ثقافة وفن

حين ترقص الذاكرة المغربية… لماذا ظل مهرجان مراكش للفنون الشعبية واقفا بعد 66 سنة؟

في زمن أصبحت فيه كثير من المهرجانات تولد بضجيج كبير ثم تختفي بهدوء بعد سنوات قليلة، يواصل المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش كتابة قصة مختلفة. ليست قصة مهرجان يبحث عن الأضواء، وإنما حكاية ذاكرة اختارت أن تقاوم النسيان.
ستة وستون عاما مرت منذ أن وُلد هذا الموعد الثقافي سنة 1960، ومع ذلك ما يزال يحتفظ بمكانته كأقدم مهرجان وطني بالمغرب، وكواحد من أبرز المشاريع الثقافية التي جعلت من التراث الشعبي رسالة تتجاوز حدود الفرجة، لتصبح دفاعا عن هوية أمة كاملة.
الدورة الخامسة والخمسون، التي احتضنتها المدينة الحمراء ما بين الثاني والسادس من يوليوز تحت شعار “الفنون الشعبية… كنوز الأمس واليوم”، لم تكن مجرد مناسبة لاستعراض الرقصات والأهازيج التقليدية، بل أكدت مرة أخرى أن الثقافة المغربية تمتلك قدرة نادرة على تجديد نفسها دون أن تتخلى عن جذورها.
فالتراث، في النهاية، ليس ثوبا قديما نعلقه في متحف، ولا صورا باهتة في كتب التاريخ، بل هو كائن حي يتنفس مع الناس، ويكبر معهم، ويتجدد كلما وجد من يؤمن بقيمته.
وهذا بالضبط ما نجح فيه مهرجان مراكش منذ انطلاقته.
لقد ظل وفيا لفكرته الأولى؛ وهي أن المغرب ليس مجرد مدن وإدارات ومؤسسات، بل فسيفساء إنسانية وثقافية صنعتها قرون من التراكم الحضاري. ومن هنا، تتحول كل دورة إلى رحلة عبر جغرافية المملكة، حيث تصعد إلى المنصة إيقاعات أحيدوس القادمة من الأطلس، وأحواش من الجنوب، وكناوة من الصويرة، والعيطة من سهول عبدة ودكالة والشاوية، إلى جانب تاسكيوين وغيرها من الكنوز التي تشهد على غنى الشخصية المغربية.
ولعل ما يمنح هذا المهرجان قيمته الحقيقية أنه لم يقع في فخ التقليد الأعمى ولا في إغراء الحداثة الفارغة.
فهو لا يعيش على أمجاد الماضي، كما أنه لا يذوب في موجة الاستعراض السريع التي تستهلكها وسائل التواصل الاجتماعي. بل اختار طريقا ثالثا؛ طريق الوفاء للأصالة مع الانفتاح على التطوير.
وقد تجسد ذلك بوضوح خلال هذه الدورة، من خلال إعادة العرض الرئيسي إلى قصر البديع، الفضاء الذي ارتبط تاريخيا بالمهرجان، وفتح فضاء جديد للعروض بمدرسة ابن يوسف، في مشهد جمع بين روعة المعمار المغربي وأصالة الفنون الشعبية، وكأن التاريخ نفسه كان يشارك في الاحتفال.
كما حمل تكريم فن “العيطة” بصوتها النسائي، من خلال الفنانة زينة الداودية، رسالة ثقافية عميقة مفادها أن التراث لا يعيش إذا بقي حبيس الماضي، بل يستمر عندما يجد أصواتا جديدة تمنحه نفسا معاصرا دون أن تنتزع منه روحه.
ولخص رئيس جمعية الأطلس الكبير، محمد الكنيدري، فلسفة المهرجان بكلمات تختزل كل شيء، عندما اعتبر أن الفنون الشعبية ليست مجرد ذكرى تُحفظ، وإنما حركة تُصان وتُغذى، مضيفا أن “الأمة التي ترقص أمة تتذكر أنها ما زالت حية.”
إنها عبارة تختصر سر هذا المهرجان.
فالرقص هنا ليس ترفا، والموسيقى ليست مجرد تسلية، وإنما شكل من أشكال مقاومة النسيان، وإعلان مستمر بأن الهوية المغربية لا تزال نابضة بالحياة مهما تغيرت الأزمنة.
ولا يمكن لأي مهرجان بهذا الحجم أن يحقق نجاحه اعتمادا على العروض الفنية وحدها، لأن خلف كل منصة ناجحة يوجد جيش من العاملين الذين يشتغلون بعيدا عن الأضواء.
وفي هذا السياق، استحق الجانب التواصلي خلال الدورة الخامسة والخمسين التنويه، حيث برزت المكلفة بالتواصل والإعلام، السيدة سلمى التازي، بحضور مهني لافت، من خلال مواكبة وسائل الإعلام، وتوفير المعلومات في الوقت المناسب، وتيسير ولوج الصحافيين إلى مختلف الفضاءات والأنشطة، وهو ما انعكس إيجابا على جودة التغطية الإعلامية. فالتواصل الناجح ليس تفصيلا تنظيميا ثانويا، بل هو أحد الأعمدة التي تقوم عليها صورة أي تظاهرة ثقافية أمام الرأي العام.
لقد أثبت المهرجان الوطني للفنون الشعبية، مرة أخرى، أن سر استمراره لا يكمن في عدد دوراته، ولا في عمره الطويل، وإنما في وفائه لفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الأمم التي تحفظ ذاكرتها، وتحترم فنونها الشعبية، وتمنحها فرصة الحياة جيلا بعد جيل، هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها بثقة.
ولهذا، لا يبدو مهرجان مراكش للفنون الشعبية مجرد موعد فني يتكرر كل صيف، بل موعد متجدد بين المغرب وذاكرته… وبين الحاضر وجذوره… وبين الإنسان ووطنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق