
عصر الأنثروبوسين..ثلاث وظائف تربوية تعليمية: المقاومة ثم النقد واليوتوبيا
من خلال ترجمة وتلخيص للفصل رقم12 بعنوان: نحو تربية نقدية: نحن لسنا منفصلين عن الأرض، نحن الأرض ذاته
Azeddine Latrach
تقديم:
ستلاحظون إذا ما عدتم لرسالة الدكتوراه – باعتبارها المرجع الذي انطلقت منه – أن الأمر يتعلق بالاشتغال على موضوع في غاية الأهمية، والذي يدق ناقوس الخطر حول قضية بيئية تجاوزت حدود الإقليمية لتصير ظاهرة عالمية، حصل اجماع على تسميتها بعصر الأنتروبوسين في مقابل عصر الهلوسين والذي تجاوزناه منذ الاف السنين؛ أي أننا انتقلنا من حقبة زمنية ومن عصر جيولوجي يسمى Holocene الى حقبة أخرى أضحت أكثر تصحرا ومأساوية، وذلك كله نتيجة عوامل وتأثيرات بشرية تنعث بAnthropocen . وقد ركزت على الفصل الثاني عشر لأهميته، بالرغم من وجود فصول ومباحث أخرى لها أهمية أيضا – سأعود لها لاحقا– علما أن هذا البحث القيم مكون من ثلاثة مباحث كبرى وثلاثة عشر فصلا الى جانب المقدمة والخاتمة.
يقتضي فهم الأنثروبوسين استحضار أبعاد متعددة: علمية ترصد التحولات البيئية، وفلسفية تفكّك أنماط التفكير الحديثة، وسياسية تعيد النظر في أنماط السلطة والمسؤولية، وأخلاقية تدعو إلى تصوّر جديد للعيش المشترك بين البشر وغير البشر. من هنا، تظهر الحاجة إلى صياغة نظرية نقدية للأنثروبوسين، تتجاوز الرؤية التقنية أو التكيّفية، نحو مساءلة جذرية للمنظومات التي أنتجت هذه الأزمة الكوكبية.
استشكال:
فما هي اذن المفاهيم المؤثثة لهذا الفضاء المعرفي؟ وما هي الأسباب والعوامل؟ ومن هم الفلاسفة والعلماء الذين تناولوا هذه الإشكالية المعقدة؟
سنتناول الموضوع من خلال:
أولا: الوقوف على مفهوم التناغم كمقابل لمفهوم التسارع الذي فرضته السرديات الكبرى (الحداثة والرأسمالية والتقدم..)؛ وكسعي لتحقيق “لحمة العالم” وتجاوز أزمة الانتروبوسين.
ثانيا: استيعاب مفهوم التناغم في علاقته بثلاث وظائف تعليمية لمواجهة عصرالأنثروبوسين؛ وذلك بالاعتماد على ثلاث فلاسفة أعلام وهم: هارتموت روزا، أندرياس ويبر، وديفيد أبرام.
أولا: مفهوم التناغم (resonance)في مقابل مفهوم التسارع(Acceleration):
في ظلّ التحوّلات الجذرية التي يشهدها كوكب الأرض، ومع تزايد آثار الأنشطة البشرية على النُّظم الإيكولوجية، لم يعد من الممكن التفكير في التربية بمعزل عن السياق الجيولوجي الذي يُعرف بعصر الأنثروبوسين. ففي هذا العصر الذي يطغى عليه التسارع والاستلاب، تبرز الحاجة إلى إعادة تصور دور التعليم باعتباره ليس فقط أداة للنقل المعرفي، بل أيضًا فعلا مقاوما ونقديًا واستشرافيًا.
من هذا المنطلق، يستعيد الفكر التربوي النقدي مفهوم “التناغم“ (resonance)، لا بوصفه حالة من الانسجام الرومانسي، بل كعلاقة حيّة تُبنى بالتفاعل والاستجابة بين الإنسان والعالم. فالإنسان، كما يشير روزا، ليس منفصلًا عن الطبيعة، بل هو جزء حيّ ومتغيّر منها. والتعليم، في هذا السياق، يصبح ممارسة لبناء هذا التناغم: ممارسة تُواجه منطق التسارع، وتعيد للوجود الإنساني أبعاده العاطفية والجمالية والروحية، وتسعى إلى عالم “جدير بالعيش“، لا فقط “قابل للاستغلال“.
يرى الباحث ناتانائيل فالنهورست – في هذا الفصل – أن هناك ثلاث أسباب تدفعنا إلى الاستمرار في إيلاء الاهتمام لمفهوم التناغم في سياق التفكير التربوي في عصر الأنثروبوسين.
أولًها: – كما رأينا للتو– فإن التناغم، إذا فُهِم على أنه النظير للتسارع، لديه ما يقدمه لنا لكي نفكر فيما ينبغي تعلمه في هذه الحقبة الجيولوجية المسماة “التسارع الكبير“ Great Acceleration، وهو الاسم الآخر لعصر الأنثروبوسين.
ثانيها: في فكر هارتموت روزا، تعد الطبيعة مجالًا مهمًا للتناغم. فالإنسان لا يُفهم خارج ارتباطه الذي لا يمكن فصله عن الطبيعة، كما أن روزا يشير بوضوح إلى الدخول في عصر الأنثروبوسين كنتيجة للتسارع الذي بشرت به الحداثة مناصريها لتقبرهم بفعل كوارث طبيعية قاسية لم يسمعوا بها من قبل:(تسونامي، أمطار حمضية طوفانية، جفاف وتصحر طال حتى الأنهار والاودية..)
ثالثها: يُفهم التناغم باستمرار على أنه علاقة تتطور وتُكتسب بالتعلم. وبالتالي، فهو مرتبط بشكل وثيق بالديناميكية التعليمية.
فمفهوم “التناغم“، الذي وصفناه بأنه استعارة موسيقية، يتناول ذلك “الوتر” الذي يربطنا بالعالم والذي يبدأ أحيانًا في الاهتزاز. بحيث أننا نجد أنفسنا أحيانًا في حالة انسجام مع العالم، أو مع الآخرين، أو مع قضايا معينة، أو مع عناصر جمالية أو روحية؟ التناغم ليس حالة عاطفية فقط، بل هو طريقة للتواصل مع الآخرين والعالم يتم في اطارها دمج المكون العاطفي.
التناغم هو شكل من أشكال العلاقة مع العالم، حيث إن التناغم يتجاوز مجرد الانسجام ويشير إلى تلك اللحظات من العلاقة الحية بين العالم والشخص. إذ يُعتبر التناغم مفهومًا وصفيًا لجزء من الواقع الاجتماعي بحيث تجد أن بعض الأشخاص يشعرون أكثر من غيرهم أنهم يعيشون حياة “جيدة” أو “جديرة بالعيش” بغض النظر عن كمية الموارد المتاحة لهم. لكنه أيضًا مفهوم معياري، حيث يُعتبر أن الحياة المفعمة بالتناغم مع العالم أفضل من الحياة التي تتميز بصمت العالم.
أخيرًا، يُعتبر التناغم مفهومًا استشرافيًا؛ إذ يسعى المؤلف إلى إيجاد سبل للخروج من الاستقرار الديناميكي للمجتمعات المعاصرة (المتمثل في تسارع دائم) الذي يؤدي إلى تشيئ: chosification” الأفراد واستلابهم بفعل مطلب النمو المستمر للموارد. يطمح المؤلف إلى مجتمع ما بعد النمو، مجتمع يقوم على سمت العلاقات {الرقي بالعلاقات لتتجاوز المصالح} وليس على تعظيم المصالح الفردية للـ homoeconomicus (الإنسان الاقتصادي): «شكل آخر من أشكال الوجود في عالم الممكن، لكنه لن يتحقق إلا من خلال ثورة سياسية واقتصادية وثقافية تكون متزامنة ومنسقة في الآنٍ نفسه»
ثانيا: استيعاب مفهوم التناغم في علاقته بوظائف: المقاومة والنقد واليوتوبيا
إن استيعاب مفهوم التناغم الذي يُقدّم في الفصول 11 و12 و13 من هذا العمل يتمحور حول ثلاث وظائف تعليمية:
أولًا، وظيفة المقاومة، التي تتميز بترسخها في الواقع ومواصلة النضال من خلالها هنا والآن.
ثم، هناك ثانيا وظيفة نقدية، تشير إلى ضرورة فهم وتصحيح بعض أخطاء الحداثة.
ثالثا وأخيرًا، هناك وظيفة يوتوبية، حيث من الضروري أن نوفر لأنفسنا الوسائل للاستمرار في الأمل، والإيمان بمستقبل ممكن. من المهم أن نتمسك بالمعارضة (المقاومة) انطلاقا مما تم تحديده كإشكالية (نقدية) يمكن للمستقبل المنشود أن يتحقق فيها لاحقا (يوتوبيا).
تواجه وظائف النقد واليوتوبيا خطر أن تكون عقيمة إذا لم يتم ربطها بالمقاومة؛ كما أن وظائف المقاومة والنقد تواجه خطر العنف إذا لم تُرتبط باليوتوبيا؛ وأخيرًا، فإن وظائف اليوتوبيا والمقاومة تواجه خطر الخطأ والوهم إذا لم تُثبَت من خلال التنسيق مع النقد.
في سياق التحديات البيئية العميقة التي يطرحها عصر الأنثروبوسين—وهو العصر الذي أصبحت فيه الأنشطة البشرية قوة جيولوجية تؤثر على نظام الأرض—يبرز مفهوم “التناغم” (Résonance) الذي طوّره الفيلسوف وعالم الاجتماع هارتموت روزا في كتابه Résonance كاقتراح تربوي وفلسفي نقدي، يهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم.
غير أن هذا المفهوم، وإن كان غنيًا على المستوى الوجودي والعاطفي، يبقى، كما تبيّن القراءة النقدية، ضعيف الصلة بالمعطيات العلمية حول الأنثروبوسين، ويفتقر إلى دمج نتائج علوم نظام الأرض بشكل كافٍ. فـ روزا يرى في فقدان “تناغم” العلاقة مع الطبيعة سببًا رئيسًا للأزمة، ويقلّل من أهمية التغيّرات البيئية النظامية الخطيرة الناتجة عن النشاط البشري.
ولسدّ هذه الفجوة، يقترح المؤلف الجمع بين مقاربة روزا ومساهمات كل من:
أندرياس ويبر – Sein und Teilen (2017)، وThe Biology of Wonder (2016)
يستلهم ويبر من ميرلو–بونتي وفينومينولوجيا الجسد، ويطوّر أنثروبولوجيا حيوية–تشاركية ترى في الإنسان كائنًا مندمجًا عضوياً في النسيج البيولوجي للعالم. ويدعو إلى تجاوز ثنائية الطبيعة/الثقافة، مؤكدًا أن الإنسان “هو الأرض“ لا مجرد كائن يعيش عليها. معتمدا على مفاهيم مثل “التقاسم” و“المشاركة” تشكل بديلاً نقديًا لمفهوم homo œconomicus المرتبط بالفردانية والرأسمالية.
ديفيد أبرام – The Spell of the Sensuous
يكمّل رؤية ويبر عبر فينومينولوجيا بيئية حسية، تُعيد للخيال، والجسد، والحواس، دورها في بناء علاقة حية مع العالم.
حيثيرىفيالتجربةالمباشرةمعالعناصرالطبيعية (الهواء، البحر، الأرض) بوابة لفهم أكثر تجذرًا للعالم، بعيدًا عن الرؤية التكنو–علموية المفصولة عن الجسد.
التقاطع بين المفكرين الثلاثة
- يشتركون في نقدهم للرؤية الحداثية التي تفصل الإنسان عن الطبيعة، وتحوّل العالم إلى كائن صامت والطبيعة الى موضوع للاستنزاف.
- يدعون إلى إعادة بناء أنثروبولوجيا تقوم على التفاعل، التبادل، والحيوية بدل الهيمنة والتسارع.
- تُشكّل كتاباتهم أساسًا لتربية جديدة تقوم على الحساسية البيئية، والخيال التشاركي، والنقد الجذري للرأسمالية.
خاتمة:
إن الجمع بين مفاهيم “التناغم” (روزا)، و“المشاركة والتقاسم” (ويبر)، و“الاستجابة الحسية للعالم” (أبرام) يُقدّم إطارًا نقديًا غنيًا لفهم الذات الإنسانية في عصر الأنثروبوسين، ويدعو إلى تربية بديلة: لا تقوم على التحكم، بل على الإنصات والاندماج والتضامن مع غير البشر.
بهذا المعنى، لا يمكن مواجهة الأنثروبوسين فقط عبر نقد ثقافي رمزي، بل عبر ثورة معرفية وحسية وشعرية تعيد الإنسان إلى نسيج الحياة والى التصالح مع الطبيعة.




