
الرواية التاريخية بين سرد التبئير وسرد الحكي
في «رواية لبوءة حاحا» للروائية المغربية مليكة رتنان

د. الزهرة حمودان
مقدمـــــــــــة:
تجري أحداث رواية «لبؤة حاحا» للكاتبة المغربية مليكة رتنان، في فضاء جغرافي من بلاد المغرب، إبان فترة تاريخية موسومة بالانفلات الأمني والسياسي، والتفسخ الاجتماعي، وهي العوامل التي تبتلى بها الدول عند اضمحلالها. وتتميز الفقرة المطلعية للرواية، بحمولة إشارية لعدة قضايا تفرزها مثل هذه المراحل في عمر الشعوب، بحكم أن الرواية تحتاج الى تخييل يمدها بالصيغة المناسبة للتعبير عن قضاياها، ويمَكِّنها من تقديم التجارب الإنسانية المختلفة، وتزداد تكثيفا كلما تعلق الأمر بالرواية التاريخية «بوصفها تقدم وعيا متجددا، يبحث باستمرار عن هوية ممتدة، تسعى نحو الاكتمال بفعل المقاومة المفضية إلى التحرر، وذلك من خلال تسجيل الأحداث الهامة من تاريخ الامم. في هذا السياق المفاهيمي تأتي الرواية في رداء تاريخي بنوعيه؛ السياسي والاجتماعي لمنطقة سوس المغربية، مؤطرة معرفيا بما دونته كتب المؤرخين عن فترة القرن السادس عشر الميلادي ببلاد المغرب، وقد وقفت هذه القراء – بهذا الخصوص – على دراسة الباحث المغربي محمد شونم، حول الاحتلال البرتغالي للسواحل المغربية، وموقف المجتمع والزوايا والسلطة من ذلك خلال القرنين الخامس والسادس عشر الميلاديين. وفي هذا السياق التاريخي المحدد نصبت الكاتبة خيمة متخليها السردي، ملحِمة بين سداها أحداثا وشخصيات، في ثنايا محكي تقوده رؤية سردية مسكوكة، من الهوية الأمازيغية بمنطقة سوس المغربية. هذا على مستوى الشكل أما فيما يتعلق بفنية الرواية بطابعها التاريخي، فهي تتمثل «في مدى اتكائها على المرجعية التخييلية، وتجاوز الاقتصار على المرجعية الواقعية المستمدة من مصادر التاريخ، فالروائي المتمكن من فنه يعمد إلى الخيال، لسد الثغرات التي لا يعنى بها التاريخ، وتفسير الأحداث، وإسقاطها على الواقع. ومن هنا يمكن القول: إن فنية الرواية االتاريخية تعنى بتقديم رؤية خاصة للروائي عن المرحلة الزمنية التي اتخذها فضاء لعمله. أما الاقتصار على ما جاء في المصادر التاريخية فيجعل الرواية أقرب إلى الوثيقة التاريخية منها إلى الرواية الفنية، وعند ذلك تكون مجرد اجترار للتاريخ.»
يقف القارئ على هذه الحركية بين الواقعي/التاريخي والتخييل، في الوحدات السردية التالية:
• التاريخ السياسي المغربي محددا زمنيا، بالقرن الخامس عشر الميلادي الذي شهد تفكك الدولة الوطاسية، وبوادر صعود الدولة السعدية.
• الفضاء السياسي جغرافيا بمناطق محددة ب: حاحا – الشياظمة – عبدة – الشاوية – آسفي- أزمور..
• القضية الموضوعاتية الخاصة بالتفكك المجتمعي ومظاهره الممثَّلة ب:
• رفض القبائل دفع الضرائب، أمام شطط سلطة الداخل التي يمثلها الحكم الوطاسي، وغلبة الاحتلال الخارجي البرتغالي.
ب-استفحال نفوذ الخونة المتعاونين مع الاحتلال البرتغالي
ت – تفشي مظاهر الانحلال الأخلاقي، من خلال توظيف الشخصيات/الظواهر مثل :
الزفان :
هو شخصية فارغة، وظيفتها عابرة لأحداث الرواية؛ تحمل سمة التدهور الأخلاقي للمرحلة، أسبغت عليه الكاتبة من قاموس اللباس ما يكسبه سمة الشخصية/المسخ، التي تثير في الذهن الصورة القرينة للانتماء إلى ظاهرة الشذوذ، التي يمجها الحس الذوقي لدى الإنسان المغربي، وتقدمه الرواية كالتالي:
«الزفان بوقاحته وسفهه يغني ويرقص وتتبارى النسوة في الرقص بين يديه»
العالية :
تجلي هذه الشخصية النمطية، تقنية فنية تغني البعد التخييلي للرواية، تربط الواقع التاريخي للرواية بعلاقة تكاملية للسرد بوشائج الخرافي والعجائبي، وجميعها عناصر اعتمدتها المؤلفة لملامسة أوضاع التاريخ الاجتماعي لمنطقة «حاحا» من منظور ذاتي، بعيداً عن صرامة الوثائق الرسمية، مما يمنح السرد عمقاً ثقافياً، إذ تمثل شخصية «العالية» في الرواية نموذجا نمطيا نوعي لما يعرف في «النظريات الحديثة للأنثروبولوجية والمفاهيم الثقافية، بالشخصيات النمطية»، وتعني في علم اللغة أنها مفهوم ثقافي معمم، وصورة مقولبة لفئة من البشر ذات نشاط وسلوك مميز، وتحضر هذه الشخصية في الرواية ككاهنة وعرافة ووسيطة بين الجن والإنس، داعمة للشخصية السلوكية التي يمثلها « موسى الحران»، قائد من قواد عهد السيبة، عميل الاحتلال البرتغالي في منطقة حاحا، ومختطف «زاينة» لبوءة حاحا، وتقدمها الرواية كالتالي:
« انتفضت العالية من وراء جفنة طينية بها ماء وموقد نار، تنبعث منه رائحة بخور، امرأة في الأربعين من عمرها، مكتنزة لحما لا يتبين الناظر الى وجهها تقاسيمه لدسامته، ترتدي ملابس بنفس لون ملابس خادمها، وضعت قوارير من زجاج.. معبأة بأدمغة حيوانات.. ومساحيق.. (..)..على حين غرة توقفت اليدان عن الحركة. همد الجسد عن التأرجح، ثم خرج صوت رجولي من حنجرتها مخيفا: «الحسناء معصومة. مملوكة من سلطان الجن الأحمر شمهروس، كل من يقترب منها يلسع بسفافيد نيران تكوي جسده وتفتت منه كل الشهوات والغرائز..»
تحضر شخصية العالية في الرواية نموذجا من شخصيات الهامش ، لدعم حبكة الترابط والتشويق، في السياق التاريخي للرواية، الموسوم بالتفسخ والانحلال، وهي شخصية تقترب كثيرا من الشخصيات النمطية التي تسود المجتمعات التي تؤمن بالخرافة.
تعمل هاتان الشخصيتان ( الزفان والعالية)، رغم فراغهما من العاملية، على ربط عتبة الاستهلال بمطلع الرواية، وعتبة الفقرات التي تلتها، للدلالة على امتداد فعل التفسخ الاجتماعي في الزمن الروائي، إلى أن توفرت الشروط الكاملة للقضاء عليه. كما يبدو من خلال هذه الفقرة من الرواية، أن هناك ما يجعل المتلقي النبيه يقر، بأن هناك فعلا تداخل واضح بين الروايات التاريخية والأسطورية والعجائبية، شكلا وبناء، وكذلك الأمر أيضا مع الرواية الاجتماعية، لأن شخصية عالية تمثل أيضا الشخصية/الظاهرة التي تنبئ عن خلل اجتماعي، ألمَّ بمنطقة سوس، بالفترة التاريخية التي تجري فيها أحداث الرواية.
عتبة الاستهلال:
تقدم عتبة استهلال الرواية العناصر الأساسية المكونة لملفوظ الخطاب، مصاغة في بنية تضم الشخصيات، والحدث، والزمن، والفضاء.» وظائفها متنوعة بحسب الجمالية الروائية التي تنتمي اليه هذه الفقرة من النص، لا جمله الأولى فحسب، بل كذلك جمله الأخيرة، بما هي فضاء ختامي يستأذن فيه المحكي القارئَ في الانصراف عنه، فينغلق على صدى وذكرى نص سيظل عنوانه رمزا كنائيا يشهد عليه»، بصفته الحلقة التي تدخله» في علاقة ظاهرة أو خفية مع باقي النصوص، على مستوى تمفصلات وحدات السرد، وتوارد فقرات سرد الحكي. كما يعمل على تنشيط فضول القراء حسب جيرار جنيت، ومتعة القراءة حسب دانيال بناك.
بلاغة الاستهلال في الرواية هي خريطة أو خطاطة «هندسة المعنى» في أضيق حيز ممكن. هي اللحظة التي تتحد فيها اللغة مع الفكرة لتكون بمثابة «الانفجار العظيم» الذي يولد منه كون الرواية الفسيح. وهي كذلك «بؤرة» مشعة تتضمن الرواية بأسرها بشكل جنيني، لتتفكك وتنمو بقية الأحداث وتتكشف دلالاتها طوال صفحات العمل. والاستهلال عند جيرار جنيت هو ذلك المصطلح الأكثر تداولا واستعمالا في اللغة الفرنسية واللغات عموما، كل ذلك الفضاء من النص الافتتاحي/liminairepréliminaire/بدئيا كان، أو ختميا/postéliminaire، والذي يعنى بإنتاج الخطاب بخصوص النص لاحقا به أو سابقا له؛ لهذا يكون الاستهلال البعدي او الخاتمة (posteface)، مؤكدة لحقيقة الاستهلال»
يكمن سر بلاغة الاستهلال في الرواية، تبعا لهذا التعريف الخاص بها كمصطلح، في تلك الجملة الفعلية التي تبدأ بها الرواية:
« انتبه الحاج بوشعيب الحارثي فجأة من نومه»
الجملة توحي بالدينامية، والصدمة، بلاغتها تنبع من تأثير فعل جملة «انتبه فجأة « الموحية بالسرعة التي تنقل القارئ من عالمه الواقعي إلى عالم النص دون مقدمات إنشائية طويلة.
نحتت الكاتبة على عتبة الاستهلال «هوية» عملها. راسمة من الكلمات والعبارات صورا مرئية تُشعر القارئ بجبروت الطبيعة الممثل في الجفاف، وهي تقول على لسان شخصية الحاج الحارثي:
« اليوم يبدأ كسائر السنين الأخيرة، يبسة قحط وعطش معاناة وشظف وحرمان. فأديم سمائه صاف لا تزال نجومه تتلالا مبتهجة، ليس هناك سحب دكناء في الأفق، تعلن عن قرب نزول الرحمة. غلت الأرض وظمئت، ومررت عطشها للصخور والنبات والحيوان والانسان»
تثير براعة استهلال الرواية في جملة البداية، « فجأة انتبه الكهل «لدى القارئ تشويقا، إذ تستهل المؤلفة روايتها بهذه الفقرة:
« فجأة انتبه الكهل على صوت جهوري يلقي عليه السلام.. أجاب بالمثل وهو يتفرس في الصورة المجسدة امام ناظره، خمسون جنديا من جنود السلطان الوطاسي بلباسهم المخزني..(..).. إضافة إلى مدنيين يركبان بغلين، أحدهما شيخ القبيلة والأخر الكاتب المكلف بتدوين مداخل الجبايات المستخلصة»
• « أأنت غريب عن الديار يا رجل؟ لقد أقام البرتقيز مكوسا على أبواب المدن والأسواق»
استهلت بها المؤلفة روايتها بفقرة استهلالية تروي فيها على لسان احدى شخصياتها التي أسندت لهم المؤلفة ل دور تقديم مسار تاريخي لمجتمع «حاحا» ومحنته مع الاستعمار البرتغالي وهي شخصية حمو اللقيط : « لقد بدات جحافل الجيش البرتقيزي تتحرك نحو الداخل بعد ان تحكمت في الساحل يقودها عملاء من الأهالي يرشدونها الى مواقع القبائل وكل قبيلة تمردت عن تقديم الضرائب تنهب ويؤسر افرادها ليحولوا عبيدا محليين او يحملوا على ظهر الكرافيلا إلى مكان مجهول»
تمتد عتبة الاستهلال في الرواية من الصفحة الرابعة، إلى الصفحة السابعة والعشرين، منتجة خطابا تمليه دواعي موضوعية بالأساس، وظيفتها البديهية مساعدة المتلقي على الإمساك بالخيوط الأولى المفضية إلى فهم مضامين وأبعاد الاعمال أدبية كانت ام فكرية ام تاريخية»، وهي بذلك تضطلع بمهمة تواصلية مع المتلقي، تقوده إلى تتبع مراحل السرد وقضاياه من جهة، ثم فهم توجه الخطاب الذي يقود السرد، من جهة أخرى. تؤسس المؤلفة عتبة استهلال الرواية على ركيزتين:
• شخصيتا أب وابنه:
• الحاج بوشعيب الحارثي، الذي – وهو يحتضر- يمد شخصية ابنه « ميمون «، بإمكانية تؤهله أن يكون أحد الشخصيات الرئيسة التي ساهمت في تحررير منطقة « حاحا «، من الاحتلال البرتغالي، والقضاء على شأفة الفساد بها. نقرأ في الرواية بهذا الخصوص:
« خرج الحاج من مكمنه معية ابنيه، قبع الكل قرب الممر الرملي المؤدي الى أبراج المدينة. بين الفينة والأخرى يترك الكهل الصبيين ويركض لاهثا والسعال يستنزف أنفاسه وطاقته وراء جنود وملاحين ووجهاء برتغال، يتبادل معهم كلمات ويكون الرد قهقهات صاخبة أو تعنيف. هناك قرب السور، ظهر المنشود، لن يخيبه حدسه، يشعر أن الخلاص سيكون على يد البيلة البرتغالية الوافدة من الممر نفسه.. «
تضع هذه الفقرة من عتبة الاستهلال القارئ أمام مشهد ستتبين تفاصيله على امتداد فصول الرواية، وهو مشهد بيع الشيخ الحارثي لابنه ميمون للنبيلة البرتغالية.
– حوار يقدم صفات لبوءة حاحة؛ التي تمثلها شخصية زاينة بنت حيان الحاحي، والذي جاء كالتالي:
قبضت زاينة بيديه وهي تقول:
• «ألم تعاينوا زيهم ووشمهم للتأكد من قبيلة انتسابهم؟
• إنهم ملثمون، اختبئي يا مولاتي
• لن أختبئ، اجمع كل من يستطيع القتال، اليوم أبين للعالم أن نساء حاحا يقدرن على أعمال الرجال.»
الحوار يقدم خطابا هوياتي بشقين:
• شق خطاب الأنثى الكاتبة على لسان بطلتها في الرواية، الحامل لرسالة تقول: « إن شجاعة المرأة الحاحية في الشدائد، تضاهي شجاعة الرجال»
• شق خطاب جمعي لنخبة أهالي حاحة
تقدم هذه الفقرة الحوارية، بمطلع الرواية كذلك؛ الشخصيات في نواتها الأولى، مبتدئة بالضحايا الأوائل لجحافل» الجيش البرتقيزي التي بدأت تتحرك نحو الداخل، بعد أن تحكمت في الساحل، يقودها عملاء من الأهالي يرشدونها إلى مواقع القبائل، وكل قبيلة تمردت عن تقديم الضرائب تنهب.، بعد تفسخ السلطة المركزية؛ الممثلة في شخصية السلطان الوطاسي، تقول الفقرة على لسان شيخ القبيلة:
• « لقد حضرت مع جابي مولانا السلطان الوطاسي لاستخلاص ما على ذمتك من الضرائب، أنت مدرك تمام الادراك قيمتها: مثقال عن الأرض التي تحرثها، وربع مثقال عن كل رجل جاوز سن الخامسة عشرة من عمره، ليرد الحاج بوشعيب:
• عن أية ضرائب تتحدث أيها الشيخ؟ ألم تقم مع الجابي باستخلاصها من مدة لا تزيد عن الشهرين».
يستمر مطلع الرواية، في تقديم شخصياتها، مؤطرة بمواقعها التاريخية والاجتماعية، مما أنتج مجموعة من المواقع تتوزع بين المركز والهامش، وهي تموقعات ستعرف تحولات شخصياتها، مع متواليات السرد وأحداثه، تنبني عبرها شبكة من التعالقات، تتقاطع فيها أفعال الشخصيات التي قدمتها فقرة الاستهلال، انطلاقا من شخصية «بوشعيب الحارثي»، الغائب/الحاضر؛ الذي ينتهي دوره المادي، ليمتد فعله البيولوجي والأخلاقي والرمزي.. مفجرا للأحداث، مولدا للشخصيات العاملة، التي هيأت باقي الشخصيات من بعدها للفعل.
ومن موحيات الاستقراء في الرواية، دور الطبقات الفاعلة في المجتمع، التي يبدو أنها على نوعين :
أ – الطبقة الوسطى: التي يمثلها الحاج بوشعيب الحرثي قبل الجائحة:
تسرد الكاتبة تبئيرا، نيابة عن هذه الشخصية المؤسسة للبناء الشامل للرواية:» أزاح حمو الجذع الشوكي الممثل كباب للزريبة، ما عاينه الحاج كان أكثر من طاقة تحمله: البقرة الوحيدة المتبقية عن عهد العز والجاه تحتضر. آخر ما تمتلكه العائلة. تنازع الأنفاس الأخيرة. هرول الحارثي نحو مكان امتدادها انحنى بعد أن وضع القنديل جانبا وأطفا فتيله؛ فهناك عمود بفتيلة ينير المكان والقمر من علياه وضاء يعاين بدوره الكارثة ويواسي الكهل مصابه»
يعزز هذا النص علاقة الحاج الحارثي بالطبقة الوسطى لمجتمعه:
« قدفت الذكرى بالحاج الى أزيد من عشر سنوات خلت، سنوات الشباب خلالها كان نفس الفضاء مرتعا لقطيع ماشية بلغ خمسين رأسا من البقر، عشرين رأسا من الغنم، عشرة خيول عربية أصيلة وخمسة جمال ناهيك عن الدواجن والأرانب، وكلاب رعي وقنص. لقد شكلت الزريبة بقاطنتهاا وفخذة الحارثي بافرادها حقا محط حسد افراد القبيلة والتجار والمخزن..(..).. كانت البطون ممتلئة والفرحة منبعثة من المحيط تتوجها الزغاريد وتؤطرها القناعة والتضامن والامن والاستقرار»، وهي فقرة سبقتها إشارة إلى الطبقة الوسطى الفاعلة دائما وعبر التاريخ على خلق الحماية والتطور الاجتماعي، بفقرة المطلع، على لسان نفس الراوي: «حمو، اسم يجهل من سماه بأنه لقيط لا يعرف من أين أتى، أو ممن ينحدر، لربما كان بذرة حب جامح تكللت بعلاقة غير شرعية. أو ثمرة اغتصاب إبان موسم حصاد ؟ من يدري؟ المهم هو أن العائلة الوحيدة التي احتضنته من التشرد والضياع، ومنحته بعض العطف بل وجعلته يحس بآدميته هي عائلة الحاج بوشعيب». صمام أمن القبيلة، والحامل لقيم الجماعة بالاحتضان الممثل في شخصية « حمو»، وبدوره التغييري الذي سيظل منعكسا ومؤثرا على أحداث الرواية، من خلال شخصية ميمون، وشخصية النبيلة البرتغالية.
ب – طبقة النخبة:
ويمثلها رجال الزوايا والشرفاء من أعيان المنطقة من أسرة آل محاند وساكنة العزيب، وتقدم الرواية نموذجا لها قبل ظروف السيبة والتفسخ الاجتماعي، كالتالي:
«التحق حيان بالطابق السفلي، مرحبا بالضيوف من أعيان حاحا وعامتها، وخاصة بالقاضي الدغوغي والعدلين المرافقين له. في الوقت الذي انبعثت فيه موسيقى أندلسية تتخللها، أمداح نبوية. من الجانب الأيسر للقبة المستديرة، والمزينة بالفسيفساء، والنقش على الخشب، والجبس، تحف ببنائها الدائري أرائك مزهوة بحنابل ذات ألوان مختلفة تظهر براعة النسج والصنع الحاحي»
تأتي عتبة الاستهلال على نظام النص، يؤكد جيرار هذه الخاصية، في إحدى تعريفاته لها؛ وهي من المرتكزات التي اعتمدت عليها المؤلفة لتشييد معمار روايتها، في استحضار الفضاءات المفتوحة الخاصة بالمواقع الجغرافية من طنجة وسبتة، وبتفصيل ودينامية فعلية أكثر بمنطقة سوس، وكذلك الحال بالفضاءات المغلقة بتدرجها بين الانغلاق والانفتاح، تبدأ في بداية فقرة الاستهلال، على لسان راوٍ كامل المعرفة:
• « خرج الحاج من الزريبة، تطلعت عيناه نحو السماء، في فجر هذا اليوم من أواخر فصل الشتاء، سنة 1504 ميلادية من التقويم المسيحي، شرد الذهن وانطلق في سبر الواقع المر:» اليوم يبدأ كسائر السنين الأربع الأخيرة، يبسة، قحط وعطش، معاناة وشظف وحرمان، فأديم سمائه صاف، لاتزال نجومه تتلألأ مبتهجة، ليس هناك سحب دكناء في الأفق تعلن عن قرب نزول الرحمة، غلت الأرض وظمئت، ومررت عطشها للصخور والنبات والحيوان والإنسان».
تعتمد عتبة الاستهلال هذه محوري «سرد التبئير وسرد لحكي»، من حيث المفاهيم المركزية لنصها، التي يفرضها التجنيس المفصلي لها كرواية تاريخية، والوظيفة الشكلية لخطابها المقدماتي، والتي تقوم على استراتيجية بناء تعالقات الشخصيات العاملة، والأحداث على مدى متوالياتها. وهي استراتيجية تنسجم مع سرديتها العامة: زمنا تاريخيا، وفضاء جغرافيا، وأحداثا تقدمها شخصيات حمّلتها الكاتبة وظيفة العاملية في العديد من أصنافها، حيث ترتبط شخصية الحاج الحارثي الذي سيخرج من دائرة السرد بالوفاة التي تمثلتها الكاتبة في الرواية على الشكل التالي:
«رمت المرأة بضع ريالات فضية أرضا أمام الحاج، وأومأت لعبدٍ بتسلم السلعة. لم يمد الكهل يده للالتقاط المال، حيث انتابه السعال من جديد، إلى درجة جعلته ينكمش على نفسه بعد تقيء دم غزير. ثم يسقط جثة هامدة على أديم الأرض التي أحبها وحملته وغذته وستحتضنه» ليمتد وجود عامليته البطولية على لسان ابنه، الذي باعه للدونا البرتغالية في النص المشار إليه أعلاه، ويمثل ذلك النص الموالي:
« اعتدل الحارثي ( ميمون ابن الحاج بوشعيب الحارثي) في جلسته، انقبض جبينه، وضاقت عيناه، وتاه الفكر في استرجاع كل منظر وكل صورة انطبعت في ذاكرته عن القلعة أيام حل بها كتابع من أتباع «الدونا»، ثم انطلق صوته الجهوري بالحكي»
تربط الفقرة بين طرفي عتبة استهلال الرواية وعتبة فقرات الختام، من خلال سرد دائري، يربط ما سبق في الرواية من أحداث في زمن سابق، وما توالى منها بعد ذلك، في تجاوز ملحوظ لخطية زمنية الرواية، للوصول بها إلى ما آلت إليه الأحداث كنتاج لكل ذلك.بينما في بنيتها العميقة يكمن خطاب مؤطر برؤية سردية هوياتية/أمازيغية، تقدم خصوصية «الهوية الجماعية لسكان قبائل سوس المجزأة في الأشخاص»، من ورائها خطاب الذات الكاتبة في سياق ثقافي/اجتماعي، أفرزته مرحلة تاريخية معينة، حيث يبرز وعيها المعرفي بالتاريخ الاجتماعي، الذي خول لها الإمساك بالسلط الثلاثة التي تخول لها تقديم خطابها الذاتي/الشخصي، من خلال دورها كسارد ظاهريا، والذاتي الجمعي ضمنيا:
1 – سلطة المجتمع /الأمة داخل مجرى شروط تاريخية محددة، وقد اعتمدت الكاتبة ذلك في تكريسها استراتيجية استدعاء مرحلة تاريخية/سياسية/اجتماعية حرجة، لمنطقة سوس المغربية لها حيثياتها .
• سلطة البيئة يمثلها الجفاف، والوضعية السياسية الصعبة، في جانب تفكك سلطة الداخل، واستفحال أطماع البرتغال من الخارج.
• – سلطة المؤلف بصفته شخص يدون حركية المجتمع وعملياته بطريقة مقبولة، يراقب الأعراف والتقاليد ومتبعا الأنساق.
تتشابك هذه العناصر تحت سلطة السارد-الراوي الذي يرسي خطابه السردي في ظروف قابلة للتمييز، وهي ظروف لها دلالتها الإحالية والوجودية ، السالفة الذكر، وعبرها جاء البناء العام للرواية على محورين:
I – سرد التبئير:
• يعرف التبئير أنه موقع سردي يتسم بالمعرفة الكلية لراوٍ غير مشارك في المواقف والأحداث، وظيفته تقديم الرؤية التي تقوم على أساسها الرواية، وهي ما يسمى عند تودوروف بوجهة النظر
تمتلك الذات القائمة بالتبئير وجهة النظر الخاصة بها؛ وهي النقطة المتحكمة في الجملة السردية التي تعرض الواقعة وفقا لمنظورها. تتخلل هذا السرد التبئيري متواليات سرد المشاهد، وسرد اللقطات الوصفية، إذ تمارس الذات الكاتبة/الساردة، تبئيرا سرديا؛ يمثل المؤلف المحيط بكل شيء؛ يخبر عما يحدث، مع الحرية في أن يدخل إلى عقول الشخصيات، ويعلق على الحدث. وهو سرد من خارج العالم المحكي مع تبئير في مستوى الصفر»(أو التبئير المعدوم) وهو مصطلح نقدي وضعه الباحث «جيرار جينيت» ضمن نظريته للسرد؛ يشير إلى «الراوي العليم» الذي يعرف كل شيء؛ حيث تكون معرفته أوسع وأشمل من معرفة الشخصيات»، ويتمثل هذا النوع من السرد في:
• سرد تبئير الوصف والاسترجاع:
وهو سرد موضوعي يتميز بالتبئير الخارجي ولذلك يقتصر على وصف سلوك الشخصية الكلمات والأفعال وليس الأفكار والمشاعر، تستدعي المؤلفة – في هذا الإطار – مشهدا تقول فيه المؤلفة على لسان الساردة العليمة:
« في الوقت الذي كان الكل يتأمل ما أنجزه إسحاق، دخل القبة رجل في الأربعين من عمره ، طويل القامة، نحيل البنية، يبدو على ملامحه النبل، والشرف ،والشهامة، وأنفة الأمازيغ، هو حيان بن محاند الحاحي أبو زاينة. تقدم نحو ابنته، قبلها بين عينيها، ثم وضع بضعة نقود بالطبق المملوء بالحناء الخضراء الى جوار المراة الحناية..»
ب – سرد التبئير المشهدي:
وتجسده في الرواية مثل هذا المشهد، وهي متعددة:
« تتوسط القبة أريكة خضراء تنسدل من سقفها ستائر حائطية خضراء، مطرزة بخيوط حريرية من الذهب، وعلى جوانبها اصطفت أرائك اسطنبولية مستديرة، جلست عليها نسوة من كل عمر، وعلى طول وعرض بلاطها مدت زرابي فاسية تتوسطها مائدة العرعار، تقدم أشهى الأطباق، ومباخر تنبعث منها رائحة عود القماري وعود الينجوج. فوق الأريكة جلست غادة حسناء في الرابعة عشرة من عمرها، هيفاء ممشوقة، القد تلبس قفطانا أبيضا مزركشا بخيوط خضراء وذهبية
هذا المشهد التبئيري يخفي وراءه ذات المؤلفة/الساردة، تتأمل وتصف لتقدم خطابا يمجد الهوية الأمازيغية في جانبها النخبوي.
II- سرد الحكي:
يقوم سرد الحكي بوظيفة نقل أفعال شخصيات الرواية، وتقديم الأحداث التي تصنعها شخصياتها في بناء يمثل إطارها العام، إلى جانب نقل المعرفة والتراث، والثقافة والهوية الاجتماعية التي تخصهم. كما يشير مصطلح « سرد الحكي»، إلى نظم وتركيب متواليات تقدم خطابا بغلاف حكاية. وهذا التمييز يمكن أن يجسد لنا بعض الفروقات البسيطة بينهما (الحكي- السرد)، وإلا فإن التداخل بينهما وارد، والتفريق بينهما صعب للغاية. هذا الوضع لا يعرفه الاستعمال العربي فقط، فالاستعمالات الغربية بدورها لمختلف هذا النوع من المفاهيم لا تخلو من التباس، وإبهام.
يفرض عنصرا السرد والحكي حضورهما في نص الرواية شكلا وصياغة. غير أن ما يساعد القارئ على الإمساك بدلالات النص ومتعته هو المحتوى الحكائي، وما ينضح به خطاب الحكي المُؤبَّر:
• الحكي: وهو مكون عام، يتواجد في اللغة والصورة والحركة والإيقاع…. وبهذا التحديد يحل «الحكي» مقابل (récit) باعتباره يتصل بالمحتوى،. إن الحكي شديد الصلة بـ››الخبر››، لذلك نجده يتضمن مايوحي إليه المحتوى من خلال حضور «المادة الحكائية»، أو القابلة أن تحكى، فحين تحكي الساردة/المؤلفة، عن ما يجري في هذا المشهد:
« اقترب يحيى من الخائن الذي جلس مستندا على الحائط، في الوقت الذي ظل فيه ميمون واقفا وكله يقظة؛ يده اليمنى تتحسس الخنجر المغروسة في حزامه، أنصت يحيى لما سربه ابن أوتاعفوت، نهض من مكانه، تقدم خطوات في اتجاه ميمون، لم يشعر إلا وجسده يتهاوى أرضا، في حين بدد سكون الجناح صفير حاد، اتبعه بعينيه وتراءى له خنجران يتقاطعان في فضاء الغرفة؛ أحدهما ينغرس أمامه في الحائط بقوة، والآخر يتخذ الجانب الأيسر من صدر العميل»، فهي تحكي من موقع سارد كامل المعرفة يحكي من خارج العالم المحكي عنه، ويقدم المحتوى أو ‹›المادة الحكائية» كمشهد يصور حدثا.
«يرتبط الحكي بالسرد عبر الانتقال بالأحداث من حالة إلى أخرى عن طريق تسلسها» إذ عبرها يكتشف المتلقي هيمنة الهوية الامازيغية تشكيلا ومحتوىً؛ قاموسا جغرافيا وتاريخيا، وفن عيش وتعايش، يعبر عنها ملفوظ سردي، تستعيده الكاتبة على لسان شخصيات الرواية، فتسرده نيابة عنها كالتالي:
« طالب الكهل وبإلحاح، الشيخَ بسرد وقائع ما حدث، فانطلق لسان الأب متلعثما بالحكي؛ سيل جارف من جنود النصارى مدججين بالأسلحة، أحاط بالسكن ساعات قليلة بعد مغادرتك والصبيين له، يتقدمه شابان من أهالي أزمور، لم يترك زبانيته الفرصة لحمو بالكلام، انقسموا وفق تعليمات قائدهم…»
الهوية الأمازيغية:
تنضح فقرات الرواية بالهوية الأمازيغية- إلى جانب أسماء المناطق الجغرافية للمغرب – بالأسماء، وقاموسها اللهجي؛ لتكتمل دائرة إطارها العام؛ رصدتها هذه القراءة ، منها:
• الأسماء: حمو-ميمون- أوتعفوفت
• شخصية زاينة: بنت السيد حيان قائد قبائل حاحا وقاضي قضاتها؛ « لبوءة حاحا» التي تحمل الرواية اسمها، الحاملة لخطاب الكاتبة، بدفقة دلالية عن شجاعة المرأة الأمازيغية، أجرتها على لسانها، هذه الفقرة:
«لن اختبئ اجمع كل من يستطيع القتال اليوم أبين للعالم ان نساء حاحا يقدرن على أعمال الرجال»
• المعجم الامازيغي: تيوالين، وتأتي في الجملة الأمازيغية « تيوالين إنو»، أي عيوني.
• تسناو، وتعني بالأمازيغية « كبدي» أو « قطعة من كبدي»
• اوتاعفوفت : وتشير إلى القائد أوتعفوفت، الذي تحالف مع المستعمر البرتغالي.
بعد الصورة السوداء التي مهدت بها المؤلفة لروايتها في عتبة الاستهلال ببطولة الحاج بوشعيب الحارثي، تعمد المؤلفة إلى توظيف تقنية الفلاش باك، وهو ما يسمى بتقنية الاسترجاع، لتقطع التسلسل الزمني، وتستدعي أحداثا من الماضي، لتضع المتلقي أمام الصورة الحضارية التي كان يعيش عليها المجتمع الأمازيغي، قبل ثلاثي النكبة: الجفاف والعدوان البرتغالي وتفسخ الحكم الوطاسي. بهويته الأصيلة والمكتسبة، لكشف جوهر الكائنات والموجودات والفضاءات والأزمنة انطلاقا من تذكر الأحداث، ومن الأحاسيس المعيشة التي صارت في وعي سكان منطقة حاحا، مجرد ذكريات، وتاريخ يشهد على أصالة الهوية المغربية بتنوعها الأمازيغي. وتبقى مهمة العمل الفني ليس فقط عرض واقع معطى، أو التعبير عن أفكار مسبقة، وانما إعادة خلق الواقع بنقله من صعيد الواقع ووضعه على صعيد الخيال والتعبير والأسلوب، نقرأ من الروايا أنموذجا من هذا الفلاش باك:
دخلت راحيل بنت شمعون – الدلالة اليهودية – بهو القبة الخضراء بعزيب السيد حيان ولد امحاند الحاحي، يتبعها ابن عمها إسحاق وصبيه شالوم، يحملان صندوقين متفاوتي الحجم من خشب العرعار. أي يوم هذا الذي ينتقل فيه بائع الجواهر والحلي المشهور بمنطقة سوس من افوغال الى عزيب حاحة ببضاعته الثمينة، إنه يوم زفاف زاينة بنت السيد حيان قائد قبائل حاحة وقاضي قضاتها»
الشخصيات :
«إن تصوير اشخاص مهمين في مواقف وهمة ليس حاجة أساسية من حاجات الرواية ، ففي ظروف معينة تستطيع الاستغناء تماما عن هذا او تستطيع ان تقدم الأشخاص المهمين بشكل يعطي سماتهم تعبيرا أخلاقيا داخليا صرفا بحيث سيكمن السحر الخاص للرواية في التضاد بين الطابع اليومي الصغير للحياة وهذه الأهمية الداخلية الصرفة للشخص؛ أي في اللا تناسب بين الشخص والحدث، وتجليه في الرواية تلاحم شخوص الهامش من رعية وأعوان وخدم والمنبوذين اجتماعيا، مع شخصيات الزوايا والشرفاء والأعيان، من أجل مقاومة قواد الفساد المتواطئين مع الاحتلال البرتغالي.
• ميمون ابن الحاج بوشعيب الحارثي، الذي سيقود رحلة مقاومة الاستعمار البرتغالي وأعوانه من خونة « قواد السيبة» في المنطقة.
• النبيلة البرتغالية الشخصية الوديعة» تشع الطيبوبة والرافة من مقلتيها» التي يسلمها الشيخ الحارثي طفليه، برسم البيع، ولم يكن يريد بذلك إلا أن يبلغ بهما مأمنا، وهو في حالة احتضار، حيث استعمل كلمة « البيع»، لأنها كانت القيمة المهيمنة في زمنه ذاك، حيث يباع الانسان كسلعة تشحن إلى الأسواق، إذ « تقول النبيلة لرفيقها بنبرة ملؤها الأسى والحزن: يا للهول لقد أصبح الانسان في هذا البلد أرخص السلع»
• راحيل بنت شمعون الدلالة اليهودية، رمز تنوع المكون المجتمعي للمغرب،
• لبوءة حاحة زاينة بنت السيد حيان قائد قبائل حاحة وقاضي قضاتها، رمز الهوية الأمازيغية.
«مع ازدياد الوعي بالحاضر، يزداد الاهتمام بالتاريخ ،بوصفه خلفية الحاضر، أو تاريخ الحاضر, وتسهم الرواية بوصفها إحدى أدوات تصوير التاريخ الأكثر تفصيلا، وصدقا في استجلاء ما حدث في التاريخ، ولكن كيف يتأتى لها ان تفعل ذلك ..(..) ..تركيب الماضي المتناثر شظايا في كل مكان»




