
ساعة لعقلك
ساعة لعقلك
د. علي عفيفي
لا أحد ينكر فائدة ممارسة الرياضة لصحة الجسم، ولكن هل يستفيد العقل أيضاً من الرياضة كما تؤكد المقولة الشهيرة؟ أثبتت الأبحاث الحديثة أن ممارسة الرياضة تقي العقل من أثار الشيخوخة وتؤدي أيضاً إلى علاج بعض التأثيرات الضارة التي حدثت بالفعل1-3. في تجارب تمت على الفئران، وجد العلماء أن ممارسة الرياضة تعالج الانخفاض في معدل تكوين الأعصاب الجديدة والخلل في مركز الذاكرة (ال Hippocampus) واللذان يحدثان عادة مع التقدم في العمر3-4. العجيب هو أن نقل دم من فئران شابة إلى فئران مسنة أدى إلى تأثيرات مشابهة في الفئران المسنة 5-6. ولذلك قام فريق من العلماء مؤخراً بنقل بلازما دم من فئران مسنة نشطة (يتم السماح لها بالجري يومياً) إلى فئران مسنة كسولة (لا يسمح لها بالحركة كثيراً). وجد العلماء أن نقل البلازما أدى إلى زيادة معدل تكوين الأعصاب الجديدة في مخ الفئران المسنة غير النشيطة، كما أدى أيضاً إلى تحسين نشاط المخ وزيادة قدرة الفئران على التعلم7. تلك النتائج قد تعني أن ممارسة الرياضة تحفز من انتاج بعض المركبات الكيميائية في الدم، وهذه المركبات هي التي تساعد في علاج آثار الشيخوخة على المخ. ولكن، ماهي تلك المركبات؟ وماذا يحدث إذا تم نقلها وحدها، وليس بلازما الدم بالكامل، من حيوان نشط إلى حيوان غير نشط؟
للإجابة على هذا السؤال، قام العلماء بقياس تركيز البروتينات الذائبة في دم الفئران الشابة وكل من الفئران المسنة النشطة والكسولة. وجد العلماء أن ممارسة الرياضة تؤدي إلى ارتفاع تركيز 33 مركباً كيميائياً في دم الفئران الشابة، بينما ارتفع تركيز 30 مركب كيميائي في دم الفئران المسنة بعد ممارسة الرياضة7. وجد العلماء أن أحد هذه المركبات، ويسمى Gpld1، يشترك في العديد من عمليات التمثيل الغذائي، ولكن لم يعرف لهذا المركب أي تأثير على الشيخوخة أو النشاط العقلي من قبل.
قام العلماء بعد ذلك بدراسة ذلك المركب بصورة أكبر، فوجدوا أن زيادة تركيزه في الدم له علاقة قوية بارتفاع معدل النشاط العقلي في الفئران النشطة، وأن تلك الزيادة في التركيز مصدرها الكبد والذي يفرز كميات أكبر من ذلك المركب عند ممارسة الرياضة. هل يعني هذا أن مركب Gpld1 هو المسئول وحده عن التأثيرات الإيجابية لممارسة الرياضة؟ للإجابة على هذا السؤال، قام العلماء بحقن خلايا الكبد في الفئران غير النشطة بالجين المسئول عن انتاج مركب Gpld1، فأدى ذلك، كما هو متوقع، إلى زيادة انتاج Gpld1 في الكبد ثم زيادة تركيزه في الدم، وبالتإلى إلى زيادة معدل تكوين الأعصاب في مخ تلك الفئران وارتفاع قدرتها على التعلم. هذه النتائج تؤكد أن ممارسة الرياضة تحفز الكبد على انتاج مركب Gpld1 والذي بدوره يساعد الفئران المسنة على استعادة نشاطها العقلي وقدرتها على التعلم. ماذا عن الإنسان إذن؟ وجد العلماء أن تركيز ذلك المركب يكون أعلى في دم الأشخاص المسنين الذين يمارسون الرياضة بانتظام عن غيرهم ممن لا يمارسون أي نشاط بدني، مما يشير إلى أن مركب Gpld1 له تأثيرات مشابهة على الإنسان أيضاً7.
هل يعني كل ذلك أن استخدام ذلك المركب أو غيره قد يغنيك عن ممارسة الرياضة؟ ربما، فتلك النتائج تبشر بأدوية قد يتم تطويرها في المستقبل لتعالج آثار الشيخوخة على المخ، ولكن يؤسفني أن أخبرك أن الأبحاث مازالت في مراحلها الأولى وأن ذلك العلاج قد لا يتوفر في المستقبل القريب. حتى ذلك الحين، إذا أردت أن تحافظ على نشاطك العقلي والجسدي، فالرياضة قد تكون هي اختيارك الوحيد.
مصادر
• K. I. Erickson, M. W. Voss, R. S. Prakash, et al. Exercise training increases size of hippocampus and improves memory. Proc. Natl. Acad. Sci. U.S.A. 108, 3017–3022 (2011).
• A. Maass, S. Düzel, M. Goerke, et al. Vascular hippocampal plasticity after aerobic exercise in older adults. Mol. Psychiatry 20, 585–593 (2015).
• A. Kumar, A. Rani, O. Tchigranova, W.-H. Lee, T. C. Foster, Influence of late-life exposure to environmental enrichment or exercise on hippocampal function and CA1 senescent physiology. Neurobiol. Aging 33, 828.e1–828.e17 (2012).
• H. van Praag, T. Shubert, C. Zhao, F. H. Gage, Exercise enhances learning and hippocampal neurogenesis in aged mice. J. Neurosci. 25, 8680–8685 (2005).
• S. A. Villeda, J. Luo, K. I. Mosher, et al. The ageing systemic milieu negatively regulates neurogenesis and cognitive function. Nature 477, 90–94 (2011).
• S. A. Villeda, K. E. Plambeck, J. Middeldorp, et al. Young blood reverses age-related impairments in cognitive function and synaptic plasticity in mice. Nat. Med. 20, 659–663 (2014).
• A. M. Horowitz, X. Fan, G. Bieri, et al. Blood factors transfer beneficial effects of exercise on neurogenesis and cognition to the aged brain. Science 369, 167-173 (2020).
———————————————————————————————————————




