فلسفة

فلسفة التعليم (4/8)

أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

أبو بكر الصديق على أحمد مهدي
أبو بكر الصديق على أحمد مهدي

أرسطو (Aristotle)

سنتناول في هذه المساحة المتواضعة أرسطو بنفس الطريقة التي تناولنا بها أفلاطون وسقراط؛ أي أننا لن نتناول تاريخاً جاداً أو دراسةً وافيةً لأعمال الفيلسوف أرسطو. ولكننا سنتناوله إرثاً هاماً من فكر فيلسوفنا، الذي أثار جدلاً واسعاً حتى يومنا المعاش. وعلى عكس أفلاطون، لم يسعَ أرسطو إلى بناء دولة مثالية أو مدينة فاضلة أو جنة في الأرض، بل انطلق فكره من الأمور كما هي في حقيقتها إلى تحليلها النقدي.

وهكذا، في كتاباته عن الحياة الأخلاقية وعن الأخلاق، بحث أرسطو عن أولئك الأشخاص وعن تلك السلوكيات التي تُمثل أفضل ما في المجتمع الأثيني، ووصفها وفسرها.  وبالطبع، كان عليه أن يضع معايير واضحة لتمييز الخير الحقيقي عما يبدو ظاهرياً، ولكن حتى هذه المعايير نجده قد بحث هو عنها في الحياة الواقعية الحقيقية.

وقد اعتقد أرسطو، كما اعتقد أفلاطون قبله، أن الناس يجب أن يتعلموا وأن يُثقَّفوا وأن يُدرَّبوا حتى يؤهلهم ذلك الي مكانهم المناسب والملائم في الحياة. وبينما هم يؤدون مهامهم ويؤدون وظائفهم الخاصة، فإنهم يُنمّون (أو لا يُنمّون) فضائل خاصة بهذه المهام وبهذه الوظائف.

ويمتلك أفضل القادة وأفضل الحرفيين وكذلك الزوجات الفاضلات، وأيضاً أفضل العبيد!!! امتيازات أو فضائل، لكن هذه الفضائل تختلف وتتباين من فئة الي أخري. ففضائل الحاكم تختلف عن فضائل العبد الذليل؛ وفضائل الزوج ليست كفضائل الزوجة، وهكذا.

وغالباً ما يشير أتباع نظرية الجماعة المعاصرة بإعجاب شديد إلى أرسطو. وهم أيضاً يؤمنون بأن المجتمع يستطيع، بل ينبغي عليه، أن يفرض مطالب على أعضائه، وأن الحقوق الفردية الشاملة قد يُفرط فيها -إلى حدٍّ يغفل فيه المجتمع عن تقاليده، وقد يفترض أن أي فعل إيثار يتطلب بطولة أخلاقية من الفاعل ويتطلب كذلك تفسيراً عميقاً من الفلاسفة.

في المقابل، نجد أرسطو وأتباع نظرية الجماعة اليوم يُصرّون على أن الحياة الأخلاقية تنبع من ممارسات مجتمعاتنا وما تفرضه علينا هذه الممارسات من مطالب. ومن هذا المنظور، يمكن، بل ينبغي، أن تتجاوز احتياجات المجتمع ورفاهه، أحياناً، حقوق الأفراد، ويتوقع أن يُساهم المواطن الصالح في الدولة، لا أن يُطالبها فقط بحمايتها لحقوق الأفراد.

وكما سنرى لاحقاً، يُجادل العديد من الفلاسفة بأن نموذج أرسطو للحياة الأخلاقية لم يواجه سوى تحديين جديين وهما العدمية الظاهرية لنيتشه والفردية المنطقية لكانط. وسواء اتفقنا مع هذا التقييم أم لم نتفق، فمن الواضح جداً أن النهج الأرسطي للفكر الأخلاقي لا يزال مؤثراً للغاية في زماننا الحاضر الذي نحياه، ولكن.. كيف نحياه؟!

قد يُولي المُربّون اهتماماً خاصاً بفكر أرسطو الأخلاقي، لأنه أرسى نموذجاً للتربية أو للتعليم الأخلاقي، ولا يزال شائعاً ولا يزال سائداً على نطاق واسع. وقد أوصى أرسطو بتدريب الأطفال على أساليب سلوكية أخلاقية سليمة. ويتوافق نموذج أرسطو في التعليم وفي التربية الأخلاقية إلى حد كبير مع نموذج موجود في الكثير من الكتابات الإنجيلية: “درّب الطفل على طريقته، فإذا شاخ، لم يحيد عنه” (من شب على شيء شاب عليه).

آمن أرسطو بأن على المجتمع أن يغرس القيم في الأطفال وأن يسمح لهم بالمشاركة في أنشطة مُشرفة تنشد إلى تنمية الفضائل ذات الصلة. ولكنه لم يكن مُهتماً بتعليمهم، أي تعليم الأطفال، التفكير في المسائل الأخلاقية في سن مبكرة، بل كان يعتقد أن الشباب لا يكونون مُهيئين لمثل هذا التفكير إلا في سن العشرينات من عمرهم.

وبحلول ذلك الوقت، كما جادل وكما ناقش، سيكونون أفراداً صالحين وفاضلين ويُمكن الوثوق بهم في تحليل القضايا الأخلاقية. أما قبل ذلك، فيجب أن يتعلموا الاستجابة الأخلاقية من خلال عادات حسن الخلق. بدورها، ستُهيئ هذه الشخصية الجيدة الأساس الذي يُمكن أن يُبنى عليه التفكير المستقبلي بأمان.

لقد اتبعت، ولا تزال تتبع، العديد من النماذج، نماذج للتعليم وللتربية الدينية أرسطو في تبنيها تعليم وتربية الشخصية. وهم أيضاً يعتقدون بأن على الأطفال أن يتعلموا السلوك القويم أولاً وقبل كل شيء، ثم يُتاح لهم، فيما بعد، التساؤل والتحليل والنقد.

ولا شك أن الكثير منكم قد نشأ وقد شب على هذه الطريقة، وقد يتساءل عند قراءة هذا… هل هناك طريقة أخرى أو أسلوب آخر؟ في الواقع، هناك عدة طرق أخرى وطرق كثيرة. وعلى مدى العقود الأربعة أو تلك الخمسة السالفة، تفوقت نماذج أخرى للتعليم الأخلاقي على هذا النموذج المسمى “نموذج تعليم الشخصية”، وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين، كان نموذج كولبرج (Kohlberg’s model) مؤثراً جداً وللغاية.

في القرن التاسع عشر، ومع ذلك، وفي أوائل القرن العشرين، كان نموذج تعليم بناء الشخصية مقبولاً على نطاق واسع. وقد أصدرت منظمة تُدعى رابطة تنمية الشخصية (Character Development League) “دروس في السيرة الذاتية الأمريكية” للمدارس العامة والتعليم المنزلي. وكان أسلوب العرض، إن لم يكن الفضائل ذاتها، ليرضي أرسطو. وقد رُتبت الدروس حسب “سمات الشخصية”… “الطاعة”، و”الصدق”، و”الإيثار”، و”التفاني في أداء الواجب”، و”الاجتهاد”، و”الشجاعة”، و”العدل”، و”الوطنية”، وغيرها الكثير.

وعلاوة على ذلك، قد تم تنظيم الدروس في شكل تسلسل هرمي خطي؛ وكان من المفروض ومن المفترض أن تعمل كل سمة كأساس للسمة الأخرى. وكان أن جاءت الطاعة أولاً، وقائمة السمات الواحدة والثلاثين، وفقاً “لدروس الشخصية”، “تؤدي إلى حياة سليمة، والي ترسيخ الشخصية”.

بالنسبة لأرسطو، بالطبع، لم يكن مجرد القراءة عن الفضائل وتطبيقها في حياة الآخرين كافياً ولم يكن بالنسبة له شافياً. لأن المرء يتعلم الصدق بممارسة الصدق؛ ويتعلم الطاعة بممارسة الطاعة، وهكذا، فالنظري لا يغني عن العملي. وقد كانت الرابطة على دراية بالحاجة إلى التدريب، وتقترح دروس الشخصية أنشطة عملية للأطفال، بالإضافة إلى القراءات والي المناقشة والمناقشات.

ودائماً، يشعر العديد من فلاسفة التعليم بالقلق إزاء التلقين (التعبئة) الذي يبدو حتمياً في منهج التربية الشخصية. إلا أن هناك فلاسفة تربويين معاصرين يدافعون عن هذه التربية الشخصية، ويوصي العديد من المفكرين اليوم بمزيج من المنهجين، أي بمزج المنهج المعرفي والمنهج الشخصي. ونظراً للقلق مما يبدو أنه ميل متطرف أو متزايد لدى الشباب نحو ممارسات غير مقبولة اجتماعياً أو هي ممارسات ضارة، يُلقي المعلمون نظرة جديدة وأكثر تقديراً لأرسطو المعلم الأول.

وهناك جانب آخر من فكر أرسطو ذو أهمية بالغة للمعلمين اليوم وفي زماننا الحالي. لم يعتقد أرسطو أن الناس قادرون، حتى بجهد بطولي، على ضمان سلوكهم الأخلاقي الثابت، فالظروف تؤثر علينا وتؤثر عليهم غاية التأثير.

وقد نجد أصحاب الفضيلة العظيمة قادرون على تحمل إغراءات كبيرة مماثلة ومشابه، ويمكن الاعتماد عليهم في فعل الجيد وفي فعل الصواب في العديد وفي الكثير من المواقف الصعبة، ولكن حتى الأبطال قد تطغى عليهم ظروف خارجة عن إرادتهم فتأثر فيهم الي الحد البعيد الخطير.

في هذا الاعتقاد، ممكن أن نصرح وأن نقول بأن أرسطو كان أقرب إلى الإغريق الهوميريين (Homeric Greeks) منه إلى فلاسفة الأخلاق اللاحقين. لقد رأى المعضلات المروعة التي تقود الناس الطيبين إلى التدهور والي التقهقر والي المأساة. ويعتبر هذا الموضوع بمثابة موضوع سائد ويعتبر أمر شائع في الفلسفة المعاصرة، وقد وجد قبولاً ولاقى ترحيباً من الكثيرين والكثيرين ممن يعتقدون ويرون أن الفلسفة الأخلاقية أصبحت عقلية للغاية ومنفصلة عن الحياة اليومية.

إنه، بحق، موضوع مثير للاهتمام بشكل خاص ومخصوص للمعلمين، وذلك لأنه يشجعنا على استخدام السيرة الذاتية والأدب بطريقة متكاملة في التربية الأخلاقية. ولا شك أن أرسطو كان سيوافق على هذا التطور أيضاً ويقبل به.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق