولي. ولم يقتصر هذا الدعم على التصريحات، بل تُرجم إلى حزم غير مسبوقة من العقوبات على روسيا، وإلى دعم مالي وعسكري واسع، ما يعكس قدرة الاتحاد على التحرك السريع والحاسم عندما تتوفر الإرادة السياسية.

غير أن هذا الحزم الأوروبي ذاته يتلاشى، أو يكاد، عندما ننتقل إلى ملفات أخرى لا تقل مأساوية، كما هو الحال في غزة أو جنوب لبنان. هنا، يتغير الخطاب، وتصبح اللغة أكثر حذراً، بل وأكثر التباساً، حيث تُستبدل الإدانة الصريحة بالدعوات العامة إلى “ضبط النفس”، ويغيب الحديث عن المسؤولية القانونية لصالح توازنات سياسية دقيقة. هذا التباين لا يمكن تفسيره فقط باختلاف السياقات، بل يكشف عن خلل في ميزان المعايير، حيث لا تُقاس الأزمات بمدى معاناة الإنسان، بل بمدى ارتباطها بالمصالح والتحالفات.

لقد صرّحت فون دير لاين، في سياقات متعددة، بحق الدول في الدفاع عن نفسها، وهو مبدأ لا خلاف عليه في القانون الدولي، لكن الإشكالية تكمن في كيفية تطبيق هذا المبدأ، وفي حدوده، وفيما إذا كان يُستخدم لتبرير أفعال تتجاوز إطار الدفاع إلى ما هو أقرب إلى العقاب الجماعي. وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: لماذا يُفهم الدفاع عن النفس في سياق، بوصفه حقاً مطلقاً، بينما يُقيد في سياق آخر بشروط صارمة؟

إن المقارنة بين الموقف الأوروبي من الحرب في أوكرانيا، حيث تم حشد كل أدوات الدعم السياسي والاقتصادي والإعلامي، وبين الموقف من الحروب في الشرق الأوسط، تكشف عن فجوة لا يمكن ردمها بالخطاب الدبلوماسي. إنها فجوة تعكس اختلافاً في سلم الأولويات، وربما أيضاً في النظرة إلى “الآخر”، ذلك الآخر الذي لا ينتمي جغرافياً أو ثقافياً إلى الفضاء الأوروبي.

وفي هذا السياق، تبدو قضية تركيا أكثر من مجرد ملف عضوية؛ إنها اختبار حقيقي لمدى التزام أوروبا بمبادئها المعلنة. فهل المعايير التي تُرفع في وجه أنقرة هي معايير قانونية بحتة، أم أنها تحمل في طياتها أبعاداً ثقافية ودينية غير مُعلنة؟ وهل يمكن فصل هذا التردد الأوروبي عن سياق أوسع من الشكوك تجاه انضمام دولة ذات غالبية مسلمة إلى منظومة تُعرّف نفسها، ولو ضمنياً، بمرجعية حضارية مختلفة؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة لا تتطلب فقط تحليلاً سياسياً، بل تستدعي أيضاً قدراً من الصراحة التي كثيراً ما تغيب في الخطاب الرسمي. لأن الاستمرار في هذا الغموض لا يخدم سوى تعميق فجوة الثقة، لا بين تركيا وأوروبا فحسب، بل بين الشرق والغرب عموماً.

وفي نهاية المطاف، فإن ما تكشفه هذه الأمثلة المتداخلة—من أوكرانيا إلى غزة، ومن لبنان إلى تركيا—هو أن المعايير ليست واحدة كما يُدّعى، وأن القيم، مهما بدت عالمية في صياغتها، تظل خاضعة لتأويلات سياسية تحدد متى تُطبّق، وكيف، وعلى من. وهنا تحديداً تكمن أزمة النظام الدولي المعاصر: ليس في غياب القوانين، بل في غياب العدالة في تطبيقها.

نحو قراءة أعمق: الجذور التاريخية والبعد الحضاري

إذا أردنا مقاربة المشهد الدولي الراهن مقاربةً تتجاوز سطح الأحداث اليومية، فإننا مضطرون للعودة إلى البنية التاريخية العميقة التي تشكّلت عبرها العلاقة بين الغرب والشرق، وهي علاقة لم تتسم في معظم مراحلها بالتكافؤ أو التوازن، بل غلب عليها منطق التفوق الحضاري المزعوم، الذي تَحوّل في لحظات تاريخية متعددة إلى أدوات عملية للهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية.

فمنذ بدايات التوسع الأوروبي الحديث، مروراً بمراحل الاستعمار المباشر، ثم التحول إلى أشكال أكثر مرونة من النفوذ بعد نهاية الحقبة الاستعمارية الكلاسيكية، ظل الشرق، بمكوناته العربية والإسلامية والآسيوية، يُنظر إليه في كثير من الأحيان بوصفه فضاءً يحتاج إلى “إدارة” أو “إصلاح”، لا بوصفه شريكاً متكافئاً في إنتاج النظام الدولي. هذه الرؤية، وإن كانت قد تراجعت في خطابها الصريح، إلا أنها بقيت حاضرة في أشكالها الضمنية داخل السياسة والإعلام والثقافة.

إن هذا الإرث التاريخي الطويل لا يزال ينعكس حتى اليوم في طريقة صياغة المواقف الدولية، وفي طبيعة التغطية الإعلامية، وفي كيفية التعامل مع الأزمات المتكررة في مناطق الشرق. فالنظرة إلى “الآخر” ليست دائماً محايدة، بل تتشكل داخل إطار ثقافي ومعرفي تراكمي، يجعل بعض المجتمعات أقرب إلى مركز الاهتمام، بينما تُدفع أخرى إلى الهامش، ليس بالضرورة عبر قرار مباشر، بل عبر تراكمات تاريخية من التصورات والتمثلات.

ومن هنا يمكن فهم جزء مهم من ازدواجية المعايير التي تظهر في السياسات الدولية والإعلامية، حيث لا يُعامل الحدث بنفس الطريقة إذا وقع في سياق جغرافي أو ثقافي مختلف. فالفعل نفسه قد يُقرأ بوصفه تهديداً وجودياً في مكان، أو حادثاً أمنياً في مكان آخر، ليس فقط بسبب اختلاف الوقائع، بل بسبب اختلاف الإطار الذهني الذي يُعاد من خلاله تفسير هذه الوقائع.

إن هذا لا يعني اختزال كل التعقيدات في تفسير ثقافي واحد، لكنه يسلط الضوء على طبقة عميقة من الإدراك الجمعي، تتداخل فيها السياسة بالتاريخ، والمعرفة بالقوة، وتنتج في النهاية منظومة من المعايير غير المتساوية، حتى وإن كانت مغطاة بخطاب قانوني أو إنساني عام.

خاتمة

في ضوء هذا الفهم الأعمق للجذور التاريخية والبعد الحضاري للعلاقات الدولية، يتضح أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل هو امتداد لبنية عالمية تشكّلت عبر قرون من التفاعل غير المتكافئ بين القوى والمجتمعات، حيث تداخلت الخبرة الاستعمارية القديمة مع أشكال جديدة من النفوذ السياسي والاقتصادي والإعلامي، لتنتج واقعاً دولياً لا يزال يعاني من اختلال واضح في موازين الاعتراف والعدالة.

ومن خلال هذا المنظور، يصبح من الصعب الاكتفاء بتفسير ما يجري بوصفه صراعات ظرفية أو خلافات سياسية عابرة، لأن جوهر الأزمة يكمن في الفجوة بين الخطاب والممارسة، بين المبادئ المعلنة وتطبيقها الانتقائي، وبين عالم يُفترض أنه يقوم على المساواة القانونية، وواقع تُعاد فيه صياغة القواعد وفق توازنات القوة والمصلحة.

إن الإصلاح الحقيقي، في هذا السياق، لا يمكن أن يقتصر على تحسين اللغة السياسية أو تطوير الخطاب الدبلوماسي، بل يتطلب تحولاً أعمق في طريقة التفكير والسلوك السياسي، يقوم على إعادة الاعتبار لمبدأ الشمول في تطبيق القانون الدولي، بحيث لا يُستثنى طرف من قواعده، ولا يُمنح طرف آخر امتيازاً خارج نصه وروحه. فالمشكلة ليست في غياب القوانين، بل في الانتقائية التي تحكم تفعيلها.

إن العالم اليوم يقف بالفعل أمام مفترق طرق تاريخي: فإما الاستمرار في إدارة الأزمات بمنطق القوة والتوازنات المؤقتة، بما يحمله ذلك من إعادة إنتاج مستمرة للتوتر وعدم الاستقرار، أو الانتقال نحو نظام أكثر اتساقاً في قيمه، وأكثر صدقاً في تطبيق مبادئه، بحيث تصبح العدالة معياراً فعلياً لا شعاراً خطابياً.

وفي كل الأحوال، يبقى العنصر الحاسم هو الوعي؛ وعي الشعوب أولاً، وقدرة النخب السياسية والفكرية ثانياً، على مراجعة المسلمات التي حكمت النظام الدولي لعقود طويلة. فبدون هذا الوعي، ستظل الفجوة بين القانون والقوة قائمة، وستظل الأزمات تُدار أكثر مما تُحل.

ويبقى السؤال، في نهاية هذا المسار التحليلي، ليس فقط سؤالاً سياسياً، بل سؤالاً حضارياً بامتياز: هل يستطيع النظام الدولي أن يتحول من نظام يُعيد إنتاج عدم المساواة إلى نظام يُعيد تعريف العدالة بشكل شامل؟ أم أننا سنظل نعيش داخل دائرة تاريخية مفتوحة، تتكرر فيها الأزمات بأشكال مختلفة، بينما تبقى البنية العميقة على حالها دون تغيير؟

أفريقيا المنسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق