من السودان إلى ألمانيا… قصة كفاح وعطاء في عالم العلم
ما يجهله الكثيرون عن عظمة ألمانيا وشعبها

د. محمد جبرائيل حاج محمد
(1)
لقد كانت رحلتي من السودان إلى ألمانيا من أجل دراسات ما بعد الدكتوراة مليئة بالتحديات والمصاعب التي سببتها الحرب اللعينة التي فرضت على بلادنا. جنوب السودان – جوبا كانت أولى المحطات، ثم منها إلى إثيوبيا – أديس أبابا لتنفيذ إجراءات التأشيرة الألمانية، والتي كانت هي الأخرى فصلًا آخر من فصول المعاناة. لقد كنت دائمًا أشد من أزر نفسي وأقول لعل هذه الرحلة تتعدى فائدتها الطموحات الشخصية والعائلية إلى حد يسمح ولو بقدر قليل المساهمة في قضايا الوطن المفترى عليه. لقد تحولت ثروات السودان الهائلة إلى نغمة على شعبه، وتحولت بلادنا إلى ساحة مفتوحة للتنافس الجيوسياسي بين القوى العالمية العظمى. في عصر القنبلة النووية تتحاشى القوى العظمى الاصطدام ببعضها لأن ذلك يعني حرفيًا نهاية العالم، بدلاً عن ذلك فهي تسعى لفرض هيمنتها باختيار أرض معركة محايدة، وغالبًا ما تكون الدول الغنية بالموارد الطبيعية هي أرض المواجهة بينها، حيث يسعى كل طرف إلى فرض الفصيل السياسي الذي يعد بموالاته بأي وسيلة ممكنة، بما في ذلك الخيارات العسكرية، حتى لو أدى ذلك إلى محو أمة بأكملها من الوجود.

(2)
أخيرًا وصلت ألمانيا العظيمة، التي قدمت العديد من العباقرة الذين غيّروا مجرى التاريخ البشري. لقد كان للعلماء والفلاسفة والمخترعين الألمان نصيب الأسد في شتى المجالات، ابتداءً من العلوم والابتكار وما قدمه الفيزيائي ألبرت أينشتاين صاحب النظرية النسبية التي غيرت فهمنا للزمان والمكان. وليس انتهاءً بيوهانس غوتنبرغ الذي اخترع مطبعة الحروف المتحركة مما سهل نشر المعرفة. ولا ننسى الأدوار البارزة للفلاسفة الألمان أمثال إيمانويل كانط، الذي ركز على الأخلاق والعقل البشري، والقائمة تطول وليس المجال مجال إطناب. إلا أن ألمانيا التي رفدت الإنسانية تقريبًا بكل شيء، قد قدمت أيضًا أسوأ أشكال العنف البشري في العصر الحديث، من خلال فترة الدكتاتور أدولف هتلر الذي أذاق العالم الأمرين، قبل أن تطوى صفحته بكل مساوئها. لقد استطاع الألمان لم شتات بلادهم التي انشطرت إلى ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية في العام 1949، ليعيدوا توحيدها مرة أخرى في العام 1990. إن التاريخ القديم والمعاصر لألمانيا فيه كثير من العبر والدروس المجانية المفيدة للعالم أجمع وللسودان خصوصًا.

(3)
لقد كانت ألمانيا المركز الرئيسي للإبداع والاختراع الذي شكل الحياة الإنسانية المعاصرة. فها هو كارل بنز يقدم للإنسانية أول سيارة بمحرك احتراق داخلي في العام 1886م، ليفتح صفحة جديدة يودع فيها العالم الوسائل التقليدية في التنقل والسفر. إلا أن النازية وقائدها هتلر قد تسببت في هجرة الكثير من هذه العقول العظيمة بسبب القوانين العنصرية التي استصدرها في العام 1933. منذ ذلك الحين خسرت ألمانيا معادلة الإبداع لصالح دول أخرى على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي كانت مقصدًا لكثير من هؤلاء العباقرة، والذين لم يواصلوا فقط اختراعاتهم وإسهاماتهم الخالدة، بل استطاعوا أن يزرعوا بذور الإبداع هناك، ليسهموا بشكل مقدر في التأسيس للهيمنة شبه المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية على العلوم والتكنولوجيا في عالم اليوم. لقد تميز الإنسان على كافة الكائنات الأخرى بالعقل، ومتى ما كانت الدولة تؤمن بأهميته وتنتهج أساليب تؤمن مزيدًا من حرية التفكير، فإن النتيجة الطبيعية هي ريادة هذه الدولة.

(4)
كشخص ولد وتربى وتعلم في السودان، في فترة كانت فيها البلاد تزدهر تحت حصار عالمي شرس، جعل البلاد واحدة من أكثر بلدان العالم عزلة. رحلتي إلى ألمانيا كانت مزيجًا من الانبهار، لكن أيضًا الحسرة على فشلنا نحن كنخب متعلمة أن نجعل بلادنا مثل هذا البلد الذي لم يتوقف يومًا عن إبهاري، ليس فقط بسبب التقدم التكنولوجي الذي جعل الحياة أيسر ما يكون، ولكن أيضًا بسبب عظمة هذا الشعب الذي رضع من ثدي المعرفة والعبقرية. في رحلتي هذه أدين بالفضل لمبادرة فيليب شوارتز الألمانية لدعم الباحثين والعلماء المعرضين للخطر في أوطانهم بسبب الحرب، وكذلك للبروفيسور إنكا هوفلر، وهي ألمانية الأصل والجنسية، وقد سبق لي التعاون معها في عمل بحثي أثناء مشاركتي في مشروع بحثي مدعوم من المنظمة الأفريقية للبحوث الاقتصادية (AERC)، السنغال – داكار 2016. لقد لعبت البروفيسور إنكا دورًا محوريًا في رحلتي إلى ألمانيا، حيث إنها قد فعلت كل الممكن وبعض المستحيل لتأمين وصولي إلى ألمانيا. لقد أثمر إشرافها ودعمها السخي لي نشر العديد من المقالات العلمية، فضلًا عن مشاركتي في مؤتمرات عالمية ليس فقط هنا في ألمانيا، بل وحتى خارجها، مثل مشاركتي في المؤتمر السنوي للجمعية الأمريكية للعلوم السياسية (APSA)، فانكوفر – كندا، سبتمبر 2025، ومؤتمر شبكة علماء السلام الأوروبيين (NEPS) – برشلونة – إسبانيا، يونيو 2025.
(5)
لقد حظيت بلحظة كم تمنيتها، حين اختارتني مؤسسة ألكسندر فون هومبولت ومشرفتي الأكاديمية البروفيسور إنكا هوفلر وآخرين، للحديث عن تجربتنا البحثية ضمن المنتدى السنوي للمؤسسة، والذي عقد في أبريل من هذا العام، والذي كما جرت العادة يحظى بحضور رسمي من الحكومة الألمانية ممثلة في وزارة الخارجية والأجهزة الإعلامية للدولة، ذلك لأنهم يعتبرون أن ما تحقق يمكن أن يكون ملهمًا للآخرين من الباحثين الذين يتشاركون ظروف الهجرة القسرية من أوطانهم بسبب المخاطر المحدقة بهم نتيجة الحروب في بلادهم. لقد نال حديثنا في المنتدى استحسان الحضور. لم أفوت الفرصة للتعبير عن امتناني وشكري لألمانيا العظيمة حكومة وشعبًا، لكنني تحدثت أيضًا عن السودان ووضحت كيف أنه مؤهل تمامًا ليلعب دورًا مقدرًا في إيجاد الحلول لكثير من التحديات العالمية، حيث إن البلاد وما تذخر به من موارد طبيعية هائلة وموقع استراتيجي مميز على البحر الأحمر، تستطيع أن تساهم بشكل فعال في معالجة مشكلة الأمن الغذائي والجوع الذي يهدد البشرية بسبب تحديات التغير المناخي. لقد ذكرت لهم أن بلادي تحتاجني أكثر من ألمانيا، وأنني لا أنوي البقاء هنا بعد نهاية بعثتي الدراسية، وأن عليه العودة إلى السودان، وأن أضم جهدي إلى جهد المخلصين من بنات وأبناء بلادنا لإعادة بناءها لتكون عظيمة مثل ما عليه ألمانيا الآن، فالأوطان تبنى بسواعد أبنائها. لقد هالني تجاوب العلماء الحاضرين، الذين فاق عددهم 350 عالمًا في شتى المجالات من كل البلاد التي مزقتها الحروب حول العالم، حيث إنهم صفقوا لي بشدة. لقد كانت هذه واحدة من أكثر اللحظات التي شعرتني كيف أن الجميع يملك حبًا لوطنه ولو أنساه للحظة انهماكه لتأمين احتياجاته الشخصية.





مقال رائع وملهم 🙏 اسلوب جميل ورسالة أعمق
يعكس قيمة العلم والانتماء للوطن ،دمت مصدر إلهام.
مقال رائع وملهم 🙏 اسلوب جميل ورسالة أعمق يعكس قيمة العلم والانتماء للوطن ،دمت مصدر إلهام.