ثقافة وفن

الجبل الشامخ

معاذ السراج

بدر الدين العتاق

وكانت تعجب الخال الدكتور المرحوم العميد / معاذ السراج؛ أشعار العرب القديمة وأحبهم إليه الشاعر زهير بن أبي سلمى (بضم السين المهملة)؛ وأكثر ما يعجبه في شعره معلقته التي مطلعها:

وأبيات الحكمة منها:

ومن يصانع في أمور كثيرة * يوطأ بأظفار ويضرس بمنسم

في كلية النصر التقنية – حرسها الله- قبل خمس وعشرين سنة (١٩٩٥ م)؛ كنا ننظم العمل الإعلامي بها وكل المناشط الثقافية والاجتماعية والسياسية؛ وكان لا بد من إشراك الإدارة فيها فكان يمثلها العميد / معاذ السراج؛ فيأتي متألقاً أنيقاً مهابا مهولا؛ ويقرأ من ورقات فلسكاب يمسكهن في يده؛ وأول ما يبدأ به بعد أن يحمد الله ويثني على نبيه صلى الله عليه وسلم؛ يقول: قال زهير؛ وينشد:

ومن يجعل المعروف في غير أهله * يكن حمده ذما عليه ويندم

الملفت للنظر هنا أنه عندما يتكلم أمام الطلبة في الجامعة يشترط على أن أكون في مقدمة الصفوف الأولى ولا بد أن أتابعه ووالله إني لأذكر نظراته لي حتى اليوم فبين كل فقرة والثانية تراه يرقب انفعالاتي مع ما يقرأ ولا تخلو عيناه من حنين ودفء وتأمل مما يشدني له بأكثر من طريقة؛ وبعد انتهاء المنشط لا بد من التعليق على الحدث وإن تعذر الأمر ولم ألتقيه يحضر إلينا بمنزلنا ببيت المال ويسأل عن رأي في كلمته وفحواها برفق وصوت هادئ وقوي وإجابتي إيجابية بكل تأكيد. (يا رباب … ولدك ده بكاااااااش

دي العاجباني فيه ” ويبتسم ضاحكاً ” رحمه الله) ومما يعجبه أيضاً لقب (ابن جبل) تيمناً بالصحابي الجليل سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ ويقول : ( أنا الجبل ) يريد بذلك الشموخ والكبرياء والإباء ؛ ويسرد عن ماضية العصامي كيف بدأ حياته العملية بشراء حصان وعربة لنقل البضائع والأغراض بالاشتراك مع شقيقته / سعاد حسن السراج – رحمهما الله – وكيف كان يقفز على ظهر الفرس من أعلى الجدار ويقول مخاطباً الفرس : أنا الجبل ! .

أنشأت مدرسة النصر في بداية الخمسينيات أو سنة: ١٩٥٢م – ١٩٥٧ م؛ إن لم تخني الذاكرة ورأيت حجر أساسها عنده؛ وهو فخور بتطور المدرسة إلى مدارس النصر ثم كلية جامعية ثم جامعة مكتملة الأركان؛ وكان يقود سيارته المرسيدس (الماخمج) كأحسن ما تكون القيادة؛ ويحضر إلى الكلية بمواعيد ثابتة حتى يمكنك أن تضبط ساعتك على موعد وصوله بلا حرج.

أذكر بعدما غير السيارة للمرسيدس ذهبت للوالدة – رحمها الله – وأخبرتها الخبر وقلت لها بالحرف الواحد: (أخوك الليلة سايق ليه عربية … ما بقدر أقول عليها غير أنها سمحة) وتضحك إعجاباً له وبي وبها.

بكل ثقة يمكنني أن أقول بأني صديق للخيلان الثلاثة : معاذ السراج والهادي السراج ومجتبى السراج ؛ أكثر من كوني ابن أخت لهم ؛ ولهذه الصداقة حدود بلا شك أهمها اللياقة والأدب والحب والاحترام ؛ وكنت أشعر بعمق هذه العلاقة والثقة الممنوحة لي منهم وغالباً ما تكون المداعبة في المواضيع العامة والنقاشات الجادة المفيدة كأن يسألك معاذ السراج عن الآية الكريمة : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) سورة المائدة ؛ أو يسألك الهادي السراج عن الآية الكريمة : ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعباً ) سورة الكهف ؛ أو يسألك مجتبى السراج عن الآية الكريمة : ( أم يقولون تقوله !!  بل لا يؤمنون) سورة الطور؛ وإذا أردت أن تثير الجدل والحماس والإثارة والتشويق الرائع العميق المعبر فلك أن تنتصر في النقاش أو تخطأ في نظرية علمية أو عملية رياضية (مجتبى / مثلاً) أو بيت شعر أو شاعر أو مأثرة قديمة السنخ جاهلية الطابع فعليك بالهادي السراج؛ وكذلك الحال بالنسبة لمعاذ أن تكون غبيا ولو للحظة واحدة فقط فأنت مغضوب عليك لا محالة، من الجميع.

مما يثير الاهتمام لمثل تلك النقاشات وهي كثيرة ومثيرة للغاية أن تجعلك تبحث عن تلكم المعلومات وتلكم المواقف والحكايات والقصص والبطولات فتزيد من الهمة والنشاط الفكري لك علما بأن لأسلوب الحوار وملكة الصوت وقوة الطرح وطريقة الإلقاء المميز له دوره المباشر في شحذ الهمم العالية والفكر لكل المجالات.

نال معالي السيد / معاذ حسن عبد المجيد السراج (١٩٢٤ م – ٢٠١٦ م / تقريباً)؛ درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة الأحفاد بأمدرمان سنة: ١٩٩٨ م تقريباً هو ومعالي السيد الأستاذ الكبير / فراج الطيب السراج (١٩٣٢ م – ١٩٩٨ م)؛ في ذات الوقت.

د. معاذ السراج؛ نال إجازة القانون بعد سن الأربعين عاماً وكان فخورا بذلك جداً وأنه لم يترك دراسته رغم الظروف المحيطة به والمسؤولية من كل جانب؛ هذا أيضاً من الدوافع الحقيقية للتحصيل المستمر في كل مناحي الحياة.

أنا لم أقل مما كان بيني وبينه (وبيني وبينهم) طيلة حياته وأقلها مباشرة تلك السنوات التي قضيتها في الكلية (أربعة سنوات دراسية إذ تم تجميد عام دراسي كامل سنة: ١٩٩٧ م) وأذكر تماماً عندما حاول الإخوان بالحركة الإسلامية السودانية أن يحرقوا الإدارة والكلية بما فيها ولي أن أخبر الخال الدكتور / معاذ السراج؛ عميد الكلية فهم يعرفون صلة القرابة بيننا ويعرف الخال (معاذ) انتمائي للإسلاميين آنذاك ودوري الكبير في الكلية؛ فأخبرته الخبر وقال لي: إنت متأكد من كلامك ده ؟ فقلت له: نعم بلا شك! فقال لي: قول الكلام ده لطاهر؛ وأخبرته بما جرى بمكاتب الإتحاد من نية (الكيزان) الإسلاميين حال لم تستجب الإدارة لمطالبهم المتمثلة في استحقاقات الطلبة؛ فشكراني على ذلك؛ ولم تمض ليلة على ذلك الحوار حتى حرق الإسلاميون مكاتب الإدارة؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد. وبهذه المناسبة إن الصرح التعليمي العملاق الذي أرسى دعائمه / معاذ السراج ؛ لا يقل عن الدور الذي قام به الأستاذ الكبير/ بابكر بدري ؛ هذا في تقديري أن السراج دوره في التعليم بكل مراحله ومستوياته أكبر بكثير جداً من دور المربي القدير / بابكر بدري ؛ دون مغالة ودون إنقاص من قدر الأخير ؛ فإن بدري – رحمه الله – لم يطل به المقام في الحياة الدنيا ليطور من شأن مؤسسته التعليمية كما بقى المربي الفاضل / السراج ؛ إذ طور منها وجعلها نقطة في مسيرة التنمية المستدامة للتعليم لا يمكن تجاوزها بشكل من الأشكال ؛ وعسى أن نرجع إليها تارة أخرى . ليس من الخير أن أختم كلمتي هذه عن العميد/ معاذ السراج ؛ ودورة في إرساء دعائم التعليم العالي والبحث العلمي والتعليم بكل مستوياته في السودان وخارجه دون أن نذكر أبناءه الإخوة الميامين : عباده وياسر والطاهر  ؛ فقد  واصلوا المسيرة بكل جد واجتهاد وكفاح لا ينكره إلا مكابر أو جاهل وهذا الأمر ليس بالهين ولا باليسير فإنما يحتاج إلى دربة وإرادة وعزيمة وشكيمة وهم أهل لها بلا ريب كيف لا وهم من نسل ذلك النبت المحيا الطيب الطبن الزكن عترة آل البيت وذرية سراج الدين وسراج العلم السراج الكبير ؛ فجزاهم الله خير الجزاء وجعلها في ميزان حسناتهم أجمعين .

ورحم الله الخال الجميل الرائع الإنسان الكريم الدكتور / معاذ السراج؛ الجبل الأصم الأشم الهمام العصامي؛ رحمة واسعة وجعله في الصالحين وغفر له وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

وما كان فقده فقد واحد * إنما بنيان قوم قد تهدما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق