ثقافة وفن

المجذوب … قَدَرُ النِّسيان البارد

بابكر الوسيلة

كشفت لنا ديزي الأمير (١)، القاصَّة والكاتبة العراقيَّة في العدد (٧٨) من مجلَّة النَّاقد المتوقِّفة الصُّدور، عن أمر في غاية الخطورة والأهميَّة بالنِّسبة لاستنطاقات شاعرٍ كبيرٍ له أهميَّته القصوى في الثَّقافة السُّودانيَّة، بل والعربيَّة أيضاً. فقد أوضحت ديزي الأمير، من خلال مقالتها التي جاءت تحت عنوان: (السِّيرة الضَّائعة.. رجاء النَّقَّاش(٢) يُخفي رسائل الشَّاعر محمد المهدي المجذوب إلى ديزي الأمير) أنَّ هناك رسائل طويلة وعديدة، كان شاعرنا المجذوب يُرسلها إليها في فترات متقارِبة، وقد أعطت_ بعد إلحاحٍ _ هذه الرَّسائل إلى النَّاقد المصريِّ رجاء النَّقَّاش؛ من أجل وضعِها في كتاب بعد التَّحقيق والتَّعقيب عليها؛ كما فعل مع رسائل أنور المعداوي إلى فدوى طوقان؛ إلَّا أنَّ النَّقَّاش لم يلتزم بوضع هذه الرَّسائل في كتاب، وعرضها للنَّاس بعد رحيل شاعرنا المجذوب، بل اكتفى بالصَّمت حيال هذه الرَّسائل المُهمَّة من شاعر يُمثِّل قولُه؛ حنَّى خارج سياق الشعر، إضاءة جديدة لمكنونات إبداعه الشِّعريِّ وذاته الفريدة. وتساءلت ديزي في نهاية مقالها عن ماذا حلَّ برسائل الشَّاعر الكبير محمَّد المهدي المجذوب؟

وإن كنَّا، داخل ثقافتنا السُّودانيَّة، مهمومين بالإجابة عن هذا السُّؤال؛ إلَّا أنَّنا لا نطرح هذا السُّؤال إلَّا بعد نزع تلك الرسائل من سياقها الشَّخصيِّ لتكون مفتوحةً للفضاء الثقافيِّ العام، كما أنَّنا أيضاً لا نطرح هذا السُّؤال بُغية التَّجريح والشَّكِّ في هذا النَّاقد المصريِّ رجاء النَّقَّاش، الذي عرَّف كثيراً ثقافتنا للآخرين، بل هو واحد من أهمِّ النُّقَّاد المهمومين برموز ثقافتنا السُّودانيَّة، ولكنَّنا، رغم ذلك، نتمسَّك بهذا السُّؤال حتَّى يُجاب عليه بطرح هذه الرَّسائل في كتاب يسمح للنُّقَّاد والقُرَّاء بتلمُّس جزءٍ لا نستطيع أن نتركه للنِّسيان البارد الذي ما زال يتثلَّج تحته هذا الشَّاعرُ الكبير.

غير أنَّنا نسأل: ما الذي يعنيه شاعرٌ ما بالكتابة إلى أحد ما، لا يعرفه إلَّا من خلال لقاء مجاملةٍ حدث بالصُّدفة؟ ما الذي يستبطنه من وراء رسائل طويلة ومتقارِبة، فيها تفاصيل دقيقة، كأنَّها سيرة ذاتيَّة؟

نعلم أنَّ الكتابة حينما تتفجَّر من شاعر كبير كالمجذوب، خارج سياق الشِّعر، يجب أن تستوقفنا لنُعانيَ تشظيَّاتها المتعدِّدة، ولنكشفَ بإضاءتها، ولو قليلاً، مجذوبنا المختفي، فهي (أي الرَّسائل) تُصوِّر، كما قالت ديزي، حسَّه الإنسانيَّ والوطنيَّ والثَّقافيَّ العميق. ونعلم، أيضاً، أنَّ الكتابة بالنِّسبة للشَّاعر، لا تأتي إلَّا لحاجة يُريد أن يضع بها نجمة أحرُفه ونجمة ذاته.

الكتابة، خارج الشِّعر، تُضيء الشِّعر إن لم تكن تكشفه في الكثير من جوانبه، وفوق ذلك، هي نافذة على اللَّحظة (بكلِّ حمولاتها)، ندخل عبرها في استضافة الذَّات الشَّاعرة لتؤانسنا حول همومها ومحمولاتها المعرفيَّة والرُّوحيَّة.

الكتابة من شاعر حول/ عن نفسه، يجب أن نعيد قراءتها أكثر من مرَّة، فهي كذات الشَّاعر، عصيَّةٌ الفهم والاقتحام، ولكنَّها (أي القراءة وإعادتها) مُمكِنة التَّحقُّق إلى درجات مختلفة، فالشَّاعر قد رحَّب بنا سلفاً ما دام يكتب إلى آخر.

لا نسأل: لماذا كتب المجذوب بالتَّحديد إلى ديزي، هذه البعيدة عنه، والتي لا يعرفها معرفة حميمة وعميقة؛ وإنَّما نسأل: لماذا كتب المجذوب بالفعل رسائل إلى أحد غريب؟ السُّؤال الأوَّل شخصيٌّ يهمُّ المجذوب دون غيره؛ أمَّا الآخَر، فهو لفضاء القارئ الثَّقافي العام. ومن حقِّنا، بل ومن واجبنا أن نُحاول الإجابة عنه ضمن فضاءاتنا الثَّقافيَّة المفتوحة، وربَّما مكَّنتنا الإجابة عن هذا السؤال، من المعرفة التي نفتقدها حول هذا الشَّاعر، أي المعرفة بمحيطه الثَّقافيِّ والاجتماعيِّ الذي شكَّل تجربة شاعرنا العميقة، وغير المكتشفة حتى الآن. فالمجذوب، على حدِّ قول ديزي، صاحبة الرَّسائل (الأسرار) شاعر كبير ومظلوم، ولم يكتب عنه ما يستحقُّه. وهو كما يقول أديبنا الكبير الطيِّب صالح: لم يُقرأ بعدُ”.

تقول ديزي، التي تعرَّفت على المجذوب أكثر من خلال رسائله الطَّويلة: “كنتُ أُحسُّ بأنِّي أُقدِّم خدمة للشَّاعر المجذوب الذي أهمله النُّقَّاد ونسيَهُ النَّاس، وهو الإنسان الفاضل، الدَّمث الوفي، المتعَب، المحتاج إلى بثِّ همومه العميقة”. نعم، إنَّ هذه الرَّسائل، إنْ نُشرت، تخدم الشَّاعر في العمق، أي تخدم تجربته الشِّعريَّة وتخدم ثقافته وتخدم أيضاً المعرفة بالشُّروط الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة التي كان يكتب تحتها المجذوب. فهذه المفردات (الاجتماعيَّة) “فاضل، دمث، وفي، متعَب، محتاج”، هل كان بإمكان ديزي اكتشافها، وهي البعيدة عنه، لولا هذه الرَّسائل، والتي هي بالفعل قد تكون مادَّة خاماً تركها الشَّاعر لإعادة تشكيله ضمن سياقاتنا الثَّقافيَّة الحاليَّة.

نعلمُ أنَّ أسئلة الشَّاعر ليست هي أسئلة الشِّعر، وأنَّ فضاء الشَّاعر ليس هو فضاء الشِّعر؛ ألا تُشكِّل هذه الرَّسائل جزءاً – وإن كان قليلاً – ولكنَّه مهمٌّ لمعرفة أسئلة الشَّاعر، وفضائه الثَّقافيِّ والاجتماعيِّ، والتي هي ضروريَّة لمعرفة أسئلة شعره أيضاً؟

أقول، ما دام شعره بين أيدينا ونحن منشغلون عنه، لظروف تاريخيَّة وثقافيَّة؛ فعلينا، إذن، أن نُراكم كتابته خارج سياق الشِّعر، عسى أن تُفيدنا غداً.

إنَّ رسائل المجذوب هي رسائل الثَّقافة السُّودانيَّة إلى الآخَرين، وإنَّ حمولات رسائله، هي حمولات ثقافته؛ ما دام هو متجذِّر فيها.

هل كان المجذوب يَعمد إلى فتح نافذةٍ على هذا الشَّرق المُغلَق، بتلك الرَّسائل؟ هل كان يُريد أن يُحرِّكَ أمواج ذلك الخليج، باتٍّجاه نِيلهِ الأدبيِّ الأدنى، فيما هو يُنضج ثمارَ كرَمهِ الشِّعريِّ على نار المجاذيب؟

أعود فأقول إنَّ هذه الرَّسائل التي وإنْ وُصفت بالأسرار، إلَّا أنَّها، أخيراً، أسرار ذاتٍ شاعرةٍ وأسرار ثقافة، وكم نحن محتاجون لمعرفة أسرارنا الثَّقافيَّة ممَّا وراء الحُجُب! فعلى النَّقَّاش، إذن، أن ينقش بأحرُفه شيئاً عن أمر هذه الرَّسائل؛ فحتَّى هذه اللَّحظة، لا نعرف هل هو قد كشف شيئاً عن هذه الرَّسائل أم لا، فربَّما يكون الكتاب المقترَح قد أُنجز بالفعل، وكما أتخيَّل أنَّ هناك كتابات عديدة قد تتبَّعت أثر مقالة ديزي، ولكنَّنا هنا نُعاني من قَدَر النِّسيان نفسه.

أخيراً، فإنَّ رسائل هذا الشَّاعر، التي وصفتها ديزي بعبارات (الأصدق والأوضح والأهم)، أقول إنَّها تُمثِّل واحدة من الكتابات (الإضاءات) التي نُراكمها للشَّاعر خارج سياق شعره، فلعلَّ ما سيأتي من زمن، يحمل لنا لحظةَ القراءة ومائدةَ الحوار مع شاعرٍ ما زال يستعصي علينا فتح بابه المُغلَق، وهو الذي يُنادي علينا أن تفضَّلوا برحابة ومحبَّة.

 

* نُشر هذا المقال بمجلَّة الخرطوم في نهاية التَّسعينيَّات دون ذكر تاريخ محدَّد على غلافها.

١) ديزي الأمير أديبة عراقية حاصلة على ليسانس في الأدب العربي، عملت مديرة للمركز الثقافي في بيروت لبعض الوقت.

لها عدد من الأعمال القصصيَّة المنشورة

٢) محمَّد رجاء عبد المؤمن النَّقَّاش، ناقد أدبي وصحفي مصري. تخرَّج في جامعة القاهرة قسم اللُّغة العربيَّة عام 1956 وعمل بعدها محرِّراً في مجلَّة روز اليوسف المصرية بين عامَي 1959 حتَّى سنة 1961 ثمَّ محرِّراً أدبيَّاً في جريدة أخبار اليوم وجريدة الأخبار في الفترة من عام 1961 حتَّى عام 1964، كما كان رئيساً لتحرير عدد من المجلَّات المعروفة

تاريخ ومكان الميلاد: 3 سبتمبر 1934

تاريخ ومكان الوفاة: 8 فبراير 200 (ويكيبيديا)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق