سياسة

الوجه الآخر لكورونا

آمل ألا نتعلم من (كورونا) كيف نغسل أيدينا فقط!

عماد الخالدي

أتساءل بكل الحيرة، كيف يمكن لبعض الناس غسل أيديهم بالماء والصابون بانتظام مع عدم وجودهما إلا ما ند، وكيف يمكن لهؤلاء تطبيق التباعد الاجتماعي في حال كان المكان الذي يأويهم هو مخيم للاجئين أو حي فقير يفتقر لأقل سبل العيش العادية؟

وكيف يفترض بفئة ليست بالقليلة بالتوقف عن عبور الحدود لهربهم من الحروب الدائرة في بلدانهم؟ وكيف يمكن لمن لديهم أمراض صحية مزمنة بأخذ الاحتياطات اللازمة إذا لم يتمكنوا من الحصول على العلاجات التي يحتاجونها لمواجهة مد الكورولا والذي حتى اللحظة لا تواجد بوادر لجزر يلوح في الأفق في اجتياحه لغالبية دول العالم.

حالة التأثر بجانحة (كوفيد19) تزداد مع كل لحظة، وقد يشعر البعض بذلك أكثر من غيرهم في ظل الزيادة المرعبة كل يوم تبعا لزيادة الانتشار في العديد من الدول.

ولكن ما اود أن ألفت الانتباه إليه هو عدم المساواة الموجودة في أنظمتنا الصحية.وسيتوضح بشكل أكبر الاستبعاد المثير للقلق بحق كثير من المجموعات من الحصول على الرعاية المطلوبة لمواجهة الفيروس بالطرق الصحيحة، وذلك إما بسبب وضعها القانوني المتمثل في شرعية اللا إقامة أو بسبب عوامل مرتبطة بكيان الدولة نفسها في معالجة مثل هذه الملفات الشائكة بحكم ارتباطها السياسي بكثير من التفاصيل التي لا تعترف بالأوضاع الإنسانية وحجم المأساة التي تمر بها تلك المجموعات.

ومن المثير للدهشة أنه سوف تتكشف حقيقة نقص الاستثمار في مجال الرعاية الصحية العامة والمجانية والتي هي من حق الجميع، وهذا يقودنا إلى استنتاج مفاده أن الحصول على رعاية صحية جيدة معتمد على القوى المادية والشرائية وليس الحاجة الطبية.

وما لا شك فيه سيتضح فشل الحكومات وليس فقط من جانب الخدمات الصحية ولكن أيضا في التخطيط المهني والخدمات التي من المفترض أن تلبي احتياجات الجميع، وستنكشف نقاط الضعف التي يعاني منها جسم الدولة وبالتالي تهدد حياة المواطن والإنسان بالدرجة الأولى بعيدا عن شرعية وجوده المتعلقة بالحرب والنزوح إضافة للحروب والفقر.

وفي الحقيقة جل من سيعانون هم الذين تم إهمالهم بالفعل سواء بسبب سوء الإدارة المسبق أو بسبب تدابير التقشف التي سوف تتخذ للحفاظ على كيان الدولة من الانزلاق إلى منحدرات أكثر التواء، وكذلك الذين فروا بسبب الحروب في بلدانهم هم ليسوا بمنأى عمن تم إهمالهم، فهم أيضا لا يستطيعون الحصول على علاج لأمراضهم التي هي لديهم بالأصل من قبل وذلك كله بسبب الرعاية الصحية الخصخصة، وإضافة لهؤلاء سيكون من ليس لديه القدرة على تخزين الطعام لأنهم لا يستطيعون فعليا الحصول على وجبات غذائية دورية كافية خلال الأسبوع، وأيضا لا يمكننا أن نستثني أولئك الذين يعانون من نقص في الأجور إضافة للعمل الشاق وكذلك الحرمان من الإجازات المرضية في كثير من الأحيان، وغير القادرين على العمل من المنزل، وفي الإطار ذاته لا يمكن تجاهل المحاصرين في مناطق النزاع و تحت القصف.

ويبقى السؤال:

كيف من المفترض معالجة المرضى مع عدم توفر المواد المحتاج إليها للوقف في وجه المرض؟

إذا أمعنا النظر فيما يحدث فسنجد أن الكثير من الأنظمة الصحية التي استعدت وتستعد لمواجهة (كوفيد19) قد وصلت لمرحلة الانهيار لأسباب منها الحرب وسوء الإدارة السياسية بالإضافة إلى سوء التخطيط ونقص الموارد والفساد والتقشف والعقوبات وما إلى ذلك.

من المنطق لما نراه القول، إنهم بالكاد يملكون القدرة على تحمل أعباء المرضى الاعتيادية.

ومن خلال تحليل ما يحدث اليوم سوف نستوضح ونستشعر مدى الإقصاء الاجتماعي من خلال القرارات السياسية، وانخفاض مستوى الحصول على الرعاية الصحية المجانية، وكذلك نمو عدم المساواة بين الناس في المجتمع الواحد.

مثل هذه السياسات هي العدو الأول للنظام الصحي، وبرغم ذلك لا يزال هناك قرارات يمكن اتخاذها الآن والتي من شأنها تخفيف الكارثة الوشيكة التي من الممكن أن تواجهها كثير من المجتمعات في الوقت الحالي.

وبداية هذا القرارات يكون بإخلاء المخيمات المكتظة في الجزر اليونانية، وهذا لا يعني بالضرورة إعادة الناس إلى سوريا وهم نسبة كبيرة حيث لا تزال رحى الحرب مشتعلة هناك، وإنما يعني ذلك إيجاد السبل الكفيلة بدمج الناس في المجتمعات بحيث يكونوا قادرين على ممارسة تدابير السلامة الصحية المتمثلة بالتباعد الاجتماعي والعزل الذاتي.

بالإضافة إلى ما ذكرناه يجب البدء بإيصال الإمدادات اللازمة عبر الحدود تبعا للحاجة الأكبر بين التجمعات، ويجب على الدول الاوربية زيادة المشاركة بفعالية أكبر لإيطاليا الدولة الأكثر تضررا من الفيروس، ويتوجب أيضا أن تمتد المساعدات إلى أي مناطق أخرى قد تتضرر من الجانحة وإلى المناطق المنخفضة التأقلم لمجابهة الفيروس.

وحتى نكون منصفين لا يجب أن ننسى الأماكن التي تعاني في أفريقيا من تردي الأوضاع الصحية بسبب الحروب وكذلك الفقر المدقع، والتي من الممكن أن تهدد حياتهم ويكون (كورونا) تهديد آخر لبقائهم لطالما حمل الماضي بين طياته الكثير من الفجائع في طياته لأفريقيا.

إنسانيا نحن مسؤولون عن بضنا ولا يسعنا أن نخذل كل تلك المجتمعات التي تعاني اليوم والاكتفاء بمشاهدة ما يحدث.

هذه الجانحة جل ما أظهرته لنا هي حقيقة ضعفنا الاجتماعي وعدم قدرتنا على بناء جسور يمكنها أن تحد من الأخطار التي تداعت على كل الأمم، أظهرت مدى قوة العجز المتفشي فينا اليوم وكذلك تخلخل شعورنا بالأمان برغم كل التطور والإمكانيات الهائلة التي وصلنا إليها علميا وتكنولوجيا.

ولا ننسى في هذا السياق الشكوك التي ولدت في داخلنا حول المستقبل وهذا القلق وتلك المخاوف التي يشعر بها جزء كبير من المجتمعات في مختلف بقاع العالم تم تهميشهم وإهمالهم، ودعوني أقول حتى أنه تم استهدافهم من قبل من هم في مواقع السلطة ليكونوا وقودا لمآرب لا تنتمي لحقيقة أننا يجب أن نتحلى جميعا بمسؤوليتنا تجاه بعضنا البعض.

آمل ألا نتعلم فقط من (كورونا) فقط كيف نغسل أيدينا، بل أيضا أن تدرك الحكومات أن الرعاية الصحية هي حق وواجب للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق