سلايدرسياسة

الهوية … السؤال المسكوت عنه في السودان!!

مصطفي يوسف

كنت أجريت، حواراً صحفياً مع الأستاذ عبدالعزيز شدو، نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي في السودان، رحمه الله، الذي كان يقود وفد السودان إلى اجتماعات اتحاد البرلمانات العربي في إحدى دوراته، برئاسة فتحي سرور بالعاصمة اليمنية صنعا، عام 95م، ونشر بصحيفة أخبار اليوم الغراء، ولأن الانقاذ كانت حينها في قمة شططها الذي ادعت معه أنها تمكنت من حل كل مشاكل السودان، بل وبدأت في حلحلة مشاكل الاقليم، في رقصة هياجها التي لم يصحو القوم منها إلا على أعتاب سجن كوبر، تعمدت أن أسأله لأقيس وأبرهن ضحالة العقلية التي تمسك بزمام الأمور، عن مسألة الهوية، وكيف ستحسم وإذا ما كانت هناك رؤى محددة في هذا الاتجاه، فما كان من الرجل إلا وأن انبرى بكل أريحية، وهو ما لم يثر استغرابي أو دهشتي، لمعرفتي بهؤلاء القوم، للإجابة سريعاً، بالقول أن مسألة الهوية حلت بالفعل في سطر واحد تضمنه الدستور، بهذه البساطة ودون أن يكلف الرجل نفسه عناء الشرح أو حتى بذل جهد ضافٍ للإيضاح.

يلخص هذا – إن تجاوزنا الهوس الذي وسم تصدي التنظيم في ذلك الوقت لأعقد المسائل بالاستسهال والإدعاء الأجوف الكاذب- فلسفة السياسي بشكل عام ونظرته الضيقة من نظارة اللحظة الراهنة وتعاطيه دون الانعتاق من أسر وقوقع الصياغات التي سُلك فيها، للإشكاليات المتجددة التي ظلت تواجه السودان كأمة وسؤال الهوية في مقدمتها منذ استقلال البلاد في يناير 1956م، وهو سؤال محوري مركزي، مسكوت عنه باستمرار ومنقول إلى الحديقة الخلفية من الاهتمامات، لم تمسه جهود واضحة، غض الطرف عنه السياسي الحزبي واللاحزبي والمفكر باختلاف توجهاته، لصعوبة التصدي لما يكتنف اللوحة الفيسفسائية الاثنية من تعقيدات تسم طابع الوجود العرقي في السودان، وتجعل من السهولة بمكان ترحيله من مرحلة إلى أخرى ومن الصعوبة بمكان إبرازه إلى حيز التفكير لمواجهته للإسهام في حله أو وضع نقاط يبنى عليها تراكمياً، ترسي تقاطعات أو انفراجات معتبرة، تترك للأجيال لتعلق عليها جهدها.

وإذا كانت هذه المسألة (القضية) استشكلت وتشاكلت وصعبت في الماضي، فإنها باتت أكثر تعقيداً بعد انفصال الجنوب في عام 2011م، لأن الهوية هنا تظل ناقصة ومشتتة ومتنازعة وتفتقد لأهم عوامل تكوينها، وهو الوجدان القومي، لأن المتغير الجديد، يلقي بالسؤال من زاوية أهم، كيف تفصل هذا المكون بعد أن كان جزءاً من تشكلات الهوية وسيرورتها؟

لم ترتق الشخصية إلى درجة الوجدان القومي، وهذا معطى تاريخي، ولا يزال التمركز يتمحور بصفة أساسية على شخصية الفرد، حيث تتداخل هنا عوامل اجتماعية/ سياسية متعددة- بل وعسكرية- وتفرض نفسها، لتمنع التشكل، بما يعنيه هذا من عدم القدرة على فهم الواقع الاجتماعي وظروفه وطبيعة العلاقات الناتجة عنه، حسب رأي مختصين وعلماء اجتماع، هذه العلاقات التي تعين مقدار حيوية الجماعة ومؤهلاتها للبناء والارتقاء، لأن دون ذلك هو تقوية أسباب الصراع ودوافعه وتكثيف حدة الأخطار، وهو الملاحظ في الحياة السودانية. التي تصطرع فيها تيارات يشد كل منها الرسن في اتجاه يتمناه.

هذه هي المعضلة الحالية التي تزيد طين الهوية بلة، يدفن الجميع معها الرؤوس في الرمال، ويمارسون الهروب منها للأمام دون جدوى، وللأسف تفتقر أدبيات السياسة والاجتماع وحركة الفكر لأي جهود نقية موسومة بقصدية ومثابرة وتخطيط علمي ممنهج، في هذا الإطار، فتكون النتيجة على الدوام، تعليق السؤال باستمرارية أو اللجوء لتصنيف عروبي- زنوجي، أو العكس، أو عربي – إفريقي، أو العكس، وهذا توصيف ليس دقيقاً ولا هو يحظى بالقبول من قبل الجماعات والإثنيات والتيارات المختلفة، لأنه في رأي الكثيرين لا يجيب على السؤال بدقة، وحسب البعض لا يفي بالميول، وإن لم يُصرَح بذلك.

ينعكس صراع الهوية في مظاهر الحياة العامة، على صفحة السياسة دفتر الإبداع وحركة الاقتصاد، يكشف عنه اقتسام السلطة والتوزيع غير العادل للثروة والتنمية غير المتوازنة، وتحمله مفردات القصيدة ومضامين اللوحة ويلقي بظلاله على فاعلية دور السودان في الصيغ والتجمعات بكافة مسمياتها، على مستوى الاقليم.

عندما برز الراحل الأديب العالمي الطيب صالح رحمه الله، بهذا المستوى اللامسبوق من دوزنة الحرف وموسقة الكلمة، بنحته واشتقاقاته وبلاغة مفرداته، قيل إنه شكل بظهوره فتحاً للكتابة العربية وفتقاً لآفاق جديدة لأشكال وأنماط السرد العربي، وهو رأي ينظر إلى الجانب المليء من الكوب، أمسك به هواة استسهال الحلول ليصب في خانة بعينها، مع أنه يشكل في حد ذاته اختزالاً للمسألة يجر إلى دائرة الاتهام الطرفين!!، لأن الكاتب في رأي آخرين، كان طليعياً إفريقياً مثقفاً، يعبر عن قضايا تحرر الإنسان الإفريقي، هنا يبقى السؤال الأهم، ما الهوية؟ أهي لسان أم دم؟ وما دور الدين؟ العادات؟ التقاليد؟

لا يمكن النظر إلى هذه المسألة بمعزل عن جملة العوامل المؤثرة فيها والمحركة لها، وهي تتطلب الشجاعة الكاملة في وضع النقاط في حروف الانتماء لتحديد بوصلة الاتجاه بدقة دون أي اعتبارات، يؤكد التاريخ البعيد والقريب أن الأخذ بها كان أحد أهم المعاول التي هدمت أسس البناء والالتقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق