
قراءة نقدية في العمل السيري «أيام لم تغادرني» للأديبة المغربية لطيفة تقني
الذاكرة بوصفها هوية... والطفولة بوصفها فلسفة وجود

يُعدُّ كتاب «أيام لم تغادرني» للأديبة والشاعرة المغربية لطيفة تقني من الأعمال السيرية التي تتجاوز التصنيف التقليدي لأدب السيرة الذاتية، إذ لا يكتفي بتسجيل الوقائع أو استعادة الماضي بوصفه زمنا منقضيا، وإنما يؤسس لرؤية فلسفية وجمالية تجعل من الذاكرة فعلا خلاقا يعيد تشكيل الذات ويمنحها معنى متجددا. فالكاتبة لا تسترجع طفولتها لأنها ولّت، وإنما لأنها لا تزال تقيم في أعماقها، وتؤثر في رؤيتها للعالم، وتوجه اختياراتها الإنسانية والفكرية. وهكذا يتحول النص إلى مشروع تأملي يعيد مساءلة العلاقة بين الإنسان وزمنه، وبين التجربة الفردية والوجود الإنساني في أبعاده الكونية.
إن أول ما يستوقف القارئ هو أن لطيفة تقني لا تنطلق من مفهوم السيرة بوصفها «تاريخا شخصيا»، وإنما بوصفها «وعيا بالذات». فالذات هنا ليست موضوعا للحكي فحسب، بل هي موضوع للتأمل وإعادة الاكتشاف. ولذلك تغدو الكتابة ضربا من المصالحة مع النفس، ومحاولة للإجابة عن سؤال وجودي عميق: كيف نصبح ما نحن عليه؟ وهل الإنسان ابن حاضره أم ابن طفولته الأولى؟
من هنا، تبدو الذاكرة في هذا العمل أشبه بخزان روحي، لا يحتفظ بالأحداث كما وقعت، بل يعيد إنتاجها وفق ما تركته من أثر وجداني. ولهذا لا تهتم الكاتبة بالدقة التاريخية بقدر اهتمامها بالدقة الشعورية، لأن الحقيقة التي تبحث عنها ليست حقيقة الحدث، وإنما حقيقة الإحساس الذي ولد منه. وهذه النقلة من «التاريخ» إلى «الشعور» هي التي تمنح النص طابعه الأدبي الرفيع، إذ تتحول الوقائع إلى رموز، ويتحول الزمن إلى فضاء داخلي يعيش في الإنسان أكثر مما يعيش الإنسان فيه.
ولعل أجمل ما في هذا المنجز أنه يعيد الاعتبار للتفاصيل الصغيرة التي اعتاد الناس تجاوزها. فالطفولة عند لطيفة تقني لا تُختزل في المناسبات الكبرى أو المنعطفات الحاسمة، بل في رائحة الخبز، وصوت الجدة، ولعب الأطفال، وضحكات الجيران، ودفء البيت، وأصوات البحر، وبهجة الأعياد. إنها تفاصيل تبدو عادية في ظاهرها، لكنها في العمق تشكل اللبنات الأولى للوعي الإنساني. وهنا تلتقي الكاتبة مع فلسفات الذاكرة الحديثة التي ترى أن الإنسان لا يتكون من الأحداث الاستثنائية بقدر ما يتكون من التفاصيل اليومية التي ترسب في وجدانه دون أن يشعر.
إن هذه الرؤية تمنح العمل بعدا أنثروبولوجيا، لأن الكاتبة لا تستحضر طفولتها بوصفها تجربة فردية معزولة، بل باعتبارها نموذجا لطفولة مغربية أصيلة، كانت الأسرة فيها فضاء للتربية، وكانت الجدة خزينة للحكايات، وكانت الأزقة مدارس للقيم، وكانت المناسبات الجماعية لحظات يتعلم فيها الطفل معنى الانتماء والتضامن والفرح. وهكذا تتحول السيرة إلى وثيقة ثقافية تحفظ ذاكرة المجتمع بقدر ما تحفظ ذاكرة الفرد.
ومن الناحية السردية، تبتعد لطيفة تقني عن البناء الزمني الخطي، فتترك للذاكرة حرية التنقل بين الأزمنة، لأن الذاكرة لا تعمل بمنطق الساعة، وإنما بمنطق التداعي. فصورة صغيرة قد تستدعي زمنا كاملا، ورائحة قد تفتح أبواب عقود مضت، وكلمة قد توقظ طفلا ظل نائما في أعماق الروح. لذلك يبدو النص أقرب إلى فسيفساء وجدانية، تتجاور فيها المشاهد دون أن تحتاج إلى تسلسل كرونولوجي صارم، لأن الرابط الحقيقي بينها ليس الزمن، وإنما الشعور.
ويكشف هذا الاختيار الجمالي عن وعي عميق بطبيعة الذاكرة الإنسانية، التي لا تحفظ الماضي كما وقع، وإنما كما عاشه الإنسان. فالزمن في هذا الكتاب ليس زمنا فيزيائيا يقاس بالساعات والسنوات، بل زمن نفسي يتسع للحظة حتى تصبح عالما، ويختصر سنوات طويلة في ومضة شعورية واحدة. ومن هنا تنبع شاعرية النص، إذ يصبح الماضي حاضرا باستمرار، ويغدو الحاضر مشبعا بأصداء الطفولة.
ومن أبرز الملامح الفكرية في العمل أن الكاتبة لا تجعل الألم محور سيرتها، رغم اعترافها بوجوده. فهي تدرك أن الحياة لا تخلو من الانكسارات، لكنها ترفض أن تمنحها سلطة تشكيل الهوية. ولهذا تعلن بوضوح أنها اختارت التركيز على الذكريات الجميلة، ليس إنكارا للوجع، وإنما إيمانا بأن الإنسان يستطيع أن يختار الزاوية التي ينظر منها إلى حياته.
وهذا الاختيار ليس موقفا عاطفيا فحسب، بل هو موقف فلسفي يقوم على إعادة ترتيب التجربة الإنسانية. فالألم لا يُمحى، لكنه لا يحتل المركز. إنه يتحول إلى فصل من الحكاية، لا إلى الحكاية كلها. وهذه الرؤية تذكرنا بما تذهب إليه مدارس العلاج بالسرد، التي ترى أن الإنسان لا يستطيع تغيير ماضيه، لكنه يستطيع تغيير الطريقة التي يرويه بها، فتتغير علاقته به.
ويتجلى هذا بوضوح في استحضار حادثة إصابة الأخ، حيث لا تتوقف الكاتبة عند تفاصيل الألم الجسدي، وإنما تجعل منها مناسبة للكشف عن قوة الروابط الأسرية، وعن قدرة المحبة على تحويل المحنة إلى درس في التضامن الإنساني. وهكذا ينتقل النص من وصف الحدث إلى استخلاص الحكمة، ومن الواقعة إلى الدلالة، ومن الجرح إلى الشفاء.
كما يلفت الانتباه حضور الحواس بوصفها مفاتيح للذاكرة. فالكاتبة لا تتذكر بعين العقل وحدها، بل تتذكر بالشم والسمع واللمس والذوق. فالروائح والأصوات والملامس ليست مجرد عناصر وصفية، وإنما وسائل لاستعادة الزمن. إن رائحة الخبز ليست خبزاً فقط، بل هي الأمومة والدفء والأمان، وصوت الجدة ليس صوتا فحسب، بل هو الامتداد الثقافي والحكمة الشعبية، وأصوات البحر ليست حركة ماء، وإنما رمز للحرية والانفتاح والحلم.
هذا الاشتغال على الحواس يجعل النص قريبا من الكتابة الفينومينولوجية التي ترى أن العالم لا يُدرك بالمفاهيم المجردة وحدها، بل بالتجربة الحسية المباشرة. فالذاكرة هنا ليست محفوظات عقلية، وإنما خبرة معاشة تستعيدها الحواس قبل الكلمات.
وعلى المستوى اللغوي، تتميز لطيفة تقني بلغة شفافة تجمع بين البساطة والعمق. فهي لا تلجأ إلى الزخرفة اللفظية، ولا إلى التعقيد البلاغي، وإنما تبني جمالها من صدق التجربة ومن الإيقاع الداخلي للجملة. ولذلك يشعر القارئ أنه لا يقرأ نصا مكتوبا بقدر ما يصغي إلى صوت إنساني صادق يحكي حياته دون ادعاء، ويمنح اللغة وظيفة الكشف لا الاستعراض.
وتكمن قوة هذا الأسلوب في قدرته على تحويل الخاص إلى عام. فما يبدو تجربة شخصية يتحول تدريجيا إلى تجربة إنسانية مشتركة، لأن كل قارئ يجد في هذه الذكريات شيئا من طفولته، وفي هذه التفاصيل شيئا من بيته الأول، وفي هذا الحنين شيئا من حنينه الشخصي.
ومن منظور نقدي، يمكن القول إن «أيام لم تغادرني» تنتمي إلى ما يمكن تسميته «السيرة التأملية» أو «السيرة الوجدانية»، حيث لا تكون الذات موضوعا للتمجيد، وإنما مجالا للتفكير، ولا يكون الماضي غاية في ذاته، وإنما وسيلة لفهم الحاضر. وهي بذلك تتجاوز النزعة التوثيقية إلى نزعة معرفية تجعل من السيرة وسيلة لاكتشاف الإنسان.
إن هذا العمل يطرح، في عمقه، سؤال الهوية: كيف تتكون الشخصية؟ وتأتي الإجابة واضحة؛ إن الإنسان لا يصنعه النجاح وحده، ولا الشهادات، ولا المناصب، بل تصنعه تلك التفاصيل الصغيرة التي ظلت تسكنه منذ طفولته. فالبيت الأول، وصوت الأم، وحكايات الجدة، ورائحة الأعياد، واللعب البريء، كلها عناصر لا تغادر الإنسان مهما ابتعد عنها زماناً ومكاناً.
ومن هنا يكتسب العنوان «أيام لم تغادرني» قيمة رمزية كبيرة، لأنه لا يحيل إلى مجرد استرجاع للماضي، بل إلى استمرارية تأثيره في الحاضر. فهذه الأيام لم تغادر الكاتبة لأنها أصبحت جزءاً من تكوينها الوجودي، ولأنها لا تزال تمدها بالقوة والطمأنينة والمعنى.
وفي المحصلة، تقدم لطيفة تقني عملا يزاوج بين السيرة والفلسفة والشعر، ويعيد الاعتبار للذاكرة بوصفها وعيا، وللطفولة بوصفها البنية العميقة للإنسان. إنه نص يبرهن أن أعظم الحكايات ليست تلك التي تمتلئ بالأحداث الصاخبة، وإنما تلك التي تعرف كيف تستخرج من أبسط التفاصيل أعمق المعاني، وتجعل من الذاكرة جسرا بين الإنسان ونفسه، وبين الماضي والمستقبل، وبين التجربة الفردية والحقيقة الإنسانية المشتركة.
وبذلك لا تغدو «أيام لم تغادرني» مجرد سيرة ذاتية، بل تصبح مشروعا فكريا وجماليا يؤكد أن الإنسان لا يعيش مرة واحدة؛ فهو يعيش حياته الأولى في الواقع، ثم يعيد اكتشافها في الكتابة، فتتحول الذكرى إلى معرفة، والحنين إلى وعي، والماضي إلى طاقة أخلاقية وجمالية تواصل تشكيل الحاضر، وتمنح المستقبل جذوره الأكثر رسوخا.
***
المصادر
أيام لم تغادرني (رواية السيرة)
للكاتبة لطيفة تقني




