أنجيلا ميركل تكشف عن صورتها الرسمية في معرض المستشارين السابقين بألمانيا
د. محمد بدوي مصطفى
“نعم … نستطيع …”
المدائن بوست – برلين – ١ يوليو 2026
د. محمد بدوي مصطفى
كُشف النقاب عن الصورة الرسمية للمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، والتي ستُضاف إلى معرض صور المستشارين السابقين في مقر المستشارية الألمانية، وذلك خلال حفل أُقيم في متحف بوده بالعاصمة الألمانية برلين، بحضور ميركل وصاحب اللوحة، الفنان الألماني الفرنسي الشاب جيرمي كويراس.
وتُظهر اللوحة ميركل بملامح تجمع بين الحزم والتأمل، مرتدية سترة زرقاء زاهية أمام خلفية ذهبية بنية، في عمل فني يعكس شخصيتها التي ارتبطت بقيادة ألمانيا على مدى 16 عاماً.
ورسم اللوحة الفنان جيريمي كويراس، البالغ من العمر 28 عاماً والمنحدر من مدينة فرايبورغ. وأوضح أن هذا المشروع شكّل نقطة تحول في حياته المهنية، مؤكداً أن إنجاز بورتريه لإحدى أبرز الشخصيات السياسية في أوروبا يُعد تجربة استثنائية بالنسبة له.
من جانبها، وصفت ميركل اختيارها لفنان شاب يصغرها بأكثر من أربعة عقود بأنه “مغامرة صغيرة”، مشيرة إلى أن ما أثار اهتمامها في كويراس هو كونه “شخصاً يعيش بين عالمين”، في إشارة إلى هويته الألمانية الفرنسية وخلفيته الثقافية المتنوعة.
وكان الفنان قد تقدم بطلب لرسم صورة ميركل عام 2022، إلا أنه انتظر نحو ثلاث سنوات قبل أن يحصل على التكليف الرسمي بتنفيذ العمل.
وسيظل البورتريه معروضاً للجمهور في متحف بوده حتى شهر أكتوبر المقبل، قبل أن يُنقل إلى المستشارية الألمانية ليصبح جزءاً من معرض صور المستشارين السابقين، على أن يُعرض هناك على سبيل الإعارة وليس كملكية دائمة.
ويأتي الكشف عن الصورة في إطار التقليد الألماني الذي يقضي بتخليد رؤساء الحكومات السابقين من خلال صور رسمية تُعرض في المستشارية، لتوثيق محطات بارزة في التاريخ السياسي للبلاد، فيما يُنظر إلى لوحة ميركل باعتبارها إضافة فنية تعكس إرث أول امرأة تتولى منصب المستشار في ألمانيا، وأحد أكثر القادة تأثيراً في أوروبا خلال العقود الأخيرة.
وتركت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل ذكرى لن تُنسى، بعدما سطّرت اسمها في صحائف التاريخ الألماني بماء من ذهب. ولم يكن ذلك بسبب بقائها الطويل في الحكم فحسب، بل لأنها ارتبطت في ذاكرة الملايين بمواقف إنسانية وسياسية فارقة، خاصة خلال أزمة اللجوء الكبرى عام 2015، حين قالت عبارتها الشهيرة: “نعم… نستطيع”، في مواجهة موجات الخوف والعنصرية والإقصاء التي اجتاحت أجزاءً من أوروبا.
في ذلك الزمن العصيب يا سادتي، وبينما أغلقت دول كثيرة حدودها، فتحت ألمانيا أبوابها أمام مئات الآلاف من اللاجئين القادمين من سوريا، إضافة إلى جنسيات أخرى أنهكتها الحروب والمآسي. لم يكن القرار سهلاً، بل كان خطوة سياسية وأخلاقية جريئة غيّرت صورة ألمانيا الحديثة أمام العالم، ورسّخت صورة ميركل كزعيمة إنسانية آمنت بكرامة الإنسان قبل الحسابات الضيقة.
وقد شهد الألمان والعالم كيف استُقبل اللاجئون في محطات القطارات بالورود والطعام والهتافات المرحبة، في مشهد نادر جسّد روح التضامن الإنساني. وتحولت ميركل بالنسبة لكثيرين إلى “ماما ميركل”، وهو اللقب الذي أطلقه عليها اللاجئون والشباب تقديراً لسياساتها الهادئة وشخصيتها القريبة من الناس.
وعلى امتداد سنوات حكمها بين 2005 و2021، قادت ميركل ألمانيا خلال أزمات عالمية كبرى، من الأزمة المالية العالمية، إلى أزمة اليورو، ثم جائحة كورونا، واستطاعت أن تحافظ على مكانة ألمانيا كأقوى اقتصاد أوروبي وأكثر الدول استقراراً. كما عُرفت بأسلوبها القائم على العقلانية والهدوء والابتعاد عن الخطابات الشعبوية، الأمر الذي منحها احتراماً واسعاً داخل أوروبا وخارجها.
واليوم، لا يُنظر إلى صورة ميركل الجديدة بوصفها مجرد لوحة فنية تُضاف إلى جدار المستشارية، بل باعتبارها رمزاً لمرحلة كاملة من التاريخ الألماني الحديث، ووجهاً سيبقى حاضراً في ذاكرة أجيال نشأت في عهدها وسط رخاء نسبي وسلام اجتماعي ووئام إنساني، في زمن كانت فيه أوروبا والعالم يواجهان تحولات عاصفة.




