
قصه من الواقع (الحلقة الاولى)
د. اسماعيل محمد النجار
جولة تعزمن المناطق الحيوية في العاصمة صنعاء و عقارها من أغلى العقارات للبيع و الشراء أو الإيجار لشهرتها بكثافة نشاطها السكاني والتجاري والخدمي ، تكتظ فيها المنشئات وحركة السيارات ويغلب عليها تجارة المواطير (المولدات الكهربائية )التي تمتد من المحلات للأرصفة والشوارع و تعيق حركة السيارات والأفراد و تمتاز بحركة غير عادية للسيارات الخاصة والأجرة و تلبي حاجيات الخدمات الطبية سواء التشخيصية أو العلاجية وكذلك الخدمات الفندقية لتواجد مجموعة كبيرة من الفنادق والمطاعم والبوفيات والمحلات التجارية الأخرى لتشكل ازدحام حركة المرور للمشاة والسيارات ومن هنا تبنت بلدية أمانة العاصمة عمل مجموعة من الجسور والانفاق لحل مشكلة الازدحام وتسهيل حركة المرور للمشاة والسيارات ومع ذلك لم تحل مشكلة صعوبة الحركة في الجولة وظلت الحركة في الجسور والأنفاق خفيفة إن لم تكن معدومة ليقطنها المتشردون والمجانين وأصحاب الحالات النفسية ومكانا لتجميع القمامة و مرتعا للطلاب الهاربين من المدارس الذين لا تتجاوز أعمارهم العاشرة لسبب عدم كفاءة إدارة المدارس أو غياب المدرسين ، ومركز الدكتور النجار لطب الأسنان يقابل أحد الجسور ومن خلال نوافذه يتم مشاهدة الطلاب يلعبون كرة القدم اويدخنون السجاير ويلاحظ تواجد احد المجانين المثير للاهتمام يجوب الجسر من طرفه لطرفه خلال فترة النهار و يسكن احد الأنفاق ليلا و بعض أوقات العصر ويطلق عليه أصحاب المحلات ومرتادوا الجولة من المشاة اسم أبزق (أبصق) و شكله طويل الجسم عريض المنكبين رأسه كبير وعنقه طويل ويغير تقاسيم وجهه من وقت إلى أخر حسب المواقف التي يتصدرها , يلبس إزرة أو فوطة ( ملبس شعبي يلبس في المحافظات الجنوبية والشرقية ) شعره كثيف وطويل وملتف حول بعضه ومملوء بالأوساخ صوته ممتلئ و كأنه مذيع للأخبار أو مقدم برامج ومن ينتبه إليه أو يراقبه لا يجده مجنون عادي ويكتشف أنه شخص يمتلك مخزونا هائلا من الثقافة و الأدب وجنانه نوع من الدلاز(الجنون المزاجي ) يعاوده الجنان بين الوقت والآخر ،ليكون شديد الجنون في بعض الأوقات والأخرى يتمتع بدرجة عالية من التركيز والذكاء الغير عادي إذا ارتاح إليك يحدثك عن وضعه كنتاج سيء لوضع البلاد من الناحية الاقتصادية والاجتماعية التي أوصلته و غيره لهذه المرحلة وعند سؤاله عن موطنه ومن هو؟ يتهرب عن الإجابة وعند الإلحاح عليه يرد مالك ومال اسمي و بلادي و لماذا تحقق معي عندك شيء تقدمه لي وإلا أغرب عن وجهي , وسمي أبزق حين تأتيه نوبة الجنون يصرخ أبزق ثم يبزق ثلاث مرات على الأرض و يقرأ على بصاقه الحظ أو قراءة البخت (ويشابه قارئي الفنجان) يتحدث عن سقوط الزعماء والدجالين واعدا بعض من توقع لهم الحظ أو البخت بأيام حمراء تزيلهم وآثار أعمالهم ليخلص العروبة والإسلام من شرورهم ويتحقق بعض ما ذكره , و يُسمع صوته للمحلات والمارة في الشوارع ولا يهدئ ويعود لعقله إلا عندما يخزن ومن أمتع الأوقات انتظاره للطلاب على الجسر ليلعبوا كرة القدم أو يتناولون السيجار مع الشاي أو القات وأول ما يصلون ينادونه وبشكل جماعي أبزق ويبصقون على الأرض كما يفعل ليشعر بسعادة ويكون قد جهز بعض الأحجار لعمل علامات الاجوال ليلعبوا كرة القدم ويشكل الفريقين ويتولى دور الحكم ومن خلال حكمه و تفاعله مع لعب الكرة يدلل أنه رياضي سابق, أما البعض الآخر من الطلاب فيقدم لهم السيجارة والقات المحتفظ به من اليوم الأول أو مع الشاي وعندما يتشاجرون يصرخ أبزق ويتدخل لطرد المخطئ وحرمانه من اللعب .
عادة ما تكون عيادات المركز للفترة الصباحية مطلة نوافذها واتجاه المرضى على الجسر وعندما يوضعون في حالة انتظار للتخدير أو غيره يشاهدون ما يجري على الجسر من حركة الطلاب الذين يلعبون أو يشكلون حلقات ويتناولون القات ليعطوا تصورهم للممرضات عما يحدث , وفي احدى المرات عدت للتحضير للتركيب السني للمريض ووجدت المريض في حالة ضحك عميق ومتواصل كنت في حالة تعجب واستغراب وسألته ليشير بإصبعه على الطلاب وعند مشاهدتي وجدت أربعة من الطلاب أعمارهم لا تتعدى التاسعة أو العاشرة يحملون بأيديهم مسدسات ألعاب ويشهرونها على المارة والسيارات تحت الجسر ويقومون بفتح السستات ( سحابات البنطلونات) ويتبولون على المارة أو السيارات وعندما ينظر إليهم المارة أو الواقفون يوجه الطلاب المسدسات نحوهم وكأنها مسدسات مائية ، ليتغاضى البعض ويواصل مسيره والبعض يشتم ملابسه وآخرون يشمون بعضهم خاصة إذا وقع البول على الملابس أو شعر الرأس واذا اشتموا رائحه البول يلتقطوا الأحجار و يرموها على الطلاب ثم يهرولون باتجاه بداية الجسر ويصعدوا للقبض على الأولاد و يخاف الأولاد ويحاولون الهرب ويصرخ أبزق خليكم في مكانكم وسأتولى أمرهم ويضحكون بصوت مرتفع و في غاية السعادة لما أقدموا عليه وعند وصول المتضررون لبداية الجسر يخرج أبزق ساطور أو سكين كبيرة (يستخدمها الجزارون) ليصرخ بصوت مجلجل رافعا الساطور ومتجها نحوهم قائلا : إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان الأوان لقطافها وإني والله لقاطفها مهددا كل من يتعدى الجسر للإضرار بالأولاد بقطع رأسه وينتظر الأولاد نهاية المعركة بين أبزق والمهاجمين ليقرروا البقاء أو الهروب وبين الفترة والأخرى ينظرون لبعض ويتذكرون ما أقدموا عليه ويضحكون رافعين أصواتهم وقائلين : اهجم عليهم يا أبزق دمرهم اقطع رؤوسهم ، وما أن يرى المهاجمون أبزق في حالة توتر رافعا ومحركا الساطور في كل الاتجاهات ومقتربا منهم يهربوا ويطمئن الأولاد ويلقي عليهم بعض الأبيات من الشعر ابتهاجا بالنصر طالبا منهم حفظه وترديده على مسامعه بصوت مرتفع ، ليشكر الأولاد العم أبزق على مساعدته ويعود كل واحد منهم إلى بيته تحت حراسة العم أبزق ، عادة ما يردد الأولاد أبيات العم أبزق في بيوتهم وفصولهم الدراسية و عند لقائهم أو تجمعهم في ساحة المدرسة بشكل جماعي أشبه بفرقة إنشاد ويستغرب كل من سمع هذه الأبيات خاصة من له اهتمامات ثقافية أو أدبية و يسألوهم من أين جئتم بهذه الأبيات واصفينها بالأبيات الشعرية الغنائية الجميلة و يردوا عليهم إنها للعم أبزق و يتأكدوا ليعيدوا السؤال ثانية وثالثة و يجيبوا للعم أبزق ، ليسألوهم عنه و يذكر الأولاد قصة العم أبزق .
ليس هناك في جولة تعز والشوارع المؤدية إليها من المشاة والسيارات العابرة والمتكررة والساكنين من لا يعرف العم أبزق والكثير يتوقفون أمامه أو جواره لرؤيته يردد أبزق و يقرأ الفنجان على بصاقه وقد يجلسون إلى جواره و يستمتعوا بشعره المتناغم مع تعابير وجهه وحركة يده اليسرى وطريقة الإلقاء وصوته الجهوري والبعض من المثقفين يطلبون تكرار الأبيات و يحفظوها أو يتم تسجيلها في هواتفهم ومن خلال شعر أبزق وحديثه أثناء قراءة الحظ على بصاقه تشعر انه يحمل خليط من الثقافة الفلسفية ( لماركس ، انجلز ، جمال عبد الناصر ، ميشيل عفلق ، حسن البناء ) ولكثير من الفلاسفة اليونانيين القدماء ( أفلاطون ، سقراط ، طاليس ) ويتحدث عن تجاربهم الإنسانية و أخطائهم ، وعندما تأتيه الهواجس الأدبية من شعر أو نثر يطلب من الذين حوله الانصراف و يخرج دفاتره وأقلامه من أحد معاطفه الصوفية القديمة والمتسخة و يكتب عن معاناة اللحظة وكثير ما يركز في شعره ونثره على ظلم البشر للإنسان المتشرد أو المجنون أو أصحاب الحالات النفسية ، وبالذات ظلم الأقارب عندما يتخلون عنهم , وكذلك من يدعون قربهم من الله ورسوله , في الأغلب يقتات أبزق في طعامه على القمامة التي تخرج من محلات أو مساكن التجار أو كبار الأغنياء لتحت الجسر أو من بقايا طعام البوفيات وعندما يشح الطعام يطرد بعض المتشردين أو أصحاب الحالات النفسية من الجولة و عند مجيء مجنون أو متشرد أو مريض نفسي للجولة ينافسه في رزقه من القمامة أو من بقايا زبائن البوفيات يصرخ صرخته المعتادة أبزق (أبصق) ويزفر زفيرا ويتجه نحوه و يضربه ضربا شديدا يعاونه في بعض الأوقات المتشردون و أصحاب الحالات النفسية وإذا لم يقوموا بذلك عند الطلب يعاقبهم بمنعهم من الأكل ، في إحدى المرات دخل على الجولة أحد المجانين العنيفين ويدعى حكوك ( لأنه يعاني من حالة حساسية ويقضي معظم أوقاته يحك جلده ويزمجر بأصوات غريبة ) ورقد في فراشه وعبث بالمحتويات ليبحث عنه احد المتشردين و يخبره و حضر و جن فوق جنونه عندما رأى المجنون راقدا في فراشه و وجد المجنون حكوك قويا و شديد البأس نادى و بصوت مرتفع أصحابه من المتشردين و أصحاب الحالات النفسية و هجموا على المجنون الغريب دفعة واحدة ليردد أبزق أثناء ضربه : الجولة لا تتحمل أكثر من مجنون يا شقي ، قاوم المجنون الدخيل بقوة ولفترة طويلة ليضطر أمام هجوم أبزق ومعاونيه وصراخه الذي يملئ الجولة لينسحب هاربا وما هي إلا ساعة حتى يأتي صديق أبزق حسن صندقة و يمتلك كشك أو صندقة من الزنك خلف الجولة ليطلق عليه حسن صندقة وهو طالب في سنة ثالثة أدب عربي ويعرف أبزق تماما و يعطف عليه وقت الحاجة بتقديم الطعام او الشراب والقات والسيجارة ويستمتع بعض الأوقات بشعره ونثره ويستعين به لشرح واجباته أو محاضراته في الكلية , و قدم له بعض الحلويات والشاي والسيجارة استعدادا لأخذه إلى عمارة قريبة من الجولة دخلها المجنون حكوك هاربا من أبزق وأصحابه و فتح باب السطح الغير مقفل ويقفله من الخارج ليتدلى بأرجله على الحرف و يصرخ ويهدد بالانتحار شاكيا من ضرب أبزق له ومنعه من النوم في فراشه ، وتجمع الناس أمام العمارة و صعد بعضهم سلم العمارة ووجدوا باب السطح مقفل حاولوا فتح الباب دون جدوى و دقوا الباب بشكل قوي وكل ما سمع حكوك محاولة الفتح أو دق الباب يزيد من تدليه على الهاوية واتصل المحتشدون في الخارج تلفونيا للمحاولين دق الباب أو نزعه للتوقف حتى لا يقفز ، وكان أبزق ينظر إليه ويضحك ويردد انتحرت أو عشت لا يفرق معهم يا شقي ولا يؤثر في مجرى الحياة فأنت مجنون لا تزن إلا السوء في هذا المجتمع.
الى اللقاء غدا في الحلقة الثانية




