ثقافة وفن

قراءات .. المبنى والمعنى في قصيدة الشاعر عبد العزيز كوكاس “فتاوى الغواية”

نورالدين طاهري

تُمثّل قصيدة “فتاوى الغواية” للشاعر عبد العزيز كوكاس نموذجا شعريا متفردا يستدعي قراءة تأويلية عميقة تتجاوز السطح اللغوي نحو البنية الرمزية والفلسفية التي تنسج المعنى من الداخل. إنها قصيدة تتأسّس على هدم البداهات وإعادة بناء العالم عبر المفارقة الشعرية والتقويض الرمزي، مُتخذة من النفي وسيلةً للإثبات، ومن التكرار بنيةً تُراكم الدلالة حتى لحظة الانفجار المعنوي.
الشاعر لا ينطلق من خطاب معرفي مباشر، بل من رؤيا وجودية تعيد مساءلة العلاقات بين الأشياء: بين الشجرة وظلها، الماء ومصبه، الفكرة ودفئها، النبيذ وكأسه… وكأن كل علاقة سببية جاهزة تُطرح هنا بوصفها عائقا أمام تحقق الجوهر، لأن الحقيقة – في تصور كوكاس – لا تُبتغى في وظيفية الأشياء بل في إمكانيتها الوجودية الأعمق. من هنا، تتجلى البنية الشعرية أقرب إلى ما يسميه “بول ريكور” التأويل الرمزي، حيث تُصبح الصور بوابات إلى طبقات دلالية لا تُقال مباشرة بل تُفهم ضمن سياق جمالي وفلسفي ممتد.

“لا تبحث للشجرة عن ظل،
غنِّ لها شَدْوا يقيها يُتمَ الخريف”
في هذا المطلع، ينسف الشاعر علاقة الشجرة بظلها بوصفها بداهة فيزيائية، ويستبدلها بالشجن، بالغناء، بإبداع المعنى لا استهلاكه. هو يُحيل القارئ من منطق الحاجة (الظل) إلى منطق الرؤية (الشدْو)، وهو منطق يتناغم مع فكر “مارتن هايدغر” حين يجعل من الشعر إقامة للكائن في العالم، وليس مجرد وصف له. فالغناء هنا ليس تعويضا عن الظل، بل هو إعادة خلق للكينونة، لأن الشجرة في الخريف لا تحتاج الظل، بل ما يُعلي من وجودها.
هكذا تتكرر هذه التقنية: “لا تبحث للماء عن مصب”، “لا تبحث للحرية عن لون”، “لا تبحث للأعمى عن ضوء”… وفي كل مرة، ينتقل النص من الحرفي إلى المجازي، من القاعدة إلى الاستثناء، مما يُعيدنا إلى “جاك دريدا” في تفكيكه للعلاقات الثنائية، حيث النفي لا يعني غيابا بل إنتاجا لدلالة أكثر تعقيدا: الحرية لا تحتاج لونا لأن جوهرها يتجاوز الأطر الشكلية، والأعمى لا يحتاج الضوء بل معنى يُغريه بالعتمة، أي المعنى الذي لا يُرى بالعين بل يُحسّ بالقلب.

“لا تبحث للدمعة عن منديل للوداع،
هيئ لها رثاء يليق بالفرسان الذاهبين إلى حتفهم”
هذا المقطع يُحيلنا إلى مفهوم “التراجيديا النبيلة” كما تحدث عنها نيتشه في “ولادة التراجيديا”، حيث الرثاء لا يكون بكاءً ولا مسكنا للحزن، بل لحظة جمالية تُضفي على الموت قداسة، وتُعلّي من شأن التضحية. ليس الهدف إذًا محو الألم بل تَجميله فنّا، تحويل الوجع إلى أناشيد للبطولة. القصيدة بهذا المعنى تتعامل مع الكائن البشري بوصفه مشروعا جماليّا في مواجهة الفناء.

تكرار “لا تبحث…” في مطالع الأسطر يخلق إيقاعا منتظما، لكنه لا يُفضي إلى رتابة، بل يُنتج بؤر توتر وتأمل متكررة، تُذكّرنا بما وصفه “باشلار” بـ”شعرية التأمل البطيء”، إذ يُصبح التكرار بنية لاستبطان العمق، لا للتكرار الصوتي. القصيدة في شكلها الخارجي أقرب إلى مقاطع نثرية، لكنها داخليّا تنبض بإيقاع فلسفي يخلق وحدة عضوية للنص. هنا المبنى لا ينفصل عن المعنى، بل يُعيد تشكيله باستمرار.

“لا ترمِ فكرة بقذيفة،
ابحث للمبنى عن معنى مثل استثناء لا يتكرر!”
في هذا الختام المتفجر، يُعلن الشاعر بيانا جماليّا ضد الرداءة، ضد العنف الرمزي والمعنوي، ضد قتل المعاني باسم الشعارات. إنه يُطالبنا بالبحث عن “المعنى” كما نبحث عن جوهرة نادرة، لا تُستنسخ. هذه دعوة صريحة إلى التعامل مع اللغة لا كمجرى للقول بل ككائن جمالي حيّ، تماما كما ذهب “رولان بارت” إلى أن النص الأدبي لا يُقرأ فقط، بل يُتذوق، يُلامس، يُعاش.

يقدّم الشاعر عبد العزيز كوكاس نصا شعريا يقوم على قلب المألوف، وتفكيك العلاقات الجاهزة بين الأشياء، ليعيد بناءها وفق منطق داخلي خاص، حيث لا يتبع اللغة كما هي، بل يُعيد تكوينها لتكون أداة لا في التعبير عن المعنى فحسب، بل في توليده. هذه القصيدة تشتغل على اللسان الشعري الحديث الذي لا يرضى بالسائد، ولا يقبل بحكمة معلبة، بل ينفتح على فوضى حسية تستبطن الوعي والتأمل العميق معا.
النص مبني على إيقاع تركيبي متواز يشتغل بتقنية التكرار الواعي، بدءا من العبارة المفتاحية “لا تبحث”، التي تتكرر بصيغتها الحرفية لتشكّل عمودا أسلوبيا يشدّ القصيدة من بدايتها إلى نهايتها. لكن التكرار هنا لا يحمل أي نزعة رتابة، لأنه لا يُعيد المعنى ذاته، بل يُعيد بناء العالم في كل مرّة. لكل كيان في القصيدة صورة مغايرة لما اعتدناه، فالشجرة لا تحتاج ظلا بل شدوا، والفكرة لا تطلب دفئا بل حذاء، والماء لا يبحث عن مصب بل عن غناء يوصل المطر إلى حبة قمح. إنها إعادة هندسة رمزية للعالم، تقوم على تقويض السببية النفعية، وتستبدلها بفعل شعري خالص.
اللغة التي يستخدمها كوكاس تنتمي إلى حقل شعري محض، لا تخضع للوظيفة الإخبارية أو الحجاجية، بل تتعمّد الانزياح من أجل خلق المعنى. إنه لا يكتب وصفا للعالم، بل ينسج عالما رمزيا خاصا به، عالم تشتغل فيه الكلمات مثل أدوات لصنع الدهشة، وتوسيع مدارك الرؤية. فحين يقول “لا تبحث للحرية عن لون، ارسم لها سماء تظلّلها من صهد الوقت”، فإنه لا ينكر الألوان، بل يشير إلى أن الحرية لا تُحبس في شكل، بل تحتاج أفقا يحميها من الاستهلاك والابتذال. وحين يقول “لا تبحث للأعمى عن ضوء، امنحه معنى شفيفا يغريه بضياء العتمة”، فإنه لا يستدعي الشفقة، بل يمنح للمحدود قدرة على خلق معنى من النقص، وهي ذروة الفلسفة الوجودية في بعدها الشعري.
المعجم المستعمل في النص يراوح بين المفردات اليومية المتداولة ومفردات مشحونة بإيحاءات عاطفية وتاريخية، لكنه لا يقع في التقريرية أو الغنائية الزائدة. الشاعر يعتمد على كثافة الصورة أكثر من كثافة العبارة، وعلى الفعل لا على الوصف. لذلك جاءت القصيدة خفيفة البناء لكنها كثيفة الدلالة. الجمل قصيرة، محكمة، وغالبا ما تُختتم بتوتر دلالي مفتوح، يتيح للقارئ أن يستكمل الصورة عبر تأمله الخاص.
المعنى في النص لا يُعطى جاهزا، بل يُقترح عبر المسافة بين العبارة والتأويل. فكل جملة تفتح احتمالا، وتبني علاقة جديدة بين الكلمة ومرجعها، ليصبح الشعر هنا ليس وصفا لما هو، بل ما يجب أن يكون. في هذا السياق، تتحول القصيدة إلى فعل فلسفي، إلى احتجاج على الواقع بلغته، وإلى مقاومة فكرية ضد التصنيف والتسطيح. إننا لا نقرأ العالم في هذه القصيدة، بل نعيد تأمله، وتفكيكه، وإعادة تكوينه.
ولعل البيت الختامي يلخّص فلسفة النص: “ابحث للمبنى عن معنى مثل استثناء لا يتكرر”. هنا تتجلى رؤية الشاعر للغة، وللوجود، وللشعر نفسه. فالمبنى ليس قشرة شكلية، بل هو بيت المعنى، والقصيدة الجيدة ليست استنساخا لما قيل، بل اقتراح لغوي وجمالي لما لا يمكن أن يتكرر. بهذا المعنى، تكون “فتاوى الغواية” نصا معرفيا بقدر ما هو نص جمالي، وتكون غوايتها ليست غواية حسية، بل غواية فكر، غواية في أن ترى، لا كما ترى العين، بل كما يتخيل القلب.

قصيدة الشاعر عبد العزيز كوكاس ليست فقط تمرينا في المجاز، بل هي بيان شعري فلسفي يعيد الاعتبار لفعل الكتابة بوصفه وعيا بديلا للعالم. من خلال بناء تركيبي متماسك ورؤية وجودية ترفض البداهة، ينجح الشاعر في تحويل القصيدة إلى مختبر تأويلي مفتوح، حيث يُصبح المعنى نبتة تنمو بين النفي والإثبات، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. إننا أمام نصّ لا يمنح إجابات، بل يعلّمنا كيف نطرح الأسئلة من جديد، وكيف نجعل الشعر يسبق العالم لا يتبع ظله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق