
فاطمة الزهراء محفوظ
تقوم قصيدة “وصايا جدّة لحفيدتها البضّة” للشاعر عبد العزيز كوكاس على مفارقة وجودية عميقة تجعل من الجسد مسرحًا للزمن، ومن الأنوثة حقلًا للصراع بين الامتلاء والفناء، وبين الازدهار والتآكل. وهي، في جوهرها، وصايا امرأة عجوز لحفيدة شابة على شكل مونولوغ فلسفي طويل تلقيه الشيخوخة في وجه الشباب، إنه اعتراف وجودي حيث تكشف الجدة هشاشته النهائية. لا يتعلق الأمر في هذه القصيدة بأخلاق السلوك أو قواعد العيش كما جرت العادة في أدب الوصايا، وإنما تدعو الجدة حفيدتها إلى أن تعيش جسدها قبل أن يتحول إلى أثر، وأن تحتفي بالحياة قبل أن تصير ذكرى بعيدة.
منذ المطلع يضع الشاعر عبد العزيز كوكاس القارئ أمام رؤية تراجيدية للوجود:
“يا صغيرتي.. حين تغفو الشمس ينبت الألم
لا تستسلمي لخَدَر الأيام”
فالزمن قوة خفية تعمل في الظلام. وحين تغفو الشمس ــ رمز الحياة والطاقة والفتوة ــ يبدأ الألم في النمو مثل نبات طفيلي. إن الألم هو المصير الكامن داخل كل جمال. ومن ثم فإن الوصية الأولى أنطولوجية: لا تستسلمي للزمن.
وتتجلى فرادة النص في أنه يجعل الجسد مركز الفلسفة كلها. فالجدة لا تتحدث عن الروح أو الفضيلة أو النجاة الأخروية، بل عن الشفاه والنهود والشعر والعينين والعنق. وكأن الشاعر يقلب تراثًا طويلًا من احتقار الجسد ليعيد الاعتبار إليه بوصفه المجال الوحيد الذي يختبر الإنسان من خلاله معنى الحياة. حين تقول:
“لا تحرمي شهد شفتيك من عسل قُبل
توقد الشوق والحنين في الثلج”.
فإن القبلة مقاومة للموت، شرارة حرارة في عالم يتجه نحو البرودة. والثّلج في الصورة استعارة للشيخوخة التي تطفئ الرغبات. لذلك تصبح القبلة فعلًا وجوديًا ضد العدم. هذا التصور يبلغ ذروته في حديث الجدة عن الجسد الأنثوي:
“نهداك لا تحجبي جموحهما الفاتن
امنحيهما وسادة لفارس أتعبته الحروب”.
إن النهدين هنا يقدَّمان بوصفهما موضوعًا للغواية وملاذًا إنسانيًا. إنهما مكان للراحة بعد عنف العالم. وكأن الأنوثة تمتلك وظيفة كونية تتجاوز الإيروسية إلى منح السكينة للكائن المتعب. غير أن الوجه الآخر للنص يبدأ عندما تنقلب الجدة من دور الناصحة إلى دور الشاهدة على الخراب. هنا يتحول الخطاب من الاحتفاء إلى الرثاء. ويظهر الزمن باعتباره القوة الكبرى التي لا تُهزم. تقول:
“ربي حجلي أذنيك على غصن جيدك
قبل أن يترهل وتغزوه الأخاديد”.
يتحول العنق في هذه الصورة إلى شجرة، والشيخوخة إلى قوة نحتٍ تحفر الأخاديد في الجسد. كل لحظة جمال تحمل في داخلها إمكانية زوالها. لكن الشاعر لا يكتفي بالتأمل في الشيخوخة، إنه يذهب إلى تفكيك الجسد المتداعي قطعة قطعة. وهنا تبلغ القصيدة جرأتها الفنية والفكرية. فالجدة تستدعي صورتها الماضية ثم تواجه حاضرها المنهار.
كانت تقول عن نفسها:
“هذان الحاجبان كانت تغار منهما أوتار الكمان
وقوس قزح الفتان.
عيناي الباردتين مثل بوابة كهف
تأوي إليه السموم والضواري”.
إنها حركة سقوط مأساوية من الجمال إلى العطب. فالعين التي كانت مصدر الحكايات أصبحت كهفًا للموت. وهذه المفارقة تكشف إحدى أهم أفكار النص: أن الزمن لا يسرق الجمال فقط، بل يحول معناه بالكامل.
وفي القسم الأكثر قسوة من القصيدة، يتحول الجسد إلى أرشيف للفناء:
“أضحى مثل ثلاجة موتى لا تمنح شهوة الحياة لزائريها”
إنها صورة صادمة تنقل الجسد من فضاء الإيروس إلى فضاء الجنائز. فالصدر الذي كان ساحة معركة للحب والرغبة صار مكانًا لحفظ الموتى. هنا نلمس أثرًا لرؤية ألبير كامو لعبثية الوجود، إذ لا يوجد انتصار نهائي للجمال مهما بلغ سحره. وتتصاعد هذه القسوة في المقطع:
“ونهداي مثل شريحة لحم مقدد على حبل الغسيل
بطيختان متدليتان أو حقيبة جلدية عتيقة”
إن الشاعر لا يجمّل الشيخوخة ولا يحاول إضفاء قداسة رومانسية عليها، بقدر ما يواجهها بلغتها العارية. فالجسد الذي كان موضوع الرغبة يتحول إلى شيء مستهلك، فاقد لسلطته الرمزية. لا تستسلم القصيدة للتشاؤم الكامل. فكل هذا الوصف القاسي هو وسيلة للوصول إلى الوصية الأخيرة:
“فامنحي قبلاتك رواء الخصب
قبل أن ترسليها على كرسي متحرك لمن تشتهين”
هنا ينكشف المعنى العميق للنص كله.. ليست الرسالة دعوة إلى المتعة العابرة، تشبه الجدة في هذه القصيدة حكيمًا عجوزًا اكتشف متأخرًا أن الإنسان يخسر شبابه كل يوم وهو يؤجل الفرح. وينتفض احتجاجا ضد تأجيل الحياة وضد وهم الخلود. إن الجسد هو الحقيقة الأولى للوجود، ومن خلاله نختبر الحب والرغبة والفرح والألم. والزمن قوة افتراس كونية لا يمكن هزمها، لكنه لا يملك أن يسلب الإنسان خبرة العيش إذا عاشها كاملة، فالجمال قيمة مؤقتة، لكن الوعي بزواله يمنحه عمقًا أكبر، يصبح الجمال ثمينًا لا لأنه خالد بل لأنه فانٍ.
لهذا تبدو “وصايا جدّة لحفيدتها البضّة” أبعد من قصيدة عن الشيخوخة أو الأنوثة، إنها تأمل وجودي في العلاقة بين الجسد والزمن، بين الرغبة والموت، بين الامتلاء والنقصان. إنها نص يذكّرنا بأن الإنسان كائن يخاف أن يكتشف، في اللحظة الأخيرة، أنه لم يعش حياته بما يكفي. ولذلك فإن الوصية الكبرى التي تتردد بين السطور كلها هي :عِشي قبل أن تتحولي إلى ذكرى لجسد كان يومًا مضيئًا بالحياة.
وصايا جدّة لحفيدتها البضّة
عبد العزيز كوكاس
يا صغيرتي.. حين تغفو الشمس ينبت الألم
لا تستسلمي لخَدَر الأيام
فالبرق الذي يضيء، يُدمي حَمَل الوقت
لا تُحرمي شهد شفتيك من عسل قُبل
توقد الشوق والحنين في الثلج..
لا تسمحي للذباب أن يتناسل على خدك البلّوري
ابتسامتك – يا صغيرتي – أحفظي يناعتها وشموخها
قبل أن تسقط مثل وردة جافة على أحراش الأرض
نهداك لا تحجبي جُموحهما الفاتن
امنحيهما وسادة لفارس أتعبته الحروب.
خصلات شعرك لا تليق سوى بقوس مشدود
لصائد الغزال النبيل..
أو وترا لعازف سمفونية الخلود.
مقلتاك يا وردتي لامعتان، نضّاختان
حصباؤهما الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر وترابهما الكافور
حَصاتهما المسك الأذفر وحافاتهما الزعفران..
اجعليهما منارة للبحارة التائهين في دروب الغيم
ربي حجلي أذنيك على غصن جيدك
قبل أن يترهّل وتغزوه الأخاديد
قبل أن يصبح طينا باردا،
يرتجف تحت قدمين شائختين
وجسد لا يحلم بإعادة التشكل.
كوني شجرة شامخة عصية عن الذبول
فالمرأة التي تسقط عن جسد الرجل مع ماء الحمام
لا تصلح لحطب الذكريات في خريف العمر.
أنظري..
من جهة الدهشة جئت يا صغيرتي
كما سقطت حواء على أول الأرض
عارية، فاتنة، مبتلة برذاذ البهجة والوعود الحالمة
هذان الحاجبان كانت تغار منهما أوتار الكمان
وقوس قزح الفتّان..
كان الناسك المتعبد يفطر لرؤية هلالهما.
كفّ الماء أن يجري في خلجانهما..
عيناي الباردتين مثل بوابة كهف
تأوي إليه السموم والضواري وترتفع منه رائحة زنخة.
سحرهما كان يلف مَن حولي
سيان أعرضتُ بهما أو نظرتُ
في صمتهما ظلت تنبت الحكايات الآسرة!
صدري ساحة معركة، كان..
موجته أوسع من بحر أودعها أسراره ونام على فخذ الرمل
أضحى مثل ثلاجة موتى لا تمنح شهوة الحياة لزائريها..
ونهداي مثل شريحة لحم مقدد على حبل الغسيل..
بطيختان متدلّيتان أو حقيبة جلدية عتيقة
لا تُطعمان مسغبة ولا ترويان عطش الظمآن..
فمي البارع في تقطير الأحلام أضحى مثل غراب بلا رائحة جثة.
لساني المملوء بسحر الزغاريد والأناشيد والحكايات
أنظري.. أفعى نائمة في جحر أمسى،
الحياة اللامعة التي اعتقدت دوما أنها أبعد مدى من خيط برق
غدت مثل محكوم بالإعدام يحتمي من أشعة الشمس بظل المقصلة!
غدا ستنظرين إلى المرآة وتدميك الأسلاك الشائكة للحقيقة
فامنحي قبلاتك رواء الخصب
قبل أن ترسليها على كرسي متحرك لمن تشتهين!




