ثقافة وفن

مدائن المعرفة

غزال يرقد على محيطه الأطلسيّ

الدار البيضاء «كازابلانكا» المغرب

هاجر شريد*

مدينة المقاومة والنضال، نابضة بالحياة لا تعرف النوم أبدا فهي غارقة في صخب لا يهدأ، يراها البعض عبارة عن مجتمع مغربي صغير يوجد فيه كل المغاربة بجميع أعراقهم وأصولهم وطبقاتهم الاجتماعية. إنها «الدار البيضاء «التي تجذبك نحوها كلما حاولت الابتعاد عنها، ليصبح الفراق عنها أمرا شبه مستحيل بسبب جاذبيتها روحية وحيويتها الاقتصادية.

كانت تعرف قديما باسم «أنفا»، لكن البرتغاليون أطلقوا عليها اسم « كازا برانكا» بعدما وجدوا بها بيتا أبيض في القرن السادس عشر. ليسميها الإسبان بعدهم «كازا بلانكا»، ليطلق عليها المغاربة فيما بعد باختصار «كازا»، بأسواقها القديمة، ودروبها العتيقة ومعمارها الذي يحمل تاريخ فترات مهمة من ماضي الانسان البيضاوي.

يأتي إليها السياح من مختلف أنحاء العالم سواء الذين ينتمون إلى سياحة الأعمال بحكم نشاطها الاقتصادي الكبير، أو الذين تجذبهم بتاريخها الحافل بالبطولات ومأثرها العمرانية التي أضفت جمالية على المدينة، وجعلت كل من يزورها يرغب بالعودة إليها. فداخل هذه المدينة يركن حي « الاحباس» الذي يرجع إلى التاريخ القديم، إرتسم في فترة الاستعمار الفرنسي، فهو يجمع بين المعمار المغربي التقليدي والعصري ليكون له سحر خاص الذي قد يدفعك الى المكوث فيه لساعات طويلة، «حي «يضم أشهر متاجر الصناعات التقليدية، ويعد الوجهة المفضلة لكل عشاق الكتب. حيث يضم الأحباس بأكثر من 50 مكتبة، بعضها تُعدّ من أكبر المكتبات التابعة لأشهر دور النّشر المغربية والعربية، وتوفّر كل ما يحتاجه قاصدوها من مؤلفات عربية وأجنبية، في جميع التخصصات، كل شيء في حي الأحباس يوحي الى عراقة التاريخ، وداخل كل هذا الزخم التاريخي الذي يحتويه هذا المكان، ستجدون مطاعم تقليدية مغربية محضة، يمكنكم من خلالها التعرف على المطبخ المغربي المشهور بلذته الخاصة.

تختلف الروايات حول تاريخ تشييد حي الأحباس، فمعظم المختصين يؤكدون أن تاريخ بنائه يعود إلى سنة 1920، أي إبان الاستعمار الفرنسي، بحيث استغرق بناؤه سنوات عديدة، بسبب صعوبة تشييده، فعند دخولكه تجد أقواسه المميزة ودروبه البيضاء الضيقة من تصميم مهندسين فرنسيين، وفقا للعمارة العربية الإسلامية.

وبقلب المدينة الصاخبة، المزدحمة بكل شيء، يتواجد «باب مراكش»، من أقدم المعالم التاريخية العريقة بالدار البيضاء، فهو استطاع ان يصمد في وجه الزلازل التي أتت على بقية أبواب وأسوار المنطقة. بالإضافة إلى تصاميمه التي تمزج بين الفنون الإسلامية المغربية والأوروبية. يرجع تاريخ بناء هذا البابا إلى القرون الوسطى بتزامن مع إنشاء القلعة القديمة ليكون بوابة لها. يعتبر «باب مراكش» قبلة لآلاف الأشخاص من مختلف الجنسيات لبيع منتجاتهم أمام هذا الباب، فكل شيء موجود انطلاقا من الهدايا التذكارية إلى الملابس التقليدية والبهارات والعطور والأعشاب، ما بعني أنه شبيه بالأسواق العربية القديمة. 

للدار البيضاء أكثر من متعة، قد تقضي فيها عمرا دون أن تتعرف على كل عوالمها الساحرة، لذلك لا يمكن لسائح أن ينسى زيارة المدينة العتيقة والتجول في أزقتها للاستمتاع بشكلها المعماري، فهي أشبه بمتاهة تكتشف من خلالها أشكالا مختلفة من الحياة، تأخذك إلى التفكير والتأمل في تنوع وجمالية هذه المدينة.

وإذا أردت مشاهدة تحفة فنية من تحف المدينة فعليك زيارة مسجد الحسن الثاني الذي اتخذ من ساحل مدينة الدار البيضاء موقعا له، هو قبلة لكل المصلين، الذين يحجون إليها من كل فج عميق للصلاة فيه، في جو يملؤه الخشوع والطمأنينة. إنه جوهرة معمارية من أجمل وأشهر المآثر في المغرب، ويعد أكبر المساجد في العالم بعد الحرمين، حيث ساهم في بنائه 2500عامل و10 آلاف حرفي تقليدي، وفتح أبوابه عام 1993، بعد عملية بناء دامت ست سنوات تقريبا، وكلفت ملايين الدولارات.

«مسجد الحسن الثاني» يعد أيقونة الدار البيضاء، لأن كل من يزوره ينبهر بأبنيته الرائعة التي تستقطب الزوار من كل مكان، يعتبر بطاقة تعريفية للمدينة نظراً لتاريخه، شارع محمد الخامس، من أقدم الشوارع الرئيسية في الدار البيضاء المفعمة بالحياة، تتخلله العديد من العمارات والفنادق الكبرى المصنفة والمقاهي والمحلات التجارية. 

يرجع تاريخ إنشائه إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وتمتدّ مساحته على أكثر من 2 كلم، من ساحة الأمم المتحدة القريبة من باب مراكش. تعود تسمية هذا الشارع إلى ستينيات القرن الماضي بعد وفاة الملك الراحل محمد الخامس.

يُجسّد شارع محمد الخامس بصمةَ مخطّط المعمار الفرنسي هونري بروست، وسط المدينة، ما جعل منه شارعاً شاهداً على تطور الهندسة المعمارية في المدينة،

ويضم الشارع ايضا مجموعة من المحلّات التجارية لأفخم الماركات العالمية الشهيرة.

للبحر أهمية كبرى لدى البيضاويين فهو يمثل بوابتهم للعالم، فالمشي بكورنیش عين الذئاب والنظر إلى المحيط الأطلسي رفقة كوب من القهوة متعة لا يشعر بها سوى من جربها، فهو أكثر الأماكن جذبا ورواجا بالبيضاء للاستجمام وممارسة الرياضة في ظل وجود سلسلة من المسابح، والفنادق والمطاعم، كما أن عشاق الماركات الفاخرة يمكنهم الذهاب إلى « موروكو مول» أكبر مركز تجاري في إفریقیا، لإیجاد كل الماركات العالمية التي قد يرغب الزائر بشرائها، ناهيك عن عدد من فروع المطاعم العالمية الشهيرة.

يعود تاريخ هذه المدينة الصاخبة إلى حوالي ألف سنة قبل ميلاد، حيث كشفت دراسات أركیولوجیة عن وجود آثار تثبت أنها كانت من أقدم المناطق الآهلة بالسكان قديما، وأن الفینیقیین والرومان والبربر استقروا بها، وجعلها القرطاجیون مركزا تجاريا، واتخذها البورغواطیون في القرون الوسطى عاصمة لهم.

وكما هو معلوم أن الدار البيضاء هي العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية، وأهم مدنها وأكبرها من ناحية الكثافة السكانية بحيث يبلغ عدد سكانها حوالي ستة ملايين نسمة.

تعتبر هذه المدينة القبلة الأولى للمستثمرين والشركات الوطنية والدولية، حيث تحتضن حوالي ستين في المئة من معامل المغرب وشركاته، فضلا عن أنها تمتلك أكبر ميناء بحري. وتقع «كازا « على الساحل الأطلسي بمنطقة الشاوية السفلى على بعد 95 كیلومترا من العاصمة الرباط.

أنجبت هذه المدينة العريقة العديد من المفكرين والمثقفين والفنانين والنجوم الرياضيين، ولعل أبرزهم فرقة ناس الغيوان التي تركت تجربة فريدة في مسار الأغنية المغربية والعربية، بما تحمله من شحنات تعبيرية قاربت تطلعات كافة الأطياف السياسية، علاوة على العديد من مشاهير الفن والعلوم بشتى توجهاتها واختصاصاتها.

*(صحفية متدربة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق