سياسة

مرض اعتلال الضمير الجماعي السوداني …!

د. أمجد إبراهيم سلمان

نظرت إلى الفتاة الشرق أوسطية ذات الأربعة عشر ربيعاً بعينيها الواسعتين من خلف نظارتها الطبية الأقرب إلى الطابع الرجولي وأجابت على سؤالي بتحدٍ واضح « نعم أكذب لأن الكل يكذبون…» و أردفت قائلة « أنا متأكدة أنك أيضا تكذب في الكثير من الأحايين…». هذا الحديث دار بيني كطبيب في مستشفى الأمراض العصبية للأطفال و اليافعين الكائن في الضاحية الجنوبية من مدينة لاهاي و بين مريضتي أعلاها و التي أدخلت الى القسم المغلق للأطفال بعد أن كانت تعالج من انهيار عصبي حاد و امتناع عن الأكل و الشرب مما شككنا في أنها تعاني من مرض الأنوريكسيا نيرفوزا (ما يعني بإيجاز الامتناع عن الأكل للاحتفاظ بجسد نحيل يضاهي عارضات الأزياء و لكنه يشتط إلى درجة فظيعة يمكن أن يموت إزائها المريض) و هو مرض معروف و منتشر لدي الإناث لحد ما في سنوات البلوغ في أوروبا.

الواقع أنه و بعد جلسات علاجية استمرت لعدة اشهر تبين أن المريضة لديها إشكالات أسرية معقدة حيث أن الأم في شجار دائم مع الأب و كون الأسرة ببناتها الثلاث حضرت إلى أوروبا بقصد نيل اللجوء السياسي هروباً من اضطهادات متعددة في البلد الأم، كما إن الضغوط المتعددة على الأسرة و عدم الاستقرار النفسي للأم أدى بالأطفال الثلاثة إلى مصحات متعددة للأمراض النفسية.. مريضتى تبين أن لها عدة تشخيصات طبية و منها اعتلال في تطور الضمير الأمر الذي يصور لها إن الكذب و الإيقاع بين الآخرين بتلفيق المواقف أمر طبيعي و عادي. ذلك السلوك كانت تمارسه لحماية نفسها كأصغر طفلة بصورة تلقائية داخل أسرتها للهرب من العقاب القاسي و الابتعاد عن المشاكل قدر الإمكان، كما أن عملية الكذب و المراوغة مرت خلال العملية التربوية دون توجيه أو تقويم من الإهل المشغولين بمشاكلهم الخاصة.

في محاضرة تابعتها بعد ذلك للبروفسير فيرهاي أستاذ الطب النفسي بجامعة إراسموس في روتردام قدم لنا مقارنات متعددة كي يقرب لنا افتراضية تكوين الضمير و تعقيدات هذه المسألة في النفس البشرية، كان يسأل ماذا كنت ستفعل لو سقطت محفظة من رجل أمامك! !! ويمضي مضيفا تعقيدات أخرى للمسألة و ماذا إذا وجدت محفظة فقط و لم ترى ممن سقطت!!! و ما هو موقفك إذا كانت المحفظة تحتوي على 5 آلاف يورو!! و ماذا لو كنت حينها مطارداً من قبل البنك أو الدائنين و هذا المبلغ سيحل لك المشكلة!! و تمضي التعقيدات قدما ماذا لو أن المال سقط من مجرمين أثناء تبادلهم لطلقات نارية!!!

الإجابات على كل هذه الأسئلة كانت متعددة من قبل الأطباء الحضور و دار نقاش ممتع حول المسألة و تباينت الآراء، و قدم الرجل إضافات عميقة حول الوازع الأخلاقي أو الديني و دور الأسرة و المجتمع في إعلاء قيم الضمير و تكوينه و كيف أنه من ثم تتكون المفاهيم المجتمعية التي تحدد الخطاء من الصواب، وكيف أنها في تغير و تبدل مستمر حسب تطور المجتمعات و رفاهيتها و حساسيتها الأخلاقية التي تزداد أو تنقص حسب إحساسها بالخطاء و الصواب و القانوني و غير القانوني و الحرام والحلال…. إلى غيرها من الثنائيات.

ساهمت ظروف عودتي المتواترة للسودان خلال الستة سنوات الأخيرة أن أشهد حوداثا متعددة، منها اغتيال الشيخ ياسين على أيدي الجيش الإسرائيلي و مقتل الطفل محمد الدّرة من قبل نفس الجيش، و عدوان هذا الأخير أيضا على قطاع غزة الذي راح ضحيته ما يقارب الـمائتين من الفلسطينيين، و شاهدت بأم عيني خروج الكثيرين في مظاهرات عفوية للتضامن مع ضحايا تلك الاعتداءات.

الأمر إلى هنا يبدو عاديا ًو يعكس روحا تضامنية عالية مع مآسي الآخرين و تماهياً مع آلام بشر في بلد آخر تعصف بهم المصائب و تدك دورهم أدوات الظلم. بعيد و قبيل تلك الأحداث مرت على السودان مصائب تشيب لها الولدان و أهتز لها العالم مثل حرب الجنوب و حرب دارفور و تقاطر الحيوف و المظالم الذي أدى الى فرار مئات الآلاف من السودانيين و تشردهم إلى البلدان المجاورة يوغندا تشاد أريتريا و من أستراليا جنوبا إلى كندا شمالا، و قد راح ضحية لهذه الحروب و ما يقارب الـ 3 مليون مواطن العدد الذي كان يمثل في مرحلة ما عشر سكان هذا الوطن المنكوب، طيلة هذه الفترة لم أشاهد مظاهرات أو احتجاجات عفوية بتلك الاحجام التي شاهدتها تضامنا مع قضية تبعد عنّا آلاف الأميال، كما أنني لم أحس أن لدي السودانيين بصفة عامة إحساس حقيقي بحجم المأساة الحادثة و لا نقاشا حقيقياً حولها كشعب و لا ضرورة إنهائها. و الأمر بالطبع لا يتصل بهذه الحكومة أو تلك، بل أن الإشكال أعمق جذورا من ذلك و قد أوضحته اتفاقية نيفاشا للسلام لكي ذي عقل، حيث سلم الجيش الشعبي المارق (على حد تعبير الحكومات المتعددة) 4 آلاف أسير لحكومة السودان المركزية بينما لم يكن لحكومة السودان أسيراً واحداً بعد 22 عاما من الحرب حيث برزت الحقيقة المؤسفة ان الجيش السوداني و منذ زمن النميري كان يقضي على الأسرى حتى لا يرهق بتكاليف إعاشتهم.

في وجهة نظري إن هناك اعتلالا حقيقيا في تطور الضمير الجمعي السوداني، الذي يرى أن هناك بشر هم أحق بالحياة من غيرهم، بشر يستحقون الخروج من أجلهم في المظاهرات و التنديدات و بشر أقل قيمة يستحقون عدم المبالاة، و حتى يكون التقييم أكثر عدلا، فالأمر يتعدى الذوات الشمالية أو الجنوبية أو الغربية أو الشرقية في السودان الأمر الذي دأبنا على سماعه مؤخرا. الامر يتعلق بثقافة المركز السياسي السوداني غض النظر عن من هم على رأسه من دناقلة جعليين زغاوة شوايقة، حلفاويين جنوبيين، فعلى أيدي خليل ابراهيم أبيد آلاف الجنوبيين، و على أيدي الشماليين من حكومة عبود رحّل آلاف الحلفاويين من ديارهم دون تعويضات تذكر و قضى الآلاف منهم جراء الملاريا في خشم القربة، و هو مرض لم يكن يعرفونه في شمال الوطن، أيضا ارتكبت الحكومة الحالية جرائم في الشرق و الشمال مثل مجزرة بورتسودان و مجزرة كجبار، كما شردت في بواكير قدومها الى السلطة مئات الآلاف من أبناء السودان الأكفاء بمفاهيم الولاء السياسي و الديني، كما ارتكبت الحكومة الديمقراطية مذابح مثل مذبحة جودة، و ارتكبت الحكومة الديمقراطية أيضا خطاء قابيل عندما سلحت بعض القبائل في غرب السودان و تركت الأخرى مما أدى الى اختلال في القوى تعاني منه تلك المناطق إلى الآن. و بالطبع فإن الاعتلال مستمر على جميع الأصعدة إلى الآن فالحركة الشعبية التي تزعم أنها تدافع عن المهمّشين، اعتصمت عن السلطة لاعتبارات سياسية و اقتصادية لأكثر من شهرين و لم تبتعد عن السلطة من أجل دارفور أسبوعا واحدا مما يحملها أيضا جزءا من مسئولية الحرب منذ اتفاقية نيفاشا و إلى الآن.

قد يقول البعض أن الحكومة في السودان هي التي تحشد الحشود و تجبر الناس على الخروج، و بالطبع فقد ناقشت البعض ممن خرجوا بصورة عفوية وواجهتم بالسؤال لماذا الخروج لأولئك و أهل البيت في السودان أولى بالمعروف و التعاطف، ولكن القشة التي قصمت ظهر بعيري و حدت بي لكتابة هذا المقال هو خروج نفر غير يسير من السودانيين في هولندا لمناصرة البشير ضد المحكمة الجنائية الدولية و لسخرية القدر فإن معظمهم من اللاجئين السياسيين الذين فروا من جحيم نظامه في التسعينيات، و البعض قدم من مدن بعيدة بدعم من جهات معلومة للوقوف مع ما يسمونه رمز الدولة، ألم يكن الأحرى بهؤلاء الوقوف مع الضحايا بدلا من الوقوف مع الجلادين، هل لو وقفنا جميعا وقفة أخلاقية ضد الحرب هل كانت لتصل هذه الدرجة من العنف، ما هو أقسى مصير يمكن أن يلاقيه البشير إن ألقي القبض عليه، أليس هو سجنا مريحا و إنسانيا يستغفر فيه ربه عن دماء 2 مليون من السودانيين أزهقت أرواحهم في عهده، بينما أرحم مصير يمكن أن يجده ضحاياه هو أطراف مبتورة جراء القصف العشوائي، أو نزوح جماعي الى دول مجاورة تعاني الفقر أساسا، من هو الأولى بالمساندة، أطاغية جبار و متعنت أم أكثر من مليوني مشرد و ثلاثمائة ألف قتيل في دارفور،- أو على حد زعم البشير 11 ألفاً منهم- كأن الرقم يغير شيئا من حجم المعاناة الإنسانية.

السؤال هل هذا الاعتلال في الضمير أمر أصيل في الذات السودانية أم هو أمر عارض، و شخصيا أعتقد انه أمر مستجد، فلقد أنبأتنا الثقافة الشعبية السودانية الشفهية عن انشغال السودانيين إبان سموهم الإنساني في الخمسينات و الستينات من القرن الماضي بهموم الآخرين بغض النظر عن أعراقهم و أديانهم، و اهتمامهم بحركات التحرر الوطني و مآلات نيكروما و جيفارا و دول آسيا البعيدة، و حتى أغاني البنات كانت تحمل تلك المضامين « يا جنى الماو ماو»، « يلا لي سوريا يا شباب كوريا». و رائعة الفنان الكابلي آسيا و إفريقيا. كل ذلك يعكس ان هناك تدهورا مريعا لم يصب اقتصاد البلاد فحسب بل أصاب إنسانها و ضميره و حسه الوطني في مقتل، نحن الآن في مفترق طرق حقيقي و في وطن يقارب على التفتت فهلا استلهمنا عميق القيم الإنسانية الذي لا مراء أنه كامن فينا، لنقول لكل من أوصلنا إلى هذا الدرك  … كفانا!!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق