ثقافة وفن

جدلية السكون والصيرورة: هندسة الجملة بين ثبات الاسم وحركة الفعل في النص الأدبي

نور الدين طاهري

إنَّ الإمساك بزمام القول في العربية هو إمساك بزمام الوجود، فاللغة عند العرب لم تكن يوما مجرد وعاءٍ للفكر، بل هي الفكر نفسه في لحظة تجسده، وفي قلب هذا التجسد تقبع الثنائية المؤسسة لكل إبداع: الجملة الاسمية والجملة الفعلية.

إنَّ التمعن في هذا التباين النحوي يفتح أمامنا آفاقا فلسفية وجمالية لا تنتهي، فكل جملة نختارها ليست مجرد صياغة لغوية، بل هي قرار بتبني زاوية نظر معينة تجاه العالم، فعندما يختار المبدع أن يفتتح نصه باسم، فهو يعلن انحيازه للثبات والجوهر والماهية، وعندما يختار فعلا، فهو يقر بالصيرورة والزمن والحركة. إنَّ الفيلسوف واللغوي يدركان أنَّ الاسمية هي «سكون الحركة»، هي اللحظة التي تستحيل فيها الأفعال إلى حقائق راسخة، بينما الفعلية هي حركة الوجود، هي الانفلات من أسر اللحظة إلى رحابة التتابع الزمني، ومن هنا يتشكل النص النثري والشعري كحوارٍ أبدي بين هذين القطبين. في الشعر، نجد أنَّ الجملة الاسمية تعمل كمرساة، تثبت القصيدة في أرض المعنى حين تضطرب العواطف، فالمبتدأ والخبر هما دعامتا البناء اللغوي الذي لا يميل مع ريح الزمن، وبذلك يضفي الشاعر على قصيدته طابع الكلية والعمومية، فكأنَّ كل جملة اسمية في النص هي حكمة مستلة من صميم الوجود، ولنا أن نتأمل في هذا السياق كيف حوَّل الشعراء الجاهليون أطلالهم إلى كينونة خالدة من خلال تصدير أبياتهم بالجمل الاسمية، فـ «قفا نبكِ» فعلٌ يطلب الحركة والدمع، لكن ما يتبعه من وصف للأطلال يتحول سريعا إلى جمل اسمية تصف الحال، وتثبت المشهد في الذاكرة وكأنه حاضر أبدي لا يغيب، وهنا تتجلى عبقرية الصياغة؛ إذ يتحول الفعل الذي يحمل التغير إلى وسيلة للوصول إلى حالة من الاستقرار الاسمي الذي يمنح الشعر قوته التأثيرية. إنَّ المفكرين اللغويين، وعلى رأسهم عبد القاهر الجرجاني في «دلائل إعجاز» و«أسرار البلاغة»، فطنوا إلى أنّ النظم ليس ترتيبا عشوائيا للألفاظ، بل هو ترتيب للمعاني في النفس قبل اللسان، فالفعل في صياغته يعتمد على التجدد، والاسم يعتمد على الاستمرار، وهذا التمييز هو الذي يمنح النص إيقاعه الداخلي، فإذا كان النثر الفني يطمح إلى الإقناع، فهو يلجأ إلى الجمل الاسمية لترسيخ العقائد والمفاهيم، بينما يعتمد في سرده للأحداث على الجمل الفعلية التي تحمل القارئ من مشهد إلى آخر، تماما كما ينتقل السهم من القوس إلى الهدف. إنَّ تعميق النظر في هذه الثنائية يحيلنا إلى قضية «الزمن اللغوي»، فالفعل مرتبط بالزمن النحوي المحدود بماضٍ أو حاضر أو مستقبل، بينما الاسم متعالٍ على الزمن، وهذه الفجوة هي التي يلعب عليها الأديب ليصنع فضاء نصيا يجمع بين تناهي التجربة الإنسانية وخلود المعنى، ففي الرواية الحديثة، نجد أنَّ الجمل الفعلية المكتنزة بالحركة هي التي تبني الحبكة، لكن الجمل الاسمية التي تتخلل السرد هي التي تمنحنا «اللحظات التأملية» التي تتوقف عندها الشخصيات لتدرك ذاتها أو لتتأمل مصيرها، وهي لحظات تشبه في وظيفتها صمت الموسيقي بين نغمات مقطوعة صاخبة، حيث يمتلك الصمت (الاسم) نفس القوة التأثيرية للأنغام (الفعل). وإذا ما انتقلنا إلى الشعر الحديث، نجد أنَّ أدونيس ومحمود درويش قد تعاملا مع هذه الجمل كأدوات لتفكيك الواقع وإعادة تركيبه، فكثير من قصائدهم تبدأ بهجوم فعلي مباغت يكسر رتابة السكون، ثم تنتهي بتقرير اسمي يغلف التجربة بغشاء من الفلسفة، مما يترك لدى القارئ شعورا بالتوازن بين ما حدث وبين ما هو كائن. إنَّ إدراكنا لهذا الدور يغير من نظرتنا للنص، فلم يعد القارئ يتلقى المعنى ككتلة صماء، بل كبناء هندسي يعتمد على توازن دقيق بين قوة الفعل (الديناميكية) وسكينة الاسم (الستاتيكية)، وهذا التوازن هو جوهر البلاغة العربية الذي احتفى به القدامى وحاول المحدثون استغلاله لتطويع اللغة في التعبير عن تعقيدات النفس البشرية في العصر الراهن.

إنَّ الجملة الاسمية هي «الأنا» التي تتأمل، والجملة الفعلية هي «الأنا» التي تفعل، وبينهما تتشكل الذات الكاتبة وتتأرجح في فضائها، فكل فعل يكتبه الكاتب هو محاولة لترك أثر في الزمن، وكل اسم يكتبه هو محاولة للإفلات من قبضته، وهذا التوتر الخلاق هو الذي يمنح الأدب صفة البقاء، إذ إنَّ النصوص التي تنجح في الجمع بين هذين القطبين هي التي تستطيع العيش في كل العصور، لأنها تجمع بين حيوية اللحظة وعمق الرؤية، وبين سرعة التحول ورسوخ الحقيقة. إنَّ الاستعانة بمفاهيم مثل «الاستعارة التداولية» أو «النحو الشعري» توضح لنا أنَّ اختيار نوع الجملة ليس ترفا ذهنيا، بل هو تغلغل في بنية الشعور، فالمتأمل في نصوص كبار الأدباء يجد أنَّ الانتقال من الاسمية إلى الفعلية يشبه التغير في زاوية الكاميرا في السينما، فالفعل يمثل اللقطة القريبة التي ترصد الحركة وتفاصيلها، بينما الاسم يمثل اللقطة الواسعة التي تضع المشهد في إطاره الكلي وتمنحه المعنى العميق. إننا حين نكتب، نحن لا نرصف الكلمات، بل نبني عوالم، والجملة هي وحدتنا البنائية الأساسية، فإذا أردنا للعمل أن يكون نابضا، أكثرنا من الأفعال التي تلاحق أنفاس القارئ، وإذا أردنا له أن يكون رزينا ومفجرا للتأمل، أكثرنا من الجمل الاسمية التي تجعل القارئ يتوقف أمام كل عبارة وكأنها لوحة معلقة. إنَّ الجدلية بين هاتين الجملتين هي التي تمنح اللغة العربية خصوصيتها، فهي لغة تملك مرونة عالية في الانتقال بين الصفتين، وهو ما مكن الشعراء من تطويعها لخدمة كل أغراض القول، من الهجاء اللاذع الذي يعتمد على أفعال الحركة والطعن، إلى الغزل العفيف الذي يغرق في الأسماء والصفات لتخليد المحبوب في مقام الخلود. إنَّ الفكر الإنساني في جوهره يحاول دائما التوفيق بين المتغير والثابت، واللغة العربية بتركيبتها الاسمية-الفعلية هي أصدق تجسيد لهذا المسعى، فهي تمنحنا الأدوات التي تمكننا من وصف العالم كما هو في حالته المتغيرة، وكما نتمناه في حالته الراسخة، وفي هذا التمازج تتجلى براعة الكاتب الذي يعي أنَّ كل كلمة يضعها في سياقها ليست إلا حجر أساس في صرح المعنى الإنساني الأكبر.

إنَّ التعمق في هذا الموضوع يقودنا إلى أنَّ الأدب ليس إلا محاولة مستمرة لترتيب الفوضى في العالم، والجملة بقطبيها هي الأداة التي نستخدمها لترتيب هذه الفوضى، فالفعل يعطي الفوضى مسارا واتجاها، والاسم يعطيها معنى وهدفا، ومن خلال هذا التداخل بين الفعل والاسم يظهر النص ككائن حي، يتنفس بالحركة ويتحلى بالحكمة، ومن هنا يكتسب النثر والشعر قدرتهما على التأثير في الوجدان الإنساني، فكلما زاد الكاتب وعيا بهذه التوازنات، زاد عمق نصّه وقدرته على الصمود أمام عوادي الزمن، فالتاريخ الأدبي لم يحتفِ إلا بالنصوص التي استطاعت أن تدير هذا التوازن ببراعة، تلك النصوص التي تجعل القارئ يشعر وكأنه أمام بحر متلاطم الأمواج (الفعل) في حين يستريح نظره على أفق ثابت (الاسم)، وهذا هو سر الإعجاز في صياغة النص، حيث تتحد الحركة بالسكون ليولد المعنى في أبهى صوره، فاللغة هي الملاذ الأخير للإنسان ليعبر عن كينونته، والجملة هي مسكنه، والاسم والفعل هما دعامتا هذا المسكن، فإذا ما اختلت إحداهما، سقط البناء أو فقد توازنه، ولهذا يظل الأديب المبدع هو ذلك المهندس اللغوي الذي يدرك متى يضع الفعل ليحرك الساكن، ومتى يضع الاسم ليسكن المتحرك، في عملية تبادلية لا تنتهي، تمنح النص جماله الفني، وتمنحه عمقه الفكري، وتجعله قادراً على مخاطبة عقل القارئ وروحه في آنٍ واحد، فالأدب في النهاية ليس إلا رحلة بين الأسماء والأفعال، رحلة يبحث فيها الإنسان عن نفسه في مرايا اللغة، ويحاول من خلالها تفسير الوجود، فالفعل يمثل المحاولة، والاسم يمثل النتيجة، وفي المسافة بينهما يتشكل الإبداع، وتتولد الرؤى، وتنتظم الأفكار في نسق أدبي رفيع يغني الحياة الإنسانية ويثريها بجماليات التعبير وعمق التفكير، فليست اللغة إلا صدىً لأرواحنا، وليست الجملة إلا مرآة لوعينا، فكلما كان وعينا أعمق، كان اختيارنا لتركيب جملنا أكثر دقة، وكلما كان إحساسنا بالكون أدق، كانت لغتنا أكثر قدرة على استيعاب هذا الكون، فهذه الجدلية بين الاسمية والفعلية ليست مجرد قواعد نحوية كما يُدرس في المدارس، بل هي فلسفة كاملة في التعامل مع الوجود، فالحياة فعلٌ مستمر، والحقيقة اسمٌ ثابت، ونحن بينهما نحيا ونكتب ونحاول أن نجد التوازن المفقود، وذلك هو سر الخلود الذي تنشده كل النصوص العظيمة.

المراجع

1- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز

2- تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها

3- أدونيس، مقدمة للشعر العربيa

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق