
حان وقت العودة إلى العولمة … ولكن لنفعلها بشكل صحيح!
عماد الخالدي
كلمات بارزة للملك الأردني عبد الله الثاني نشرتها صحيفة الواشنطن بوست الأميركية قبل أيام قليلة مضت.
طالب فيها بضرورة إعادة العولمة إلى مسارها الصحيح والتي يمكن من خلالها للعالم الانتقال إلى مرحلة التعاون الحقيقي لخلق عالم أكثر ديناميكية وتوازن، وذلك بدلاً من حرب المنافسة بين الدول ذات القوة الضاربة عسكريا وسياسيا ًواقتصاديا للسيطرة على قدرات الكثير من الدول والتحكم بإدارة العالم ضمن توجهات سلطوية على مبدأ باب من حديد وشباك من خشاب. فقد أثبت الواقع بأن دولة واحدة تعمل وحدها ومن دون قيود إلا بما يتناسب مع مصالحها الإقليمية لا يمكن أن تنجح.
((نحن بحاجة إلى إعادة تشكيل المؤسسات الدولية وبناء مؤسسات جديدة أينما دعت الحاجة، نحن بحاجة إلى إنشاء واستدامة منظمات جديدة تعتمد على مهارات وموارد القطاعات المختلفة من خلال الحدود الوطنية وعلى امتداد كامل الأرض. ما نستلهمه من هذه الكلمات أن التعاون الحقيقي والبَنَاء هو جوهر تحقيق عالم أكثر استقراراً وتفاعلاً، وهذا ما كان غائباً عن الاستراتيجية القديمة للعولمة. مما لا شك فيه أن التعاون فيما بين الدول في المرحلة الماضية كان منبعه حالة عدم التوازن في طبيعة النظام الدولي مجملاً بين دول تتمتع بقدرٍ كبير من القوة العسكرية والاقتصادية، وبين قوسين القوة التكنولوجية الناعمة، ودول أخرى تمتلك المقومات ولكن تفتقد لحسن الإدارة إضافة لكثير من الدول الغارقة في وحل الفساد والمحسوبيات وبالتالي هما من حيث المبدأ لا فوارق جوهرية بينهما.
وما يشهده التاريخ على هذه الحالة من عدم التوازن هو اتباع دولة ما لاختيارات محدودة تقتضي إما بالاعتماد على الذات بشكل كُلي مع القليل من الاستثناءات أو الارتباط بدولة عٌظمى، أو اللحاق بتحالف متعدد الأقطاب، وآخر الاختيارات تشكيل تحالف مع بعض الدول يعزز المكانة ويمنح القدرة على التفاوض مع أسياد النظام العالمي.
في عالمنا العربي وما نراه اليوم من خلال مصطلح (العروبة الحديثة) نجد غالبية الدول التي يربطها تقارب جغرافي أو فكري تحاول الحفاظ على استقلالها بعيداً عن الدول صاحبة القرار عالمياً من خلال النية الواضحة في الإصلاح بمختلف ميادينه سواءً الاقتصادية أو الاجتماعية، وتسعى إلى الاعتدال في نهجها السياسي، مروراً إلى علاقات معتدلة مع الدول الإقليمية ودول الجوار، وصولاً إلى كل ما له علاقة بخلق بيئة مناسبة لمواطنيها بحيث توفر لهم سٌبل العيش الكريم، ولا يخفى على أحد اليوم البطولة الرائعة التي تمر بها تواً بعض الدول العربية والتي أثبتت فعالية كبيرة ونجاح على أعلى المستويات في التصدي لجائحة كورونا وإثبات قدرات كبيرة وعلى وجه الخصوص في القطاعين الصحي والتعليمي حيث امتازت بالإدارة المنضبطة والمؤثرة من خلال النتائج التي أظهرتها التحليلات والوقائع. وذلك كله بالرغم من الأوضاع الصعبة عالمياً وانخفاض أسعار النفط والضغوط الاقتصادية الكبيرة.
ما يمكن أن نراه من خلال هذه التجربة أنه لا يوجد بديل للإصلاح وتنويع مصادر الثروة الوطنية ومواجهة كل التحديات والإيديولوجيات وتوابعها، حتى العولمة ذاتها والتي ترتكز على أطراف تمتلك من القوة ما يؤهلها بان لا تلتزم بقواعد الإنصاف يجب مواجهتها أيضاً، سواءً استقر العالم المضطرب على تعافٍ أفضل، أو أدى إلى خلق توازن عالمي جديد ما بين الدول المتناحرة على السيادة، وأقصد هنا الولايات المتحدة والصين, أولا تنظروا لكلتا الدولتين بل انظروا إلى المانيا وكيف أعادت اللُحمة إلى أوربا من جديد بعد أزمة كورونا, وكأنها لم تُهزم في الحرب العالمية الثانية.
وأياً كانت النتيجة ما بعد الأزمة، فإن الدول العربية وأختص بالذكر المتقاربة منها، لا يمكنها التعامل مع واقع ما بعد الأزمة لوحدها وإنما يجب اتخاذ قرارات هامة تُعيد هذه الدول إلى مساراتها الصحيحة والتي تليق بها.الأمر يستدعي الكثير من التساؤلات، وربما يستدعي أن نستحضر تجارب عربية سابقة برغم أنها لم تكن ناجعة، لربما نتعلم منها دروساً تمنح لحاضرنا ما افتقدناه ذاك الوقت.
ربما لا نجد الأجوبة ومن المحتمل أن تزيد التساؤلات إلى أين المسير وأي الطرق نسلُكها، لكنه وبكل الأحوال أفضل من الاستغراق في مستنقع مشكلات الحاضر والنظر إلى العقبات، وما غير ذلك ليس من الحكمة الخوض فيه في هذه المرحلة الوضع الحالي ليس بالسهل والأخطار ليست بالقليلة ويجب معالجتها والنظر في تطورات ما هو قادم، فالعالم العربي باتت اليوم طبقته المتوسطة تزداد ويحتاج إلى إدارة أكثر قدرة على مواجهات تداعيات الحياة وقيادة عملية النهوض.




