ثقافة وفن

نجيبة عبان: لا أحد منا يعلم ما يوجد خلف اللون

سامي عمامي

«لكل مبدع طريقته الخاصة في التعامل مع الإبداع، مثلما لكل إنسان طريقته في التعامل مع تفاصيل حياته المعيشة. بالنسبة إليّ ليس ثمة طقوس ولا شيء غير عادي، هناك تخطيط وجمع المعلومات وبذل الجهد والكثير الكثير من العمل». هذا تحديدًا ما تقوم به الرسامة التونسية نجيبة عبان عبر خلق تنويعات بصرية خلّاقة، فروحها المجنحة لا تخشى الغرق في بحيرات التجريب بقدر ما تفتح لها أفقا جديدة عبر ممارسة استكشافية تقوم على التلاعب بالعناصر والمفاهيم، فالفن التشكيلي حقل بصري حي متعدد الأشكال والمهام نستطيع عبره مثلا استعادة الماضي وصياغته من جديد برسم تلك العلاقة التفاعلية بيننا وبين الـأمكنة ضمن رؤية بصرية متعالية عن النقل السردي المباشر للأحداث والصور، زادها في ذلك مخيلة خصبة وخبرة عميقة في التشكيل.

بهذا المعنى تشيّد مسارها التشكيلي الخاص، فتأخذنا إلى عوالم متداخلة من الخيال (الرمز) والواقع، ومن الحضور الى الغياب. لغة فنية بسيطة تقوم أحيانا على تكرار العناصر نفسها، لكن «نجيبة عبان» لا تتركها هكذا بل تمنحها وضعيات مختلفة لونًا ونِسَبًا من لوحة إلى أخرى، وهنا مكمن الجرأة، إنها تمنحنا شعورا لطيفًا ومرعبًا في آن، بكل خفة نجد أنفسنا أمام أعمال نتجوّل عبرها داخل الزمن، ولا نكاد نفطن أننا صرنا خارجه.

نجيبة عبان فنانة تونسية متحصلة على الأستاذية في الفنون التشكيلية من المعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة في سجلها معرض شخصي سنة 2012 وعديد المشاركات الجماعية مع أهم فناني الحركة التشكيلية بتونس، لها مقتنيات فنية من وزارة الثقافة التونسية اخرها كان في شهر جوان صيف 2025 ضمن الصالون الوطني للفنون التشكيلية الذي أقيم بفضاء دار الفنون بالبلفيدير في دورته التأسيسية.

يقال بدل أن تترك الحنين يكسر القلب قله أو أرسمه هكذا تتعامل «عبان «مع الذاكرة، ذكريات طفولتها التي ظلت تلازمها كخيال لها. ذكرياتها السائلة تتداعى فيها الأحداث وتتهاوى دفعة واحدة  زمن الرسم، إنه زمن منفلت يتغير قبل أن تتمكن من المسك بكلّيّته، يترك خلفه ظلاله وبقاياه كصورة منقوصة عالقة في الذهن، مجموعة من الشظايا المتفرقة، مشاهد لحكايات غامضة تحاول الرسامة جمعها و ضبطها  داخل مساحات لونية، تشكّلها ببراعة اليد المدرّبة لترسم لنا عوالم سحرية متنوعة يتجاور فيها الخيالي والواقعي ويتجانسان بمنظور إبداعي فريد، إنه تراص جمالي موزون يعكس عمق الرؤية وإمكانات الفنانة في تحويل عالمها الذاتي إلى صورة مشحونة إحساسا و شاعرية، معجونة من ضوء و لون و ذاكرة.

في منجزات «عبان» تستقبلك حيوانات أليفة، قطط، فراشات، عصافير… بأحجام متفاوتة حسب نِسب اللوحة وأبعادها، حيث تحتلّ غالبًا مركز تركيبتها التشكيلية، ملوّنةً بعفوية دقيقة تضفي على الشكل غرابة مستساغة، فلا حرج لديها أن يصبح لون القطِّ أخضر أو ورديًّا، شرط أن يناسب ذلك جوهر الموضوع والفكرة، حسب ما تقتضيه العين لا ما تفرضه سلطة المنطق، فما يتراءى لنا عفويّا يخفي خلفه دراسة خطية سابقة لفعل الرسم، لتتوالد بعدها الصور الحالمة بهدوء آثر يشي بتجربة بصرية بنكهة مرحة و ذائقة معاصرة جدا تلبي حاجة المتلقي الى رؤية فعل ابداعي تعبيري اصيل و مغاير.

تتعامل نجيبة عبان بحذر وريبة شديدين› في اختيار الموضوع، فرغم بساطة التركيبة الظاهرة وقلة عناصرها فإنها تتطلب توظيف مهارة بالغة في ترتيب الشكل ووضعه في المكان المناسب بـطرح فني متوازن يتماشى مع الجوهر العام للعمل. فلكل شكل طابعه التعبيري والرمزي، ناهيك عن بعده الجمالي. وما تركيزها الدائم على رسم القط والعصفور في جلّ منجزاتها إلّا دلالة على قصدية كلّ شكل وحركة داخل مساحاتها اللونية، فيتحوّل «القط» مع «عبان» من شكل ظَاهرهُ بسيط إلى رمز وعلامة يختزل معنًى فكريًّا ونفسيًّا يساعدنا في الولوج إلى عوالمها الداخلية وتفكيكها. وكأننا إزاء عملية ملْء وإفراغ، في لعبة تقنية أساسية تنتهجها عبان لرسم شكل اللوحة النهائي. فتارة تقوم بتوظيف التكثيف في مساحة صغيرة بعناصر متعددة للدلالة على حميمية المشهد، وطورًا تملأ المساحة بعنصرين أو ثلاثة كحدّ أقصى دون أن تقع في اختلال بصري، من خلال تكبير حجم الشكل، لتخرج بنا من نطاق التدوين إلى حيّز الرؤية وتأمّلاتها الجمالية التي تخطّت بها المفاهيم الحداثية السائدة، بفضل مبدأ الاختزال والتبسيط شكلًا ولونًا.

وفي حديث مع الرسامة نجيبة عبان قالت إنها «لا ترى نفسها تنتمي إلى أي تيار فكري فني بذاته، بقدر ما تمارس الفعل التشكيلي كحب للفن، وإن كانت لا تنكر إعجابها بعوالم الفنان الروسي مارك شاغال (1887-1985) حيث شاعرية المشاهد وفرادة التراكيب فهو لا يرسم حسب رأيها الواقعية ليفهمها الجميع بقدر ما يمثل الفن عنده وسيلة لتمرير أفكاره تجربة يمزج فيها البساطة و عمق الرؤية في مساحة واحدة.

أما على مستوى اللون فتتعامل معه عبان بدقة مرهفة. إنه أحد أهم عناصرها التشكيلية التي تستند عليها في نسج صورها وتوازن المعنى، تستوقفنا تقاطعات الخطوط والخربشات الملونة المرسومة بعفوية بارزة حتى يهيئ لنا أننا نقف أمام طفلة صغيرة لا برسامة أكاديمية عارفة بأسرار اللون ومتاهاته، لكن هذا الرأي يتبدد بمجرد أن نمعن النظر أكثر في طريقة انتشار اللون ذاته، فذلك اللون الذي تبدى لنا اول وهلة عفوي هو في داخله خاضع لمسار صارم فبخبرتها أوقعتنا في فخ هذا الوهم البصري الجميل فاللون يضيء في مناطق ويخفت في أخرى في لعبة بصرية تحكمها قوانين داخلية خاصة.

يتحول اللون كذلك الى شكل وحجم له أبعاده ونسبه وايقاعه الداخلي فلم يعد الخط وحده من يرسم حدود الشكل وحجمه ومكان انتشاره بل تكفل بها اللون ليصبح بذلك جزء من لعبة جمالية ممتعة

جمعت الرسامة بين بساطة التركيب وطرافته لتنتج لنا تجربة ناضجة تتجلى فيها قدرتها على الجمع بين البساطة (الشكل)والتكوين المحكم من جهة وبين الإفصاح الوجداني والنظام الداخلي الدقيق من جهة ثانية مستندة في ذلك كله على لغة اللون البصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق