آراءأدب

سلوك الأديب: بين المناظرة الفكرية وحقيقة الذات

محمد هارون عمر

هذا سؤال يُطرح كثيرًا من قبل القراء، ويمكن أن يُعرض أيضًا بشكل آخر: هل يؤمن الأديب بما يكتب؟ وهل يمكن فهم الأديب من خلال نصوصه؟ الأديب هنا يشمل القاص والمسرحي والشاعر والروائي وكاتب السيناريو.

كثيرًا ما يلجأ القراء في استقصاء واستقراء النصوص، وعجم عودها وسبر غور القيم الجمالية والمعرفية، واقتفاء أثر متعة النص ولذته التي تسحر وتخلب وتثير الإعجاب، وتجذب المشاعر والأحاسيس، وتملك اللب. بعض القراء يبحثون، يحللون، ويؤولون لإيجاد القواسم المشتركة بين الشخصية الأدبية والكاتب. في الحقيقة، الأدب هو تجسيد للواقع في صور مغتيرة، وغالبًا ما يعكس الواقع الاجتماعي مع محاولة إظهار جماله وقبحه، محاسنه ومساوئه، عفته وشهواته، حلمه وحماقته، بؤسه وثراءه، جهله وعلمه.

وقد ينقد الكاتب ويذم الغضب، الحسد، المسافحه، الابتذال، والمحسوبية، والتعصب القبلي، والرشوة، وغلاء المهور، والإسراف، والتبذير، وفي ذات الوقت قد يمدح الكرم، المروءة، الشهامة، الحلم، الإقدام، العلم، والوفاء بالوعد. يتكرر نفس السؤال: هل يمدح الكاتب هذه الفضائل ويذم الرذائل لقناعة مترسخة في وجدانه؟

قال الناقد الفرنسي رولان بارت إن الكاتب لا يكتب نفسه، وبالطبع، الكاتب كموهوب يعيش في المجتمع كناقد وكناقل بعين ثاقبة، نافذة، ويعرف قيمة القيم والمثل. قد تظهر هذه القيم في نصوصه ليُعتقد أنه كاتب ملتزم، وقد يكون الأمر خلاف ذلك، فقد يكون متذمتًا أو متزندقًا، ولكنه يخفي شطحاته كنوع من المواربة والمصانعة (تقية الشيعة). وقد يكون ملترمًا يؤمن بالفن للمجتمع وليس الفن للفن. وفي كل الحالات، النصوص لا تعكس أخلاق كاتبها، فقد ينافق ويصانع لتسويق نصوصه، والتي قد لا تناسب ذوق وثقافة وعقيدة القارئ.

قال الشاعر أمرؤ القيس:

“من لم يصانع في أمرٍ كثيرة
يُضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم”

لا توجد مماثلة بين شخصيات النصوص وكتابتها. فقد تكون الشخصية مخاتلة، مخادعة، ومسافحة تختلف عن سلوك الكاتب المنضبط. النصوص لها تقنياتها وسردياتها وصراعاتها بين الخير والشر، والباطل والحق، والأمانة والخيانة. الكاتب، بخياله وموهبته وثقافته، يمكن أن يبدع فنًا ملتزمًا إذا شاء، أو غير ملتزم إذا شاء.

وفي كل الحالات، يجب فصل النص عن كاتبه، كما قال رولان بارت في نظرية “موت المؤلف”، أي انتهاء العلاقة بين النص والمؤلف بعد وصوله إلى القراء أو المشاهدين. المهم هو القيمة الفنية والروحية للنص، وليس بالضرورة التغيير الاجتماعي أو الفلسفي. أما الأدب فمجاله وتخصصه هو التفسير؛ تفسير وعكس وتحليل القيم الجمالية والمعرفية. وهذا لن يتأتى إلا بإبداع نصوص تتجسد فيها الصدق الفني والعاطفي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق