آراءسياسة

كتاب: “دفاع أمام المحاكم العسكرية”

عبد الخالق محجوب


♟️يمثل كتاب “دفاع أمام المحاكم العسكرية” للمناضل والمفكر السوداني عبد الخالق محجوب وثيقة سياسية وفكرية فريدة، تجمع بين السيرة الذاتية والدفاع الأيديولوجي والشهادة التاريخية. صدرت هذه الطبعة عن دار عزة للنشر عام 2007، وتضم نصوصاً كتبها محجوب في فترات محاكمة مختلفة؛ أبرزها دفاعه أمام ما عُرف بـ “محكمة الشيوعية الكبرى” عام 1959 في عهد الرئيس إبراهيم عبود، ودفاعه أمام المحكمة العسكرية التي قادته إلى الإعدام في أعقاب فشل حركة 19 يوليو 1971. يسبق هذين النصين مقالة مبكرة له بعنوان “كيف أصبحت شيوعياً؟” نُشرت عام 1954 في سياق هجوم صحفي وديني على الحزب الشيوعي السوداني. يقدم الكتاب، بمقدمته التحليلية القيمة للدكتور عبد الله علي إبراهيم، مادة غنية لفهم تطور الفكر السياسي عند عبد الخالق محجوب، وعلاقة الماركسية بالدين والوطنية في تجربته، وطبيعة الصراع السياسي في السودان خلال تلك الحقب.

📖أولاً: الإطار الفكري: التكوين الذاتي للماركسية السودانية (نص “كيف أصبحت شيوعياً؟”)

◼️يمثل المقال التمهيدي الذي كتبه عبد الخالق محجوب عام 1954، والمُعاد نشره في هذا الكتاب، إجابة مبكرة ومباشرة على حملة تشويه واسعة تعرض لها الحزب الشيوعي، اتهمته فيها جهات دينية وسياسية بمهاجمة الإسلام. يكشف النص عن الأسس الفكرية والعاطفية التي قادت جيلاً من الشباب السوداني المثقف إلى تبني الماركسية، ليس كبديل عن الدين أو التراث، بل كأداة تحليلية لفهم واقع الاستعمار والتخلف.

🔹️يُظهر النص أن اعتناق الماركسية كان نتاج بحث فكري ومعرفي عميق، وليس وليد نزوة أو انبهار أعمى. يصف محجوب كيف أن جيله، بعد الحرب العالمية الثانية، وقف على “قصور الفكرة الوطنية” التقليدية التي ركزت على المطالبة بالاستقلال دون تقديم تحليل علمي لطبيعة الاستعمار أو آليات استغلاله. رأى شباب ذلك الجيل تناقضاً صارخاً بين خطابات بعض الوطنيين وارتهانهم العملي لمصالح القوى الاستعمارية أو للتبعية للتاج المصري. دفعهم هذا الإحباط إلى البحث عن نظرية شاملة تفسر الواقع، فكانت الماركسية.

🔹️يؤكد محجوب أن الماركسية لم تقدم له “ديناً” بديلاً، بل قدمت له “علماً” لفهم المجتمع والتاريخ. ويوضح ذلك بقوله إن الجيش الذي غزا السودان عام 1898 لم يكن يرفع راية الإسلام، وإن الشركات الاحتكارية التي أفقرت الشعب لم تكن تميز بين مسلم ومسيحي. كانت الماركسية بالنسبة له هي المفتاح النظري لكشف زيف الخطاب الاستعماري وتمويهاته، وتجسير الهوة بين المثقف وهموم الجماهير. لم تكن المسألة بالنسبة له مسألة إيمان مقابل إلحاد، بل مسألة معرفة مقابل جهل، ووعي مقابل تخلف. هذا التصور سيتم تطويره لاحقاً في أوراقه النظرية، حيث يقرر أن اعتناق الماركسية ليس تبريراً لخلع الدين، بل هو “تخصيب لذلك الدين بالمعرفة المعاصرة”.

📖ثانياً: دفاع 1959: استراتيجية المقاومة الفكرية في وجه الديكتاتورية

🔹️يمثل الدفاع الذي أعده عبد الخالق محجوب لمحاكمته عام 1959، تحت حكم الفريق عبود، ذروة النضج الفكري والسياسي لديه. المحاكمة، التي سُميت “محكمة الشيوعية الكبرى” بهدف تضخيم خطر الحزب وإدانته شعبياً، انهارت فعلياً قبل أن يُتاح له إلقاء دفاعه بالكامل، بسبب تراجع شاهد الإثبات عن شهادته المنتزعة تحت الضغط. ورغم ذلك، يبقى النص المكتوب للدفاع وثيقة بالغة الأهمية. يمكن تحليل هذا الدفاع وفق المحاور التالية:

1. تفنيد تهمة العداء للدين وإثبات الجذور الوطنية:
يستخدم محجوب استراتيجية ذكية في الدفاع، لا تقوم على نفي تهمة الإلحاد فحسب، بل على قلب الطاولة وبيان أن الماركسية التي يدافع عنها هي وريثة شرعية للقيم الوطنية والأخلاقية السودانية الأصيلة. يربط بين المبادئ الاشتراكية (كالعدالة الاجتماعية، والشورى، ومكافحة الاستغلال) وبين القيم الجماعية في المجتمع السوداني التي لم تفسدها بعد “روح التملك الرأسمالي والفردية”. بهذا، يقدم قراءة سوسيو-ثقافية للماركسية، مؤكداً أنها ليست وافداً غريباً بقدر ما هي بلورة علمية لتلك القيم الجوهرية في الوجدان الجمعي.

2. استعراض سجل النضال الوطني:
يخصص محجوب جزءاً كبيراً من دفاعه لسرد تاريخي مفصل لإسهامات الحزب الشيوعي والحركة الماركسية في الكفاح من أجل استقلال السودان. يذكر هنا:

· دور الطلبة الشيوعيين: نضال الطلبة السودانيين في مصر، وفي مقدمتهم الشيوعيون، من أجل استقلال السودان وحرية الشعب المصري، وتعرضهم للاعتقال والفصل من الدراسة.
· تأسيس الحركة النقابية: يؤكد على دوره الشخصي في مساعدة عمال السكة حديد في عطبرة عام 1947 على بناء أول تنظيم نقابي قوي (هيئة شؤون عمال السكة حديد)، معتبراً تلك الفترة “فترة عزيزة” تعلم فيها معنى الكفاح والاستقامة من عمال السودان، ومن قائدهم التاريخي الشفيع أحمد الشيخ.
· النضال ضد الاستعمار: يعدد تضحيات العمال، وفي مقدمتها استشهاد العامل قرشي الطيب برصاص المستعمرين في عطبرة عام 1948، معتبراً أن الديمقراطية الحديثة في السودان قامت على حيوية النقابات العمالية.
· الجبهة المعادية للاستعمار: يشير إلى دور الحزب (الجبهة المعادية للاستعمار) في انتخابات 1953، كأول حزب ينشر برنامجاً مفصلاً يشمل الاستقلال والإصلاح الاقتصادي، رغم حملات التخويف التي شنها الاستعمار ضده.
بهذا السرد، يحوّل محجوب قفص الاتهام إلى منصة لإثبات أن الحزب الشيوعي لم يكن مجرد “نظرية هدامة” بل كان نسيجاً عضوياً في نسيج الحركة الوطنية السودانية، بل وطليعتها الأكثر تضحية وتنظيماً.

3. الموقف من الديمقراطية والعسكرية:
يقدم الدفاع تحليلاً نقدياً لسقوط الديمقراطية البرلمانية الأولى وانقلاب عبود. لا يدافع محجوب عن عيوب تلك الديمقراطية، بل يقر بوجود فساد وإخفاقات، ولكنه يرى أن العلاج لم يكن في الانقلاب العسكري، بل في تطوير الديمقراطية نفسها وتعزيز سلطة الشعب (السلطة التشريعية) على السلطة التنفيذية. ويرى أن بوادر هذا التطور كانت قد بدأت تظهر قبل الانقلاب مباشرة، مع تمدد النواب على قادتهم ورفض بعض نواب الجنوب للإغراءات. بهذا، يضع محجوب يده على مأزق أساسي في التاريخ السوداني: استبدال ديمقراطية فاسدة بديكتاتورية عسكرية أسوأ، مما يمهد الطريق لدورات متكررة من الانهيار. يؤكد أن الديمقراطية هي “الضمان لمكافحة الفساد”، لأنه لا رقابة على الحكم إلا رقابة الشعب.

4. النزاهة الشخصية والالتزام الأخلاقي:
يصر محجوب في دفاعه على إبراز سجله الشخصي النظيف. يؤكد أنه لم يسلك طريق الإرهاب، ولا تسبب في إراقة دماء، ولم يلجأ للرشوة أو الإغراء أو الإفساد. يقدم نفسه كمفكر وداعية يعتمد على “الشرح والإقناع” والكتابة العلنية. هذا البعد الأخلاقي مهم لفهم شخصيته الكاريزمية، ويشكل جزءاً أساسياً من شرعيته السياسية والمعنوية.

📖ثالثاً: دفاع 1971: صرخة في وجه محكمة الإعدام

◾️يمثل الدفاع الأخير أمام المحكمة العسكرية التي شكلها نظام جعفر نميري بعد فشل حركة 19 يوليو 1971، والمشاركة الشيوعية فيها، فصلاً مختلفاً. هنا، لم يعد الأمر يتعلق بمحاكمة فكرية بقدر ما هو محاكمة سياسية بتهمة المشاركة في انقلاب. تروي المقدمة أن المحكمة عقدت جلساتها سراً بعد أن فشلت في الحصول على شهادة زور من الشاهد حامد الأنصاري في جلسة علنية. هذا وحده دليل على طبيعة المحاكمة غير العادلة.

◾️ورغم أن النص المطبوع هنا هو مجرد دفوعات محدودة، إلا أن السياق يكشف عن موقف عبد الخالق البطولي. فهو لم يتنصل من مسؤوليته السياسية، ولم يطلب عفواً أو يبدِ ندماً. لقد ظل متمسكاً بفكره وبحقه في النضال حتى الرمق الأخير. الحوار المقتضب الذي دار بينه وبين اللواء خالد حسن عباس عقب القبض عليه، والذي ورد في مقدمة الكتاب، يختصر فلسفته كلها: عندما سأله خالد: “ماذا قدمت للبلد؟”، أجاب بكل ثقة: “ساهمت بالوعي، توعية الجماهير بقدر ما أملك.” كان رده بمثابة شهادة ميلاد لوعيه، وشهادة وفاء لمبادئه.

🔹️الخلاصة: عبد الخالق محجوب: أيقونة الوعي السوداني

يقدم كتاب “دفاع أمام المحاكم العسكرية” صورة متكاملة لعبد الخالق محجوب في لحظات مصيرية من حياته. لا يقتصر الأمر على مجرد نصوص قانونية، بل هي شهادة حية على:

1. جدلية الدين والماركسية: يقدم محجوب نموذجاً نادراً للمثقف الماركسي الذي لا يرى تعارضاً بين إيمانه العميق بالقيم الإسلامية الأصيلة وتبنيه للنظرية الماركسية، معتبراً إياها أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية التي هي جزء لا يتجزأ من تلك القيم.
2. الوطني العضوي: يثبت من خلال سرده لمسيرته أن الحزب الشيوعي السوداني كان جزءاً لا يتجزأ من الحركة الوطنية، بل كان أحد أبرز أجنحتها النضالية والتنظيمية، خاصة في الحركة النقابية والطلابية.
3. الداعية الأخلاقي: كان مصدر قوة محجوب، إلى جانب فكره، هو نزاهته الشخصية التي جعلت منه أيقونة يصعب على الخصوم تشويهها، ورجل دولة بالمعنى الأخلاقي للكلمة قبل أن يكون سياسياً.
4. رجل الدفاع عن الديمقراطية: موقفه الواضح والثابت من أن الديمقراطية هي السبيل الوحيد لمكافحة الفساد وتصحيح مسار الحكم، حتى في لحظة تصفية دموية له ولحزبه، يجعل منه رمزاً من رموز النضال من أجل الحريات.

♟️في النهاية، هذا الكتاب هو أكثر من مجرد دفوعات قانونية؛ إنه سيرة ذاتية سياسية، وبيان فكري، وشهادة على لحظة تاريخية. إنه يخلد ذكرى رجل آمن بأن “أثمن ما يمتلك الإنسان حياته، فعليه أن يعيشها حتى لا يشعر بالندم وهو مسجى على فراش الموت، بل ليقول: لقد قضيت حياتي في سبيل أنبل قضية: قضية تحرير البشرية”.


مذكرة تفسيرية من د. عمر شركيان

يعتبر الكتاب الأول أعلاه عن الإبادة البشرية في رواندا العام ١٩٩٤م مرجعاً هاماً في تحليل الخلفية التاريخية والاستعمارية والسياسية والاثنية والثقافية-الاجتماعية، التي أدت في نهاية المطاف إلى الصراع الدموي في تلك الدولة، وتسببت في المجزرة البشرية التي أدت إلى مذبحة ما لا يقل عن ٨٠٠٠٠٠ من اثنية التوتسي والهوتو المعتدلين. إذ كان لي شرف قراءة هذا السفر فور صدوره منذ الوهلة الأولى، وبعد المجزرة مباشرة، بل قمت باستعراضه لأعضاء الجمعية القفافية في مدينة مانشستر البريطانية. إذ تعلمت منه الكثير المفيد في أسلوب التحليل السياسي والثقافي، وكيف يمكن أن تتضافر تلك العوامل، التي يصنعها الإنسان ضد أخيه الإنسان، لتؤدي في نهاية الأمر إلى كارثة بشرية لا يحمد عقباها.
أما السفر الثاني الذي فيه يشرح المؤلف برونيه الإبادة في دارفور، فهو أيضاً كتاب في غاية الأهمية لمن أراد أن يغوص في البحث عن مشكل السودان في دارفور. وقد يجد القاريء بعض الآراء في الكتاب إياه مما يتطلب جزءاً من النقاش المستفيض، الذي قد لا يتطابق مع آراء الكاتب بشيء من التطابق قليل. لعل هذا المبحث الصغير الصادر العام ٢٠٠٥م لم يركز على أزمة دارفور وحدها فحسب، بل تطرّق إلى قضايا سياسية سودانية أخرى، وارتباطها عضويا بالأزمة السودانية بشكل عام. عليه، أود أن أشير إلى أهمية الكتابين، ففي قراءتهما يمكن للقارئ أن يقارن محتواهما بالحال السودانية، وكيف يمكن أن تلعب التناقضات التاريخية والاستعمارية (نفوذ الرحالة الألمان العنصريين، والاستعمار البلجيكي في الحال الرواندية) والاجتماعية والثقافية، ثم الاستغلال السياسي في زرع بذور الفتنة، والتسبب في أزمة وطنية دموية ومأسوية، وبخاصة في غياب الحس الأمني السليم، والإرادة الوطنية الصادقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق