
باحث مغربي
إنسانٌ ساذَجٌ بلا ريب، ذاك الذي دَوَّنَ في تُراثنا، بحُسن نية، أن الله عز وجل علّم آدمَ أسماء الكائنات والأشياء والظواهر: هذا اسمه أسد، وهذا اسمه فيل، وهذه زرافة، وهذه شجرة، وتلك زهرة، وذاك سحابٌ ومَطَر… الخ!!
هل يُعقل أن يجعل رب العزة مخلوقَه الآدمي، الذي سيقع على عاتقه عبءُ الخلافة في عالم يتدافع فيه الوجود والعدم، والنور والظلمات، والإيمان والكُفر، في ظل قوانين دقيقة وصارمة، فيجعله متسلِّحاً ومتزوِّداً فقط لا غير، بذلك الضرب اليسير والبسيط والساذج من المعارف؟!
هل يجوز أن يعتقد عاقل أن الملائكة، المُمسِكين بنواصي القوانين الوجودية والكونية، والعاملين على صونها وإنفاذها، سيكونون جاهلين بأسماء الحيوانات والنباتات وأشكال الوجود الأخرى بتفاصيلها؟!
ألا يبدو من المنطقي والعقلاني، والبديهي أيضاً، أن يكون رب العزة قد علّم مرشَّحَه للخلافة شيفراتِ وأكْوَادَ القوانين التي يَخضع لها كلُّ الموجودات، بما فيها الملائكة أنفسهم، خضوعَ “سجودٍ” بكل ما يعنيه اصطلاح “السجود” من دلالات التسليم والاستسلام طَوْعاً وكَرْهاً على السواء؟!
إنّ ما علّمه الخالق لمخلوقه المؤهَّل لخلافته لهي النواميس التي ستجعله يعرف، مثلاً، كيف يحوّل الماء إلى طاقة كهربائية مُضيئة، وإلى أخرى ميكانيكية محرِّكة ودافِعة، وإنّ مثل ذلك وأكثر قوةً وتعقيداً، هو عين ما يكتشفه أبناء آدم، الآن وعلى مدار العصور، من القوانين والقواعد والمُكتَشَفات في عوالم الإنسان والحيوان والنبات، وفي الكون والطبيعة… فكأنَّنا بالأجيال العاقلة تتذكر وتسترجع وتستحضر ما تَعلَّمَه أبوها آدمُ وحياً من ربه، من خلال ما تُحققه من الاكتشافات والفتوحات العلمية المبهِرة !!
إنّ هذا النوع من العلوم، الدقيقة والراقية والمنيعة، لَهو الذي استحق سجود الملائكة عن إدراكٍ منهم بعظمة البرمجة التي كرستها عمليةُ التعلّم تلك، ووعيٍ من لدنهم بما تضعه في يد العارف بها من وسائل الخلافة الحقيقية، المحصَّنة والمدعَّمة بالعلم والمعرفة المتنوعة والواسعة، وليست تلك الخلافة التي صوّرها لنا تراثُنا المَشْيَخِيُّ شبيهةً بوظيفة رئيس المحافظة أو الجهة أو قائد الدائرة في تَراتُبِيَاتنا الإدارية والتُّرابية الهَيِّنَة !!
إن ذلك العالِم، فيما سبق من الفتوحات العلمية، الذي اكتشف على سبيل المثال، الكائنات الدقيقة، وصَنَع المجهر للتعرّف على تفاصيلها والتحكّم في جزئياتها الأكثر دقّة، أو ذلك العالِم الآخر، الذي اخترع الطائرة الأولى فغيّر بذلك وجه المواصلات إلى الأبد، قد استحضر بهذا الاكتشاف العظيم جزءاً يسيراً من شيفرات/الأسماء التي تعلمها آدم فتعرف بها على قوانين وسنن الله في خَلقه فاستحق عليها إقرار الملائكة له بالتّفوُّق والسَّبْق والغَلَبة، ولو كان ما تعلمه آدمُ من ربه مجرد أسماء للأشياء والكائنات لَما استحق حتى سجود تلميذ أو تلميذة من تلاميذ أَطوارِنا التعليمية الابتدائية، التي يتخرّج منها أطفالُنا وهم عارفون تمام المعرفة بتلك الأسماء والأشياء والكائنات !!
كم هو مُضحِكٌ ومُبْكٍ في الآن ذاته، أن نقرأ لمن نصفهم في تآريخنا وأدبياتِنا بالعلماء والفقهاء والجهابذة، وهم يُحصون بعضَ ما اعتقدوا أن آدم تعلّمه من ربه، فيَقِفون من الأسماء فحسب، عند ساكنة الغابات والصحاري والسهول والسواحل والبراري والأنهار والبحار… ثم نجد تلامذة مدارسنا الابتدائية قد ألَمّوا واسع الإلمام بكل تلك المسمّيات رغم طراوة أعمارهم… ثم نَقبَل نحن بذلك عن طيب خاطر، وهذه هي أمّ الطّامات، دون أن نُعمِل فيه العقلَ والفكرَ والمنطق، وكلُّ رسالات التنزيل الحكيم، مِن زبور وتوراةٍ وإنجيل وقرآن، تأمرنا بصريح مَزْمُوراتِها وإصحاحاتِها وآياتِها بإعطاء العقل المكانةَ اللائقةَ به في التعامل مع كتاب الوجود والتفاعل معه عُمقاً وجَوْهَراً!!
الواقع المرّ والمحزن، أن فهمَنا الغريب والطفولي لاصطلاح “الأسماء كلها”، هو الذي شكّل عائقاً خطيراً في طريق تَقَدُّمِنا وتَطوُّرِنا كأمّةٍ حاملةٍ للرسالة الخاتم، التي تبصم على تطور العقل الإنساني من إداراك الملموسات إلى الوعي بالمجرَّدات، وكأُمّة ممسكةٍ لِكتابٍ فيه ما يكفيها من الإشارات والشيفرات والأَكْواد الدالة على أسرار الوجود والعدم وسُنَنِهما، لعلها تستثمر ذلك لتُحقِّق به السبق والغلبة على باقي الأمم، فتُقنِعها بذلك التقدم وذلك السبق والغلبة بأهلية الإسلام لأن يكون دستوراً للناس كافة… ولكنها، لشديد الأسف والخيبة، اختارت أن تَرْكُن إلى تراثها الهجين، وترتاح لفذلكات مُفسريها ومؤرخيها، وشيوخ طرائِقِها، ومنظّري مذاهبها التي فرّقت دينها، وأثخنَت في تشتيت شَمْلِها، وجعلتها “شِيَعاً كلُّ حزبٍ (منها) بما لديهم فرحون”، وقد نهاها كتابُها عن ذلك فاختارت السهل والأسهل وركنت إليه… والنتيجة ها هي ماثلةٌ أمامنا بلا غِطاءاتٍ تَستر السَّوْءَات، ولا مساحيقَ تُخفي العيوبَ والعَوْرات!!
ألاَ إن “الأسماء كلها” التي علمها الحق لآدم ليست إلّا شيفرات الوجود الكوني والإنساني وغير الإنساني، بكل دقائقه وتفاصيله، وإن الذين استطاعوا ان يقرأوا هذه الرسالة التعليمية الربانية هم الذين استطاعوا بتحصيل الحاصل أن يدركوا المعرفة، وأن يُنتِجوا المعرفة، في زمن ما عاد فيه من اقتصاد قادر على تحقيق التميُّز والتفوّق إلاّ “اقتصاد المعرفة”… أما نحن، الحاملون للرسالة الخاتم والملقون بها وراء ظهرنا، فقد اخترنا عن طواعيةٍ وبكل أريحيةٍ دورَ “المستهلك لمعارف الآخرين”… إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً في سياق قدرته ومشيئته !!!
اليوسفي




