
لا بد للقيد أن ينكسر …!
العنصرية والعبودية سمّ قاتل للإنسانيّة!
مقتل جورج فلويد … هل نعي الدرس؟!
د. محمد بدوي مصطفى
mohamed@badawi.de
العالم ينتفض ضد العنصريّة واسترقاق البشر!
أثارني يا سادتي أن مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد قد أضرم احتجاجات عارمة في كل المدن الألمانية، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، فخرج الناس لا يلوون على شئ إلا وأن يفصحوا عن مقتهم للفاجعة التي لم تكن الأولى في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، لا حديثا ولا في صفحات التاريخ المديد. فهل ينسى العالم أن التفرقة العنصرية في هذا البلد دامت إلى فترة الستينيات وأن أختها الممقوتة استمرت إلى أن خرج نيلسون مانديلا من السجن بعد قرابة الثلاثة عقود. كل ذلك يبقى في ذاكرة التاريخ، لن تمحوه الأيام ولا ولن تستقصيه السنون، هذا الكفاح الذي دام مئات السنين ضد الاستعمار، الاستعباد، الاضطهاد العرقي والتفرقة العنصرية التي لم يشأ المولى أن تنطوي صفحاته في بلاد العم سام، بلاد تموت من البرد حيتانها، بل قل في كل بلدان العالم، والدول العربيّة في الصّدارة وحدث ولا حرج!
لقد حام التسجيل المصور أرجاء الدنيا المترامية – والحمد لله أوله وآخره – أن الحادثة قد وثق لها بعض المارّة بمحض الصدفة والتلقائية وإلا لصارت في ملف المنسيات، كمئات، آلاف، ملايين الحوادث التي سبقتها وسكت فيها الضمير الأمريكي، إلا القليل من أولئك الذين يؤمنون أن السلام والمحبة والتعايش السلميّ هو الحلّ الأمثل لبناء الأوطان، فما من موطن سكنت به العنصرية وبنت به بيتا وخيمة إلا وراح طيّ الرياح وتهدمت أعمدته وتلاشت هباءً منثورا. وهذه الريّاح العاتية ستتحول إلى طوفان عارم وسوف تأتي على الأخضر واليابس إن شرع حكّام أمريكيا في قمع الكلمة وحريّة الرأي بالبندقيّة، فسوف تنبري لهم الشعوب حينئذ صارخة بكليمات هادرة:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
إنها يا سادتي كلمات خالدة، راسخة وعميقة صدح بها الشاعر التونسيّ أبو القاسم الشابيّ في ريعان شبابه وكان يدرك أيما إدراك أن زمنها آت لا محالة، نعم، كان يعلم في قرارة نفسه، أن النصر آت لا محالة. من كان يحسب أن ينكسر القيد في أفريقيا من قبضة الاستعمار الأوروبيّ ومن بعده الاستعمار الأفريقيّ الذاتيّ، كل الشعوب، من مصر إلى جنوب أفريقيا ومن السنغال إلى الصومال، تعلم أن الحريّة هي الشهيق والزفير الذي يُحيي الشعوب وأنها دون تلك الزفرات لا مناص لها ولا مفر، حيث لا يبقى إلا الموت والهلاك النهائيّ.
مدينة نانت الفرنسيّة ونصب تذكاريّ لماض العبوديّة:
حاول قلّة من العلماء والباحثين وحتى السينما تصوير تاريخ العبودية والرق، وقد تكون الصورة المرئية وسيلة لتوعية الشباب، ولكن هل يمكن للتعليم والمعارض وحدها القيام بوظيفة التعريف بهذا الماضي المخزي؟ وما هي الوسيلة المثلى لنقل الرسالة إلى الأجيال القادمة؟ أن تتعلم أن لا فرق بين أبيض وأسود، بين عربي أو أعجميّ، بين أوروبي أو أفريقي؟
نتناول هذا الموضوع الحساس ونأخذ مدينة أوروبيّة على سبيل المثال لا الحصر. فمدينة نانت الفرنسيّة نجدها مثقلة إلى النخاع بتاريخ مرير ومخزي جاء إليها عبر مينائها في القرن الثامن عشر حيث جُلب أكثر من نصف مليون شخص من النسوة والرجال والأطفال وأوقفوا ها هنا لمعاينتهم وفرزهم كالبقر حتى يتم تحديد قيمتهم، تسفيرهم وبيعهم فيما وراء البحار، في تلك المستعمرات الأمريكيّة التي سطر تاريخها آلامهم واختزالهم على شاكلة المشاية لا غير، عاشوا دون إنسانية، دون تاريخ ودون مستقبل، عبيدا أبناء عبيد ومن ثمّة ذرياتهم المستعبدة دون ذنب جنته والتي ولدت بأرض جهنم وسقر آكلين الزقوم لقمة “تسدُّ” الرمق – نعم “تسدُّ” وتكتم الحلق والنفس والروح!
تحاول كل دول العالم أن تنسى هذا التاريخ المرير ومدينة نانت كانت مثالا حيّا لهذا النسيان الممنهج ولكن مع إشراقة عام ٢٠١٢ كانت هي أولى المدن التي بنت نصبا تذكاريا تذكر فيه بهذا الماضي القريب في التاريخ كما في النفوس، نصبا تنادي فيه – هي دون غيرها – للأهميّة البالغة لإلغاء نظام الرق ومن ثمّة تريد به استخلاص العبر واستحضار الأحداث التاريخيّة التي طواها الزمن في ملف النسيان حتى تكون منهجا يُعلّم الدنيا بهذه الفواجع والمرارات القابعة كوصمة في وجه البشريّة جمعا.
العبوديّة في الدول العربيّة قائمة إلى الآن!
تدهشني تعليقات بعض الإخوة العرب القائلة: “لماذا لم يخرجوا لبلدي مثلا”، “يجب أن يوقف الألمان العنصرية في بلدهم أولاً”، أو ربما نكتة تحمل في طياتها رسالة دامغة مخجلة تعكس فكرنا تجاه اللون والإثنية، تقول: “أتقوم الدنيا وتقعد بسبب (عبيد)”! يعني عبد أسود لا قيمة له والحديث لا يحتاج مني هنا إلى أيّ استطراد.
حقيقة، لم يكن الموضوع الذي خرج من أجله الملايين في ألمانيا وكل دول العالم يُعنى وينحصر فقط في مقتل المواطن الأمريكيّ فلويد، ولكنه كان متنفسا للمرارات والظلم الممنهج من قبل الساسة وسياستهم المتبعة في كل أنحاء العالم. خرجوا منادين بالحريّة، المساواة والديموقراطيّة للأقليات، نعم، خرج أبناء العم جوته بكل سحناتهم وتوجهاتهم الفكريّة والدينية منادين: لقد بلغ السيل الزبى … كفى ثم كفى! کنت أتمنى يا سادتي أن تخرج الدول العربية التي مارست نفس الأنظمة العنصرية والعبوديّة ولا زالت، لتنادي ملئ شدقها بالحريّة للكل وقبل هذا وذاك كنت أرنو أن أرى “قابعة الدول العربية” مشاهرة بعدالة القانون لكل إنسانة وإنسان خلقه الله في وطننا العربيّ حرًّا. لكنها كالعادة لا تحرك ساكن! وأقول لهذه المنظمة اللاجامعة واللاعربيّة: متى استعبدتم الناس وقد خلقتهم أمهاتهم أحرارا!
ربما يجزم الكثيرون أن عبوديّة البشر والاستعباد قد قضيا نحبهما منذ زمن زهيد، يحسبون أن هذا النظام البغيض قد راح طيّ النسيان أو أغلب الظن قد راح مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وربما نراهم يحسبون أن معاهدة الرّقّ في عام ١٩٢٦ كانت الفاصل والفيصل في الأمر وهي يا سادتي الوثيقة الدوليّة الأولى في العالم – جاءت بكل أسف متاخرة لبعض القرون، لتوقف استعباد البشر إذ تنادي بتحريم تجارة الرق حيث أصدرتها هيئة الأمم المتحدة وهل أفلحت في ما كانت تصبو له؟ من جهة أخرى انطوى الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان في عام ١٩٤٨ والذي صدر من صحن الأمم المتحدة أيضا، نادي بحفظ جلّ الحقوق الإنسانيّة، المدنية والاجتماعية والاقتصاديّة كما السياسيّة وغيرها وتضمّنت دفته على انهاء تجارة الرّق والعبيد في مادته الرابعة في كل أنحاء البريّة: “لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويحظر الرّق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما”. رغم هذا الإعلان فنحن نجد وإلى الآن أن هذا الإعلان لا في القرن العشرين ولا في إطلالة الألفيّة الثالثة قد قضى على هذه الممارسات اللاإنسانية. فعبودية القرن الحادي والعشرين اقتضت أن تباع فتيات كأكوام القمامة في البيوت وفي المزادات العامة بثمن بخس لا يتعدى الخمسة وعشرين دولارًا. شيء مؤسف حقًّا أنه وبعد مرور قرن ونصف من أولى المحاولات لتحريم ووقف تجارة الرق والعبوديّة، لا نفتأ نجد أن ملايين النسوة والأطيفال والرجال لا يزالون مستعبدين بشتى الطرق؛ وهذا يقودنا إلى تساؤل جوهريّ: هل الاسترقاق يقتضي بالضرورة وجود النخاس، بائع العبيد؟ الإجابة تكون في نظري ب”لا”؛ فالعبودية بمكوناتها ومفهومها الحاليّ تنتشر وتنبسط عبر أشكال متباينة ومختلفة تجعل من بعض البشر (الأسياد) يسيطرون ويمتلكون آخرين (العبيد)، يهبونهم، يبيعونهم، ينادونهم بلفظ “عبد” أو “عبيد”، يهبونهم لمن أرادوا ويضاجعون الصبايا وما ملكن أيمانهم متى وكيفما شاء لهم، فهل يعقل؟!
أسكت يا عبد!
كنت ذات يوم أعالج مريضة من إحدى دول شبه الجزيرة العربيّة بمستشفى تأهيليّ بألمانيا وحدث ذلك في بدايات هذه الألفية. جاءت الأسرة بكامل أفرادها مصاحبة لهذه المريضة وكان من بينهم شخص تختلف ملامحه عن الأسرة، يقول لي أنه أخ المريضة في الرضاعة. عادة يكون العلاج في غرفة خصصتها المستشفى. ففي أول يوم طلب مني السيد ومعه الشخص الآخر ألا أغلق الأبواب أثناء ساعة العلاج. تعجبت للأمر وما كان منّي إلا أن قلت لهما: إما أن تتركوا السيدة للعلاج وأنا الأمين، وسوف أغلق الأبواب وإما أن تأخذاها معكما وينتهي الأمر الذي فيه تستفتيان. مرّت الأيام وصار العلاج يسير على قدم وساق وذات يوم أتاني هذا الشخص الآخر يطلب منّي أن آتي إلى الغرفة التي تسكن بها الأسرة لمناقشة سير العلاج. ذهبت إلى هناك فجلسنا أنا وأفراد الأسرة في المقاعد الوثيرة وشرع الشخص الآخر ذو السحنة السمراء في دأب يحضر في القهوة والشاي ومن ثمّة ولسبب ما، احتدّ النقاش بين السيدة الأم والشخص الآخر في أمر تافه لا أذكره الآن، وفجأة صرخت به أم المريضة قائلة: أسكت يا عبد! والله يا سادتي وكأنها صاعقة وقعت على رأسي وساد بالغرفة صمت عميق.
العبوديّة القديمة والحديثة، ما الفرق؟
بالرغم من ظهور مصطلح “العبوديّة الحديثة” الذي ينطوي على وصف الأشكال العصريّة للاسترقاق فلا زال شكلها القديم قابع متوسد أوساطنا العربيّة إلى الآن. نجد في هذا السياق أن بعض دول الوطن العربيّ تعامل ما يقارب خمس عدد مواطنيها باعتبارهم عبيدًا. للأسف لا زالت دولة مورتانيا تمارس هذه العادة ولا يزال الأسياد هناك يتمتعون بامتلاك آخرين يبيعونهم ويشترونهم، يورّثونهم لأبنائهم، ويمكنهم إرسالهم هدايا، ويفعلون بهم وفيهم ما طاب لهم، فهم ملك، مثل السيّارة أو الدابة، لا أكثر ولا أقل. أذكر أن ابن عمّ لي كان يدرس بالجزائر وكان يعرف صديقين من موريتانيا، أتيا كلاهما للدارسة هناك وكان لكليهما منحة دراسية. يقول: عندما نأتي إلى السكن، يقعد أحدهما كالسيد ويقف الثاني كالعبد يعمل ويطبخ وينظف بيد أنهما الاثنان طالبان بالجامعة، والعبد ولله في خلقه شؤون أذكى من سيّده، فقلت له كيف يكون ذلك، أجابني: هذا ما رأيت بأمّ عينيّ والله على ما أقول وكيل.
موريتانيا الأولى في الصحافة وفي العبوديّة!
ربما يعلم الكثيرون منّا يا سادتي أن موريتانيا قد تصدرت قبل بضع أعوام (٢٠١٦) قائمة تصنيف الدول العربيّة في مجال حريّة الصحافة والتعبير وقد تفوّقت بذلك على جلّ الدول العربيّة وانفردت بالمركز ال٤٨ عالميّا في تصنيف المؤشر الذي يصدر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” الدوليّة والذي تضمن تصنيف حوالي ١٨٠ بلدًا من بلدان العالم. عندما يقرأ الفرد منّا هذا الإعلان يتبادر إلى ذهنه أنه أمام دولة حقوقيّة مئة بالمئة لكن الأمر غير ذلك فهذا البلد احتلّ المركز الأول عالميا في تجارة الرق والعبيد.
ما زالت موريتانيا تتصدر حتى قبل بضع سنوات عجاف مؤشر الاستعباد العالميّ منذ عام ٢٠١٣ على مستوى الدنيا إذ أنها أكثر الدول التي يسود فيها نظام عبوديّة البشر واسترقاقهم وهل تعلمون يا سادتي أن في ذاك العام أن حوالي أربعة بالمئة من سكان هذا البلد يسطلون نار العبوديّة، ذلك يعادل حوالي قرابة المائة وستين ألف نسمة من أصل ما يقارب أربعة ملايين مواطن موريتاني. بينما تشير منظمة “ووك فري” العالميّة أن الأعداد الحقيقة أكثر من ذلك بمراحل وربما تصل إلى خمس السكان (٢٠٪) وللأسف ولأسباب اجتماعيّة كثيرة تنعدم سبل التواصل لمعرفة إحصاءاتهم الحقيقة. وفي نظري أن الأعداد بدون أدنى شكّ أكبر والقضية أعمق والجائحة الاسترقاقيّة أثقل ونحن نرفل في مطلع الألفيّة الثالثة ولا زالت هذه القضايا الجوهريّة عالقة في صميم سياستنا العربيّة واستغرب أنا لوجود جامعة عربيّة تستقصي كل الذين يصطلون بنار العبوديّة ولا تحرك ساكن، لذا فعليّ أن أسميّها اللاجامعة العربية أو قل الجائحة العربية لأنها كالنعامة تضع رأسها في الرمل ولا تحرك ساكن. نتمنى أن يتغير الحال بموريتانيا وبعض المؤشرات تشير إلى تصحيح المسار وعليهم أن يعملوا بمبدأ: لا فرق لعربيّ على أعجميّ أو لأبيض على أسود بأي حال من الأحوال، فالمساواة في الحقوق الإنسانيّة واجبة على كل مواطن وينبغي أن يكون الناس أمام القانون في الواجبات والحقوق كأسنان المشط، لا تفرقهم إلا أعمالهم ودأبهم من أجل الوطن.
الأدب الأفريقي المناهض للعنصرية:
عندما كنت بجامعة لوميير (ليون الفرنسيّة) تعلمت بعض الأشياء التي غابت عليّ في حضن العشيرة، أننا نحن أيضا في إفريقيا والوطن العربيّ بنا من العنصرية البغيضة ما بنا وسلكت أبحث عن آثار الاستعمار والعبوديّة التي حطمت كل أنفاس الأمّة وتركت جرحا غائرا في الأسر الأفريقية ظل ملموسا ومحسوسا إلى يومنا هذا. نعم، أيقنت أننا نحن جميعنا في أفريقيا وبالوطن العربيّ على حد سواء جزءا لا يتجزأ من هذه المنظومة البغيضة ووقفت على أن موريتانيا أسقطت نظام العبوديّة في منتصف ثمانينيات القرن المنصرم (١٩٨٤) وأن القبائل الأفريقيّة والعربية كانت تستعمل هذا السلاح البغيض: تسترق أثناء الحروب أفراد القبائل الأخرى من الصغار والكبار ليباعون في المزادات العلنيّة ورأينا حتى في الفترة الأخيرة أثناء حقبة الحكم الداعشيّ بالعراق وسوريا ما ألمّ بصبايا اليزيديين اللائي تمّ بيعهنَّ في أسواق العبيد، ورأينا المقاطع المصورة للشباب الملتحين المتفاخرين باستعبادهم لأولئك النسوة الحرّات من بني جلدتهم، لا شئ يفرقهم إلا المعتقد، لا شئ يباعدهم عن بعض إلا الشرع المتباين ولا شئ يجعلهم ينقضون عليهنّ كالضباع المسعورة إلا لأنهنّ يتبعن لإثنيّة أخرى.
ذهبت أتعلم عن شعراء الزنجيّة الذين نادوا بتحرير الشعوب من الاستغلال والاستعباد، درست شعر الشاعر الفرنسيّ إيميه سيزير والسنغالي الفذ ليوبلد سيدار سنغور وعرجت إلى عمالقة الحركة التحريريّة في أمريكيا منهم ديوبويس وغيرهم وعرفت أن الشعر العربي يُعنى بنفس المسائل كما عند العملاق محمد مفتاح الفيتوري، فهو شاعر بجنسيات مختلفة، سودانيّ الأم، ليبي الأب، مصري الموطن، مغربيّ المقام، وعالميّ الانتماء. عندما قال أنا أفريقيّ، أنا أسود، لم يختبئ من لسعة الألسن المستعربة اللاذعة، التي تضمر في نفسها كل سوء للكلمة، قالها وهو يعلم، أن الأمريكيّ الذي سلبت حريته ونقل إلى ما وراء الأطلسيّ كان حرًّا في بلاده أفريقيا، وكان ملكا بين أهله وأميرا في صحن بيته وعشريته، لكنه صار غريب الوجه واليد واللسان في بيئة لا تحرم ولا تجعل رحمة السماء تتنزل. كيف يتثنى لإنسان، أن يأتي إليك في بيتك ويكبلك بالأغلال ويقول لك من اليوم فصاعدا أنت ملك لي؟ كيف؟! ألا توجد هذه العبوديّة في وطننا العربي، إن كانت الإجابة بلا، فسلوا أهل العلم إن كنتم لا تعلمون. فهناك من الحكايات والمرارات إن سطرتها الأقلام وحفظتها الأحبار، ما ينوء بحملها ذوي العصبة أولي القوة. قولوها واقسم أن الإنسانيّة تتنظر المجاهرة بها!
الإسلام والمسيحيّة ملاذ للمسترقين:
كان ملاذ البشر ذوي الأصل الأفريقي بأمريكا في فترة الستنيات أنهم لجؤوا إلى الإسلام والدين عموما، فظهر فيهم رسل نادوا بحق تقرير المصرير، وكان منهم مارتن لوثر كينج ومنهم مالكوم إكس، إذ نادوا وقتئذ بعدالة البشر، وأن لا فرق بين أبيض وأسود، أحمر وأزرق، وناهضوا قيود العنصريّة بسلمية تبحث عن مثيل، لكنهم قتلوا كما قتلت الرسل من قبلهم، فكل رسول في عشيرته ممقوت، مسلوب الحقوق، منبوذ حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
مدن ألمانيا والعالم تنتفض من أجل الحريّة والعدالة
لقد شاهد العالم بأسره مقتل هذا الشباب، والأب الرؤوم الذي ألقت زوجته اليوم كلمة انكتمت أنفساي عند سماعها قائلة ومشيرة إلى ابنته الصغيرة الجاثمة بقربها: هذه البنت لن تستطيع – كباقي الأطفال – اللجوء في وقت الشدّة إلى أب يضمد جرحها، ولن تستطيع أن تناديه لتقول له غدا موعد تخرجي من المجامعة ولن تستطيع أن تقول له قريبا يوم عرسيّ، فسوف ترفل إلى بعلها دون أب تضع ذراعها فوق ذراعه باتجاه المأذون!
لقد احتج مئات الأشخاص في كل من ميونخ، برلين، شتوغارت، بريمن وكونستانس وحتى خارج ألمانيا بلندن وفيما وراء البحار تضامنا مع المتظاهرين في الولايات المتحدة، عقب مقتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد. بدأ الغضب العارم بتسجيل مصور أظهر رجل أمن يجثو على رقبته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. كان مقتل هذا الشاب متنفسا لضغوط تراكمت عبر الحقب والسنين لكل حادب على الديموقراطية وعلى حفظ حقوق الإنسان. فلم تكن المظاهرات التي امتد نطاقها في كل مدن العالم تنادي فقط بتحقيق العدالة للمجني عليه ولكن بالعدالة للكل وبالإنسانيّة للجميع في كل بقعة من بقاع المستديرة.
لقد تسببت هذه الحادثة في اشتعال احتجاجات عارمة بالولايات المتحدة أججها الغضب الكامن لدى الأمريكان ذوي الأصول الأفريقية وغيرهم من الأقليات الإثنيّة منادين بعدم تحيز العدالة – كما هي الحال إلى الآن – للرجل الأبيض! بينما كانت غالبية التظاهرات والاحتجاجات سلميّة كما كانت ثورة أكتوبر المجيدة بالسودان، لكن سرعان ما تحول أجيجها في بعض المدن إلى إغلاق لحركة المرور وإضرام النيران والاشتباك مع الشرطة التي ردّت عليها بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص البلاستيكيّ من أجل إعادة فرض النظام بالقوة كما وهدد الرئيس الأمريكي بإنزال الجيش إلى الشوارع ونجد بعض البيض في المدن الجنوبية مدججين بالأسلحة الثقيلة متناثرين في الشوارع المختلفة عازمين على اخماد هذه الثورة بالسلاح وكأننا يا سادتي قد عدنا إلى عهد الرق والعبوديّة! ومن ناحية أخرى ذكر محامو أسرة، جورج فلويد أنهم قدموا طلبا بتشريح مستقل للجثة، بعد أن أثار الطبيب الشرعي شكوكا من أن الاختناق هو سبب الوفاة.
السلام والعدالة والإنسانيّة هي الحل، والخالق جعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف. فسلام على الدنيا إن لم تعِ الدرس وسلام على البشريّة إن سارت بنفس المنوال.




