سياسة

الانتخابات تتحضر تحت سفق التأجيل

ايلي جو باسيل (المدائن بوست – بيروت)

تم تسكير باب الترشح للانتخابات النيابية اللبنانية في الخامس عشر من هذا الشهر وكانت حصيلة المرشحين ١٠٤٣ مرشح من ضمنهم ١٥٥ امرأة وهي ارقام قياسية، خصوصا وان مجموع المقاعد المتنافس عليها هو ١٢٨.

فكانت المفاجئات كثيرة خصوصا بعد الاعلان المفاجئ لرئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة عزوفه عن الترشح بعدما كثرت الاخبار والمعلومات حول إمكانية خوضه للمعركة الانتخابية بدل سعد الحريري، وقيادة السفينة السنية خلال المرحلة القادمة. لكن السنيورة أكد رفضه المقاطعة وأعلن انه سيدعم لوائح معينة في كافة المناطق وانه يشارك بشكل فعلي وناشط في الانتخابات، حتى لو عن بعد. اما الخبر الاخر، هو عزوف نجيب ميقاتي عن الترشح علما انه في موقع مسؤولية حساس يتطلب جهد وحياد تجاه المعارك السياسية. هكذا يكون نادي رؤساء الحكومات السابقة تراجع عن خوض المعركة، كل من افراده على طريقته ولأسبابه الخاصة. الميقاتي يريد رئاسة الحكومة حتى بعد الانتخابات وفي العهد الجديد خصوصا وان الكلام حول الفراغ بعد نهاية ولاية ميشال عون يزداد وان تلك المرحلة تتطلب حكومة تجمع كل الصلاحيات، فانسحابه يمهد لمرحلة جديدة سيطرح نفسه فيها رمزا حياديا لا يشبه باقي الفرقاء وغير منحاز في أي محور، تماما كما سنة ٢٠٠٥ حينما طرح نفسه رئيس حكومة ذات مهمة محددة كانت آنذاك الانتخابات النيابية. اما لسعد الحريري رواية أخرى، فهو انسحب لأسباب خاصة أكثر من أسباب سياسية، فلديه حسابات وعمل اخر يعمل على إنقاذه خصوصا بعد فشله في مواجهة حزب الله. اما تمام سلام، فعزوفه هو نهائي وهو تقاعد سياسي بعد عشرات السنين في الشأن العام. وعلى الرغم من غياب هؤلاء عن المشهد، يبقى هناك بهاء الحريري ومرشحيه في المناطق الذين سيحاولون استقطاب الشارع السني إليهم ولا تزال تحالفاتهم وأسماء مرشحيهم غير معلنة رسميا حتى اللحظة.

اما بالنسبة للثنائي الشيعي، فأعلن إعادة ترشيح جميع رموزه تقريبا: فحزب الله رشح ١١ نائبا من نوابه ال١٢ الحاليين، اما حركة امل، فرشحت من جديد ١٣ نائب من نوابها ال١٧ الحاليين. البعض اعتبرها إشارة بان تلك الفريق لا يريد التغيير داخل الأحزاب خصوصا وان معظم هؤلاء النواب غير ناشطين في المجال التشريعي، فإنها مواجهة مع الشعب الذي ثار ضد تلك الوجوه. اما بالنسبة للمعارضة في الدوائر التي يسيطر عليها حزب الله وحركة امل، فتحاول المحامية بشرى الخليل، وبالتعاون مع شخصيات مستقلة معروفة، تشكيل لائحة لخرق الثنائي وهي معركة يراهن عليها الكثيرون خصوصا ان حزب الله يريد السيطرة على كافة المقاعد الشيعية ال٢٧ في المجلس النيابي ل «تسكير الطائفة» وفرض شروطه في المستقبل القريب. أي خرق للثنائي وخصوصا مقعد شيعي، سيشكل ارباك كبير لحزب الله وخصوصا لحليفه نبيه بري الذي سيواجه خصما له داخل المجلس النيابي لرئاسته وذلك للمرة الأولى منذ التسعينيات.

اما بالنسبة لمعارك حزب الله من خارج طائفته، فهي المعركة الأبرز التي أعلن عنها حسن نصر الله في اطلالته الأخيرة «معركة انقاذ الحلفاء» أي معركة انقاذ التيار الوطني الحر، حليف حزب الله الأساسي، وسائر حلفائه في ٨ اذار. فبعد سنوات من الخلاف بين جبران باسيل ونبيه بري، ارتأى الأخيرين للتحالف معا في بعبدا وبيروت لدمج الأصوات كما وصفه باسيل في كلمته الأخيرة خلال حفل إطلاق لوائح التيار الانتخابية. فهذا التحالف يناقد كل المسار السابق واستراتيجية التيار الوطني الحر باتهام نبيه بري بعرقلة المشاريع والخطط التي يطرحها باسيل وفريقه.

وبعد كلام نصر الله الأخير، شن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع هجوما عنيفا على حزب الله معتبرا ان كل من يقوم بانتخاب التيار الوطني الحر، ينتخب عمليا حزب الله الذي يريد انقاذ حليفه لتامين الغطاء المسيحي له. جعجع يحاول قدر المستطاع الهجوم على الحزب لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الناخبين السياديين لقلب الأكثرية الحاكمة ونزع الشرعية عن السلاح غير الشرعي. فجعجع يعاني من غياب حلفاء حقيقيين في المناطق الحساسة كعكار (شمل لبنان) حيث يرفض نواب المستقبل المرشحين خوض المعركة الى جانبه، كما خسرت القوات حليفا قويا في زحلة وهو النائب سيزار المعلوف الذي عزف عن الترشح متضامنا مع سعد الحريري. لتعوض الخسارة السنية، أطلقت القوات اللبنانية ومنذ أسابيع، سياسة مسايرة الطائفة السنية، واصفا إياها بالحليفة لمبادئ السيادة ومتهما حزب الله وبالمباشر بقتل رفيق الحريري. لكن الردود بالإيجابية خجولة حتى اللحظة خصوصا وان كوادر المستقبل، رغم خروجه من السياسة، ترد على جعجع بالرفض والتحذير من مناورة خطيرة يقوم بها حليفهم الأسبق.

اما بالنسبة لوليد جنبلاط وسليمان فرنجية، فهم غير مطمئنون على ارقامهم خصوصا بعد الثورة وقيام المجتمع المدني بتنظيم نفسه بقوة في الشمال والشوف-عاليه وغياب حليفهم الحريري عن الساحة الذي كان يؤمن لهم أصوات السنة. فالخوف على تقلس عدد نواب كتلتهم النيابية وخروجهم من المعادلة بفعل ضعفهم العددي.

كل هذه المؤشرات تدل على عدم رغبة السلطة اللبنانية واركانها بقيام الانتخابات ومع اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فالمجتمع الدولي غير مهتم بالشأن اللبناني مما يسمح للسلطة بالمناورة والمقايضة بموضوع الانتخابات تحت حجج عديدة منها عدم توفر القدرات المالية، غلاء البنزين، الوضع الأمني… وهنا نتوقف عند زيارة عون المفاجئة الى الفاتيكان ولقائه البابا فرنسيس، فهذه الزيارة تأتي في نهاية العهد وعشية الانتخابات والمعلومات تشير الى ان هدفها الأساسي هو الطلب من البابا الضغط على الرئيس بايدن لرفع العقوبات عن جبران باسيل، واعطائه ضوء اخضر للتمديد في ظل التعقيدات التي يواجها لبنان. فتبقى الانتخابات رهينة الوقت القليل الذي تبقى لإجرائها وحماسة السلطة لتطييرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق