ثقافة وفن

عبد العزيز كوكاس

عبد الرحيم سليلي – المغرب –

مذ قرأت «عرس الزين»، و»موسم الهجرة إلى الشمال» و»دومة ود حامد»، و»مريود» وأنا مغرم بكل ما هو سوداني: الشعب الودود، والنيلان الهادران بالحياة والجمال والقداسة، والساردون الكبار: الطيب صالح، أمير تاج السر، حمور زيادة وآخرون… وانضافت إلى قائمة غرامياتي السودانية، بعدها بسنوات، أكثر جوائز الأرض صدقية وحرصا على تكريم الإبداع الحر الناطق بهموم الإنسان الكوني وأحلامه: «جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي».

حقا، أنا مغرم بأرض الصمغ العربي، والمراعي المفتوحة، والمدن التي تغسل سيقانها النحيلة في مياه النيل وتركض مبتعدة عن الضفاف؛ لتلحق الحياة الجديدة دون أن تفقد خصلة من خصال البداوة الطافحة بالكرم والنباهة والإخلاص للانتماء.

في لقاء عابر مع صديق سبق أن اشتغل في مقاولة مغربية عاملة بالسودان، سألته عن البلد. ارتجل الرجل على وجهه بسمة رضا عريضة تشي بما تختزنه أعماقه من حب وامتنان للأرض المقتطعة من الجنة ولأهلها الطيبين، وأجابني بثقة: «إذا سقطت منك بذرة في الخلاء فعد بعد شهرين، لأنك ستأكل بطيخا لا محالة»! لما رأى صاحبي الذهول يتمكن مني، أضاف: «أرض كريمة معطاء لشعب دينه الكرم، وقانونه المروءة، وديدنه تعاطي السياسة»! داعب هذا الوصف الباذخ أحلامي، فاستعدت أجواء عرس الزين والأرض التي تفيض خيرا ومحبة وتساكنا بين الناس، استعدت الأجواء الساحرة التي خلقها حمور زيادة في معلقته السردية الخالدة «شوق الدرويش» التي قدمت عالما مليئا بالسحر رغم أنه كان يحترق ساعة تسريده. وكان أجمل ما راود وعيي لحظتها النبرة الودود للأستاذ مجذوب عيدروس الأمين العام لجائزة الطيب صالح وهو يخاطبني بتحفظ؛ كأنه يخشى علي من ذعر مخاطبة الكبار. ويستمر مسلسل سودانياتي باليد البيضاء التي مدها لي الناشر المكافح والمجتهد الدكتور محمد مصطفى بدوي؛ فقد كان منبره الفاعل «المدائن بوست» الصادر بألمانيا أول منشور عربي يقدم دراسة وافية عن مجموعتي الفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي 2019. وبعد انصرام سنوات عن هذه الواقعة، أرسلت له المجموعة رغبة في طبعة جديدة تفتح أفقا آخر للتواصل على أمل أن يجيبني، مثل جميع ناشري العربية، بعد شهرين أو ثلاثة  رفضا أو قبولا، لكن الرجل فاجأني بإرسال غلاف المجموعة بعد أقل من أسبوع، وبعد أسبوع آخر رأيت مجموعتي في غلافها الوثير وهي تحتل حيزا جميلا في رواق الدار بمعرض الدوحة؛ فأحيا  هذا المشهد في صدري رغبة لا تتبدد في الكتابة عن الحالة السودانية، وإن كنت هذه المرة لن أكتب بمداد الفرح؛ فبلد العروبة يوشك أن يحترق في أتون حرب أهلية أشعلتها ثلة من أبنائه الذين جردتهم العقيدة العسكرية من فضيلة الانتماء لأرض العطاء والتسامح وسمو الفكرة. نعم بلد التعايش والعروبة يحترق، وسلة طعام إفريقيا والعرب يوشك أهلها أن يتضوروا جوعا لأن الحرب اللعينة أطفأت وهج الحقول.

دوت المدافع، وحلقت الطائرات لتقتنص خيرات البلد وعناوين فرادته؛ فأسقطت ما تبقى من مدنية لم يسمح لها صراع الكيزان والجنجويد وجسارة الأيادي السرية التي تضغط الأزرار بأن تغسل سيقانها من وحول البداوة، وأسقطت معها رؤوس الأبرياء، وأبراج الضوء المتاحة، وبينها الرأس الشامخ لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي التي أضافت إلى فصول السنة العربية فصلا خامسا لقراءة السرود الجميلة القادمة من مختلف بقاع المعمور، السرود التي تحكي عن عرب غامروا، وعرب تشردوا في مدن العالم الجديد القصية، لكن وهج الضاد لم يخفت في سرائرهم المضيئة.

لا يمكن للمثقف أينما كان إلا أن يغرق في لجة الأسف وهو يرى عاما يمر من تاريخ السودان، والأمة العربية، والكون، وقارة الأدب بدون جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، الجائزة التي خطت لنفسها مسارا مختلفا ووضعت لها أفقا بألوان مغايرة؛ فلم تكن أبدا مجرد موعد ثقافي سنوي تجتمع فيه النخبة لأخذ صورة تذكارية على ضفاف النيل، بل كرست نفسها لتكون في كل دورة عاما ثقافيا حافلا بالإبداع وقراءته وتكريم رموزه. يمر عام ونيف دون أن تعلن الجائزة عن فعالياتها المضيئة التي تمنح للموسم الثقافي العربي والسوداني أكثر من فاكهة في الغصن الواحد، ودون أن تنعقد لجان فرزها التي تعطي درسا في الحيادية والالتزام تجاه الأدب وتحكيم المكتوب بدل الكاتب وسمعته وانتمائه. والأدهى والأمر هو أن يضيع تراثها الضخم، وتطاله يد النسيان، إن لم نقل إن أصابع الحرب الجبانة توشك أن تتجاسر لتعيث دمارا في رصيد مؤسسة الجائزة؛ فتنضاف خسارة من العيار الثقيل إلى سجل خسارات العربية، خسارة تستدعي من صفارات الإنذار الثقافي أن تظل شغالة إلى غاية عودة شمس الطيب صالح للشروق.

قبل أيام معدودة، تابعت حديثا صريحا من باريس للروائي الجميل بركة ساكن يتحدث فيه عن المشهد الحزين لبلد النهرين والحضارتين، وسلة طعام العالم التي حرمتها الأيادي التي تصر على العمل خارج سلطة العقل من نعمة الامتلاء، تكلم بركة ساكن وتكلم الكثيرون من أبناء السودان، تكلم المحبون لأرض الأهرام المتطاولة في ذاكرة النسيان. وأظن أن الكلام لن يتوقف لأن حرقة القلوب تجعل الحناجر تحتد في النداء، غير أن ما ينبغي التأكيد عليه أن السودان يحتاج لعيون ترى وأذان تسمع: عيون ترى ملاحم الجمال والسمو التي صنعتها العقلية السودانية المنحازة لأصالة الفكرة ورجاحة الرأي وسمو المعنى، والأذان التي تسمع نداء العقل قبل حلول الكارثة التي يبدو أنها تقترب من البلد، وفي اقترابها منه خسارة كل العرب لنخوة عروبتهم وأمنهم الغذائي وثقتهم في منظومتهم الروحية التي ألهمت العالمين قرونا.

وإلى أن يسمع حاملوا السلاح وصناع الحرب نداء الهدنة والتسامح، أترك لهذا المقطع الشعري الذي نشرته شتاء 2010 أن يختزل تساؤلاتي في انتظار جواب يكون محتواه إنقاذ الأرض والناس وفكرة الوطن الواحد المهدد بمزيد من التفكيك:

يا نِيلُ

ما بالُ القَبائِلِ حَوْلَ رقبتك البليلَةِ

كُلمَا تهْتَ استكانَتْ؟

كلما عبَرَتْ خُرَافَتُكَ الجَلِيلَةُ ليْلَهَا

خفَّ الجنُودُ إِلَى قِتَالْ؟

يا نيلُ

خُذْ أفرَاسَ مَائِكَ من دمي..

لكَ في الكِنَانَةِ

ضِفَّةٌ تكْلَى

وفي الخرْطُومِ نَعْشٌ مِنْ رِمَالْ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق