آراءسياسة

خطة ممنهجة لإغراق السودان؟ السدّ الإثيوبي وإمكانات إطلاق 9.28 مليار م³ في 4 أيام

محمد عثمان الفاضلابي

الأستاذ الفاضلابي محلل سياسي وكاتب
الاستاذ الفاضلابي
محلل سياسي وكاتب

رغم أن كمية المياه التي تم إطلاقها يوميًا من السد الإثيوبي لم تتجاوز 730 مليون متر مكعب فقط، وبلغ مجموع ما تم تصريفه خلال أربعة أيام نحو 2,920 مليون متر مكعب، وفقًا لبيانات وزارة الري،
إلا أنها كانت كافية لإغراق المزارع وإتلاف المحاصيل وتدمير المنازل.

السؤال: ماذا لو تم تصريف 2.32 مليار متر مكعب يوميًا؟ أي ما يعادل 9.28 مليار متر مكعب خلال أربعة أيام، وهي الكمية القصوى التي يمكن للسد إطلاقها عبر جميع بواباته، بحسب ما نشره اليوم المهندس عبد الكافي الطيب، وما حذر منه منذ سنوات المهندس دياب حسين دياب (ممثل السودان في لجنة الخبراء الدولية)، والدكتور محمد الأمين النور (مدير الخزانات السابق بوزارة الري)، وكذلك البروفيسور يونس عبد الله (مدير مركز البحوث بوزارة الري)، إلى جانب عدد من المختصين.

إن تصريفًا بهذا الحجم يعادل ثلاثة فيضانات ونصف يوميًا، وإذا استمر لمدة أربعة أيام، فإن النتيجة ستكون غرقًا ودمارًا شاملًا للقرى والمدن الواقعة على ضفاف النيل. إذ تأتي الفيضانات في وقت واحد: يغمر الأول مجرى النهر والشاطئ، والثاني يغمر المناطق المحيطة، والثالث يمتد إلى خارج المجرى، ما يؤدي إلى ارتفاع مدمر في منسوب المياه. وهذا يوميًا كفيل بتدمير السودان النيلي بالكامل.

ما حدث هذا العام ليس خطأ في التشغيل، بل هو مخطط ممنهج، لأنهم حجزوا المياه في وقت الجفاف عمدًا وأطلقوها لنا الآن.

القياديون في المؤتمر الوطني، أمثال البشير ونافع وعلي عثمان وغندور ومعتز موسى وأسامة عبد الله وغيرهم، يتحملون المسؤولية في شرعنة السد المدمر.
حميدتي وجماعته دعموا السد لمكاسب سياسية وتحالفات مع الأحباش.
البرهان لا يزال يثق في أعوان الأحباش باللجنة الفنية ولم يحاكمهم. ومالك عقار وجميع أعضاء مجلس السيادة لا يهمهم الخطر، رغم أن ولاية مالك عقار هي الأكثر تضررًا والمهددة بالدمار الشامل.
ومجلس الأمن والدفاع لم يهتم بمخاطر السد.

مريم الصادق ذهبت إلى مجلس الأمن وبدلًا من أن تشتكي من خطر السد، أشادت به وبمزاعم فوائده، رغم أن الخبراء شرحوا لها المخاطر. وهذا يكشف عن عمالتها للإمارات التي تقف خلف السد.

بعض القياديين في الحزب الشيوعي، أمثال الأستاذ علي سعيد، وكذلك في الحزب الاتحادي، دعموا السد المدمر دون تخصص أو معرفة بمخاطره.
حمدوك وياسر عباس وعناصر قوى الحرية والتغيير دعموا السد المدمر.
معظم أعضاء لجنة التفاوض خانوا شعب السودان وشرعنوا للأحباش سلاحًا خطيرًا يمكنهم من تعطيش وتدمير السودان.

كذلك بعض الإعلاميين، أمثال محمد نوار، إبراهيم شقلاوي، خالد الإعيسر، عائشة الماجدي وغيرهم، روجوا للسد وضللوا شعب السودان بمزاعم باطلة لا أساس لها من الصحة. بل نصبوا أنفسهم خبراء واسترسلوا في خيالات تقييم السد، ولو كانوا في بلد يحترم القانون لتمت محاكمتهم. كذلك العميل الحبشي سلمان محمد سلمان، وهو قانوني ضلل السودانيين بتقييم فني من خياله، رغم أنه قانوني وليس فنيًا، كما أنه مستشار حكام أديس للتفاوض حول مياه النيل.

الآن وقعت الواقعة، واستعرض حكام أديس جانبًا من قدراتهم في التعطيش والإغراق. فماذا نحن فاعلون؟ هل ننتظر الدمار؟ أم نقوم بتبني قضية المتضررين وتصعيد ملف السد على المستوى الدولي، ومطالبة حكام أديس بإكمال الدراسات وتخفيض سعة السد إلى الحدود التي يمكن لبلادنا استقبالها وتصريفها؟

بعض السذج يعتقدون أن الاتفاق حول تبادل المعلومات والتنسيق هو الحل، ويجهلون أهمية السيطرة والتحكم الأحادي على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. فالتنسيق لا يلغي الإمكانية التي توفرت لدى حكام أديس للتعطيش والإغراق، لأن لديهم سدًا يسع 74 مليار متر مكعب، ويمكنه إطلاق 2.32 مليار متر مكعب يوميًا، وهي أكثر من ثلاثة فيضانات ونصف في اليوم.
هذه الإمكانية يمكن استخدامها في أي وقت يريدون، خاصة أنهم استعرضوا جانبًا منها في حالة السلم. فماذا هم فاعلون لو قرروا استعادة الأراضي التي وصفها ملكهم منليك الثاني بأنها “أراضٍ مهملة”، وطالب مؤتمر المستعمرين في برلين عام 1884 بإطلاق يده فيها وحدد حدوده بمقرن النيلين عند الخرطوم؟ وهذه عقيدتهم السياسية حول الحدود القائمة على التوسع، والمدونة في كتابه (كبر إنجشت – مجد الملوك). وقد طبق منليك ذلك باحتلال العديد من الممالك التي ضمها إلى الحبشة آنذاك، ومن بينها إقليم بني شنقول السوداني المحتل، وكامل إقليم فازوغلي (النيل الأزرق حاليًا) من الحدود الحالية حتى حدود كركوج التي أوقفه فيها الإنجليز. كذلك جزء كبير من شرق ولاية سنار، منها أبو نعامة والقلابات في ولاية القضارف. وأعلن أنه ينوي الوصول إلى الخرطوم حدودًا لمملكته، لكن الإنجليز أوقفوه.

وفي عام 1902، قام السير جون لين كارلتون بتوقيع اتفاقية نيابة عن ملك إنجلترا عن مصر والسودان، وبين منليك الثاني ملك الحبشة كدولة مستقلة، تعهدت فيها الحبشة آنذاك (إثيوبيا الآن) بعدم القيام بأي منشآت على نهر النيل الأزرق ونهر السوباط ونهر عطبرة. وبالمقابل، تُرك لهم إقليم بني شنقول لإدارته بالإيجار، مقابل 99 كيلو ذهب تدفع لملك إنجلترا.

الآن حكام أديس ينفذون مخططهم التاريخي، بينما نحن نسينا التاريخ، وسلمنا قرار التفاوض لعملاء الأحباش أو غير المختصين بالعمل السياسي. وظل تفكيرهم محصورًا في البناء، وكأنه مجرد “حائط”، وليس مشروعًا استعماريًا للسيطرة على السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق