سياسة

كلمة معهد جنيف لحقوق الإنسان

بمناسبة اليوم العالمي للقضاءعلىالعنف الجنسي في حالات النزاع

في التاسع عشر من حزيران/ يونيو من كل عام وفي احتفال اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، تتداعى شعوب العالم لتخرج زفرات حرّى تجمّعت في دواخلها مكوّنة غصّة ما من إخراجها بدّ، استهجاناً واستنكاراً لما يتعرّض له بعض ذويهم في الإنسانية من ممارسات وحشية تنبئ عن انتهاكات يؤكدها العنف الجنسي الذي يناقض الفطرة السليمة، ليس الغرض منه إشباع غريزة إنسانية وفق ما حُدّد لها ، بل هدف الفاعلين لهذه الممارسات إذلال المفعول بهم وتخويفهم وإخضاعهم للابتزاز. وهذه الممارسات تتكرر كثيراً في حالات النزاع حيث يعتبرها الظلمة وسيلة ضغط وإرعاب للخصم كسراً لشوكته ونزعاً لكبريائه. لذلك حدّدت الأمم المتحدة أن يكون يوم التاسع عشر من حزيران / يونيو يوماً دولياً للقضاء على ظاهرة العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات وتكريم ضحايا العنف الجنسي في جميع أنحاء العالم. والأمم المتحدة رغم أن عملها يشمل مناطق عدة في العالم إلا أنّها عاجزة عن وضع رقم محدد لحالات العنف الجنسي في مناطق الأزمات؛ إذ يشير عاملوها في الميدان إلى أنه في مقابل كل حالة اغتصاب واحدة يبلّغ عنها، توجد 10 إلى 20 حالة اغتصاب لا يبلّغ عنه.  ومصطلح “العنف المرتبط بحالات الصراع” يشير إلى الاغتصاب والتجارة الجنسية والبغاء القسري والحمل القسري والإجهاض القسري والتعقيم القسري والزواج القسري، وغيرها من أشكال العنف الجنسي مما لها نفس الأثر الذي تتعرّض له النساء والرجال والفتيات والفتيان سواء كان ذلك تعرضاً مباشراً أو غير مباشر مما يتصل بالعنف. وهناك اعتراف دولي واسع  بأن العنف الجنسي يُستخدم كاستراتيجية متعمّدة لتمزيق نسيج المجتمع وللسيطرة عليه وترويع أهاليه وإجبار الناس على ترك منازلهم.

إن الاحتفال باليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع يحمل في باطنه توحيد فطرة الإنسان السليمة التي جُبل عليها، وترفض أيّ ممارسة أو فعل تحقّق بالقوة ظلماً، كما أنّ فيه مخاطبة للعالم أجمع أنّ تتوحد جهوده لمواجهة جذور الممارسة المتمثلة في المتنازعين وضرورة المعالجة المفضية إلى إبعاد الأبرياء من ضعفاء المجتمع عن أوار معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل لابد من مراعاة أخلاقيات الحروب والمنازعات حتى لا يكون المفعول بهم وسيلة تتّخذ لإجبار الخصم على التنازل وترك ما هو عليه. نعم فإن إشباع الغريزة الجنسية واحدة من الضرورات الإنسانية التي لابد من إشباعها وهي فطرة لا اختلاف حولها، ولكن دافع تنفيذها المودة والمحبّة لتحقيق غاية سامية هي التكاثر وحفظ النوع، وهي ليست مطلقة وإنّما مقيدة بشرائع وقوانين تضبطها منعاً للفوضى. ولكن للأسف ما يمارس في حالات النزاعات كثيراً ما يكون متجاوزاً ومنتهكاً لكل الأعراف والقوانين إذ يُفترس المجني عليهم من الخصوم دون تهيئة أو حوار في انتهاك سافر لأبسط حقوق الإنسان، والدليل على ذلك ما أكده مكتب الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش”، بأن أطراف النزاع في سوريا يستخدمون العنـف الجنسـي كأســلوب منـهجي مــن أساليب الحـرب والإرهـاب والتعـذيب، وكذلك في العراق حيث شن تنظيم داعش الإرهابي على مدى العامين الماضيين حملة واسعة النطاق ومنتظمة من العنف الجنسي، مما يستوجب وقفة إنسانية قويّة لمقاومته.        

معهد جنيف لحقوق الإنسان في احتفال اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، وبحكم أهدافه التي تتسابق فيها الخطى من أجل تحقيق مجتمع آمن ومستقر، يطلق زفراته متضامناً مع الرفض الدولي للممارسات الوحشية التي يتعرض لها بنو البشر في مواقع عديدة من أركان الدنيا خاصّة في دول الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق ودول شمال أفريقيا مثل ليبيا والسودان في فترة حكم الإنقاذ. ويرسل معهد جنيف نداء الإنسانية للمتنازعين في مشارق الأرض ومغاربها منوّهاً إلى مآسي ما يخلّفه العنف الجنسي من مضار صحية أو نفسية، بالذات في هذا العام الذي يتزامن مع وباء فيروس كورونا التاجي الذي يؤثر بشكل كبير على حياة الضحايا والناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، فضلاً عن غرس الكراهية بين فصائل المجتمع الإنساني، وينشد المعهد أن تتضافر الجهود لوضع حدّ للانتهاكات الإنسانية بمختلف صورها حتى يشهد عالم الإنسان في مقبل الأيام الأمن والاستقرار أعمدة التنمية المستدامة.

يطالب معهد جنيف لحقوق الإنسان جميع الأطراف في النزاعات المسلحة بأن تحترم القانون الدولي المنطبق على حقوق النساء والفتيات وحمايتهن وخاصة باعتبارهن مدنيات، ولا سيما الإلتزامات المنطبقة على هذه الأطراف بموجب إتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولها الإضافي لعام 1977 ، وإتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967 ، وإتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1977 ، وبروتوكولها الإختياري لعام 1999 ، وإتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989 ، وبروتوكوليها الإختياريين المؤرخين 25 أيار/مايو 2000 ، وأن تضع في الإعتبار الأحكام ذات الصلة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

كما يدعو معهد جنيف لحقوق الإنسان جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والأفراد من خلال  الإحتفال  بهذا اليوم للتوعية بخطورة الظاهرة وبالحاجة إلي وضع حد للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة وتكريم ضحايا العنف الجنسي والناجين منه في جميع أنحاء العالم، وإتخاذ التدابير اللازمة لردع ومعاقبة المتورطين في الإغتصاب الجماعي الذي يمارس أثناء النزاعات المسلحة، ووضع حد للإفلات من العقاب ومقاضاة المسؤولين والتكفل يضحايا الاعتداءات الجنسية  أثناء النزاعات المسلحة وضمان العناية الواجبة بهن  و متابعتهن  وحمايتهن والإشادة بكل الذين كرسوا حياتهم من أجل القضاء علي هذه الجرائم وجادوا بأرواحهم في سبيل ذلك.

جنيف 19 يونيو 2020م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق