آراء

البرهان.. هل انكشفت اللعبة؟

محسن عثمان

لم تكن الأيام الـ20 الماضية كسابقاتها في مسرح الأزمة السودانية المتمثلة في حرب 15 أبريل 2023، حيث بدأت الأحداث تتوالى بوتيرة متسارعة، وتحديدا منذ أن وصف كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في أواخر يونيو الماضي، خلال جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان، قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بأنه المعرقل لإقرار هدنة إنسانية في البلاد.

ثم توالت الضغوط، مع تلويح واشنطن بورقة العقوبات على الجيش السوداني بسبب استخدامه أسلحة كيميائية خلال الحرب في عام 2024، وهي الاتهامات التي أكدت عليها رسميا خلال اجتماعات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي السبت الماضي.

وبربط ذلك بخبر لقاء الجنرال شمس الدين الكباشي بمسعد بولس في 21 يونيو بالقاهرة، وما رافقه من تضارب في الروايات داخل سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، بدت الصورة أكثر وضوحا لحجم التحولات والضغوط التي بدأت تطوق قائد الجيش، ليفتح ذلك باب الترقب أمام خطوة منه قد تمهد الطريق لإقرار سلام يحتاجه الشعب السوداني، بينما يرفضه هو وحليفه نظام الحركة الإسلامية الذي أطاحت به ثورة ديسمبر المجيدة.

لكن، بدلا من ذلك، لجأ البرهان إلى أسلوبه المعهود منذ ظهوره على المسرح السوداني، والقائم على المناورة السياسية واللعب على التناقضات، في محاولة لكسب الوقت وبسط قبضته على مقاليد الحكم، تمهيدًا، في تقديري، لإعادة إنتاج نظام سلطوي جديد على أنقاض الحكم المدني الذي يتطلع إليه السودانيون.

نتحدث هنا عن الوثيقة المسربة من مكتبه، والمعنونة إلى رئيس مفوضية السلام، والتي نشرها موقع “ذا ليبرال” الأيرلندي، وتحمل توجيهات من البرهان لرئيس المفوضية بضرورة التنسيق مع مستشاره السياسي، للشروع فورًا في إعداد “الرؤية السياسية والاستراتيجية الشاملة للسودان”، على أن يكون حجر الزاوية فيها إقرار حكم عسكري كامل الصلاحيات لمدة خمسة أعوام، تعقبها انتخابات عامة.

ولم يكتف البرهان بذلك، بل سعى، وفق ما ورد في الوثيقة، إلى تقديم المؤسسة العسكرية باعتبارها السلطة الشرعية في البلاد، بما قد يفضي إلى تحصينها سياسيًا في مواجهة الاتهامات المتعلقة بجرائم الحرب. وإلى جانب ذلك، دعا إلى إطلاق حوار سياسي سوداني ـ سوداني، لكنه حوار مشروط ومحصور في الأطراف الموالية للجيش، مع استبعاد القوى المدنية تحت ذريعة أن “أيديها تلطخت بدماء السودانيين”.

وهو، في رأيي، تعبير حق أريد به باطل، إذ لم تكن القوى المدنية طرفًا في الحرب، بل ظلت تدعو إلى وقفها منذ اندلاعها، كما حذرت من اندلاعها قبل وقوعها. والأهم من ذلك أن هذا التوجه يبدو محاولة للالتفاف على المبادرات الدولية والأممية، التي لا تزال تتمسك بضرورة خروج الجيش من العمل السياسي، واستبعاد الجماعات المتطرفة وحزب المؤتمر الوطني من أي عملية سياسية بعد الحرب.

ومن أبرز ما ورد في الوثيقة أيضا البعد الإقليمي، وتوجيه رئيس سلطة بورتسودان بضرورة التركيز على الرياض من أجل تسويق مشروعه السياسي، وهو رهان قد يمنح البرهان، في المدى القصير، اعترافًا سياسيًا ودعمًا إقليميا، لكنه سيصطدم، في نهاية المطاف، بإرادة السودانيين الذين خرجوا في ثورة ديسمبر مطالبين بالديمقراطية والعدالة والحكم المدني.

ولذلك، فإن من مصلحة الرياض أن تنسجم مع الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء هذه الحرب المأساوية، لا أن تراهن على مشروع يعيد إنتاج الأزمة ذاتها، ويمنح النظام الذي أسقطته الثورة فرصة جديدة للعودة إلى المشهد.

قد ينجح البرهان في كسب الوقت، وقد يجد من يمنحه الغطاء السياسي أو الإقليمي، لكن التاريخ السوداني القريب أثبت أن الشرعية لا تُصنع بالوثائق والتوجيهات السرية، ولا تُفرض بالقوة، فالشعب الذي أسقط نظاما استمر لـ30 عاما لن يتخلى بسهولة عن حلم الدولة المدنية. وإذا كانت هذه الوثيقة تمثل فعليا ملامح المشروع المقبل، فإنها قد لا تكون بداية مرحلة جديدة، بقدر ما تكون صدام جديد بين من يسعون إلى احتكار السلطة، ومن لا يزالون يؤمنون بأن مستقبل السودان سيقوم حتما على الحرية والسلام والعدالة.
……………
محسن عثمان ـ كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق