ثقافة وفن

مختارات من أنطون تشيخوف

بقلم عبدالله مرير

كتب تشيخوف ما يزيد عن 500 قصة قصيرة ومشهد أدبي ومقال قصيْر طوال مسيرته المهنية، بحلول سن السادسة والعشرين وحدها ونشر 400 منها. كانت العديد من أعماله المبكرة عبارة عن نصوص فكاهية كُتبت للمجلات الهزلية بهدف إعالة أسرته، في حين تُعد قصصه التي كتبها في مرحلة النضج الفني بدءاً من أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر من بين أروع الأعمال في الأدب العالمي.

إذا لم يتسع وقتك لقراءة جميع قصص تشيخوف، فإليك مختارات من أعمال الكاتب في إيجاز ثم نستعرض بعض الجوانب من حياته ونشأته:

الحرباء، 1884

تقع حادثة بسيطة في ساحة السوق بالمدينة: إذ يعضُّ كلبٌ إصبعَ الصائغ(خريوكين)، مما يثير جلبةً في المكان. يصل مفتش الشرطة (أوتشوميلوف) لفض النزاع؛ في البداية، يصرّح المفتش بضرورة القضاء على الكلب وتغريم صاحبه، لكن رأيه يتغير تماماً حين يعلم أن الكلب يخصُّ جنرالاً؛ إذ يصبح (خريوكين) فجأةً هو الملوم لاستفزازه الحيوان. غير أن الأمر يتضح لاحقاً بأن الكلب قد لا يكون ملكاً للجنرال في نهاية المطاف، وحينها يصبح القضاء عليه أمراً حتمياً. تُعد هذه القصة واحدةً من بواكير أعمال تشيخوف التي يقرؤها جميع تلاميذ المدارس، وهي تقدم نقداً ساخراً لكيفية تبدّل مواقف الناس وتلوّنهم كالحرباء، تبعاً للشخص الذي يتعاملون معه: سواء كان مسؤولاً رفيع المستوى أو شخصاً مغموراً لا شأن له.

فانكا 1886

فانكا، الصبي البالغ من العمر تسع سنوات والذي يعمل متدرباً لدى صانع أحذية، يتيم الأبوين. وفي ليلة عيد الميلاد، وبينما كان الجميع قد ذهبوا لحضور القداس، أخرج ورقة مجعدة وبدأ يكتب رسالة إلى جده. يصف الصبي سوء معاملة صانع الأحذية له، ورداءة طعامه، وكيف يتعرض للضرب حتى لأتفه الأسباب، فضلاً عن سخرية المتدربين الآخرين منه. يرجو الصبي جده أن يأتي ويأخذه معه، واعداً إياه بالطاعة ومساعدته في كل شيء، ويقول: أريد الهرب إلى القرية، لكنني لا أملك حذاءً، وأخشى البرد.

هل تؤمن بمعجزات عيد الميلاد؟ تشيخوف لا يؤمن بها كذلك. ونظراً لعدم معرفته بعنوان جده، كتب الصبي على الظرف: (إلى قرية الجد). وقد أصبحت هذه العبارة باللغة الروسية مثلاً شائعاً يُشير إلى المحاولات العقيمة للتواصل مع شخص ما.

التلميذ 1894

بينما كان طالب في الأكاديمية اللاهوتية عائداً إلى منزله، حلّ البرد فجأة وهبت رياح عاتية. وفي غمرة شعور بالكآبة، راح يتخيل كيف كانت تلك الرياح القارسة تعصف في عهدي (روريك) و(بطرس الأكبر)، وكيف ظلت تهب طوال ألف عام لم يتغير فيها شيء؛ إذ لا تزال مظاهر الفقر والحنين والجهل سائدة كما هي. وفي الطريق، يلتقي الطالب بامرأتين ريفيتين أرملتين من قريته: أم وابنتها. ونتيجة لشعوره بالملل، يبدأ بسرد القصة الإنجيلية التي تتناول إنكار بطرس للمسيح، مشيراً إلى أن تلك الليلة لا بد وأنها كانت ليلة باردة وموحشة كتلك التي يعيشونها الآن. فتجهش الأم بالبكاء لسماع كلماته، ويدرك الطالب أنها تشعر حقاً بمعاناة بطرس وألمه، وأن القصة تلامس وجدانها بعمق رغم مرور القرون.

خلال أحداث هذه القصة القصيرة (للغاية)، يمر الطالب بتحول مذهل؛ إذ يكتشف أن قراءة الإنجيل والكتب الكنسية أمر يبعث على الملل، وأن المعنى الحقيقي للحياة لا يتجلى إلا من خلال لقاء الناس الواقعيين وفهم تجاربهم.

المنزل ذو العلية 1896

تُروى القصة من منظور فنان يعيش حياة خاملة، لا همَّ له سوى التنزه واحتساء الشاي. وفي أحد الأيام، يلتقي بأرملة وابنتيها؛ إذ يعشن في المنزل المجاور الذي يضم طابقاً وسطياً (ميزانين). تُبدي الابنة الصغرى (المفعمة بالشباب والحالمة) إعجاباً بلوحات الفنان، فيقع هو في حبها. أما الأخت الكبرى، فهي النقيض التام؛ إذ تتسم بالنشاط والجدية البالغة، وتعمل في مدرسة لتعليم أبناء الفلاحين، وتسعى لإنشاء مركز طبي لخدمتهم… غير أن نزعتها العملية هذه تثير استياء الفنان وتزعجه.

يضع تشيخوف في هذه القصة نمطين من الشخصيات في مواجهة بعضهما البعض: أحدهما لشخصية نشطة وواسعة الأفق، ترى أهمية في مساعدة الناس ولو بأمور بسيطة (وهو مبدأ آمن به تشيخوف نفسه؛ إذ كان يعالج الفلاحين المرضى مجاناً في ضيعته)، والآخر لشخصية تميل إلى الفلسفة، ترى أن العالم بحاجة إلى تغيير جذري، وأنه ما لم يتحقق ذلك التغيير، فلا جدوى من القيام بأي عمل.

رجل في حقيبة 1898

حتى في الطقس الدافئ، يرتدي (بيليكوف) معطفاً ويحمل مظلة داخل غلاف واقٍ؛ بل إن جميع مقتنياته لها أغلفة خاصة بها. إنه يواري وجهه خلف ياقة معطفه، وتسيطر عليه مشاعر الريبة والشك، إذ ينشد النظام والترتيب في كل شيء. ولا تظهر على وجهه ملامح توحي بشيء من البهجة إلا وهو في تابوته؛ إذ وُضع أخيراً في حقيبة لن يغادرها أبداً

يرسم تشيخوف صورة لشخصية منعزلة تسعى للانسحاب من العالم بأسره والانكفاء على ذاتها؛ فحياته كانت خفية، وفارغة، وخالية من أي معنى، لدرجة أنه لم تذرف دمعة واحدة عند رحيله.

لقد تحولت عبارة (الرجل في حقيبة) في اللغة الروسية إلى مصطلح يحمل دلالة سلبية، يُطلق على الأشخاص الذين يخشون الانفتاح على العالم، ويضيعون فرصاً كثيرة لأنهم لا يغادرون أبداً دائرة الراحة المألوفة لديهم.

إيونيتش 1898

يصل طبيب شاب يُدعى ديمتري إيونوفيتش (أو إيونيتش اختصاراً) إلى بلدة ريفية في مهمة نبيلة: علاج الفلاحين مقابل أجر زهيد يكاد لا يُذكر. وتتمثل وسيلته الوحيدة للترويح عن النفس في زيارة عائلة توركين في الأمسيات؛ حيث تقدم العائلة عروضاً فنية وتعزف ابنتهم كاتيا على البيانو. يقع الطبيب في الحب ويتقدم لخطبة الفتاة، لكنها ترفضه لأنها تطمح إلى تحقيق هدف أسمى وأكثر تألقاً.

ومع مرور السنين، يزداد وزن الطبيب ويترهل جسده، وتصبح اهتماماته أكثر دنيوية ومادية؛ إذ تفقد عروض عائلة توركين المنزلية جاذبيتها لديه، ليحل محلها شغفٌ بالمال والراحة المنزلية… كما يتوقف عن المشي لمسافات طويلة ويستعيض عنه بركوب الخيل (وهي تفصيلة بالغة الأهمية عند تشيخوف). فما الذي سيحدث عندما يلتقي بـ كاتيا مجدداً؟

هنا، يجسد تشيخوف موضوعه المفضل: كيف يتحول أصحاب الأحلام إلى أشخاص ضيقي الأفق وماديين (أو ما يُعرف بـ الفيليستيين)، وكيف تبتلعهم تفاصيل الحياة اليومية.

الروح الصغيرة 1898

تتسم (أولينكا) بوداعةٍ بالغةٍ جعلت الجميع يطلقون عليها لقب (دوشيتشكا) أي (الروح الصغيرة أو الحبيبة). إنها تنغمس كلياً في شؤون أزواجها واهتماماتهم وهم رجالٌ يموتون أو يختفون واحداً تلو الآخر بسرعة لافتة؛ بدءاً من متعهد عروض مسرحية، ومروراً بـتاجر أخشاب، ووصولاً إلى طبيب بيطري… فهي ليست مجرد زوجة مخلصة، بل مساعدة كفؤة أيضاً؛ لدرجة أن مفرداتها اللغوية تتغير وتتكيف وفقاً لاهتمامات زوجها.

تُعد هذه القصة واحدةً من أهم الأعمال التي تتناول طبيعة المرأة ودورها؛ ففي روسيا أواخر القرن التاسع عشر، لم يعد يُنظر إلى النساء بوصفهن مجرد أمهات وزوجات، بل بات المجتمع يطالبهن بالتعليم والعمل والمساهمة في النظام الاجتماعي. وهنا، يتأمل تشيخوف هذا الدور الجديد دون أن يُصدر حكماً قاطعاً بشأنه.

قصص تشيخوف القصيرة تضاهي في عمقها وبراعتها الفنية الروايات العظيمة لكُتّاب آخرين. لقد كان سبّاقاً في توجيه اهتمامه نحو الحياة اليومية بدلاً من الدراما المبالغ فيها؛ إذ غالباً ما نجد شخصيات قصصه تذوب في تفاصيل الروتين والظروف المحيطة، دون أن تكون لديها تطلعات خاصة بها. وقد نال هذا الأسلوب إعجاب معاصريه؛ فقد كانت شخصياته تبدو كبشر حقيقيين، ولم يكن تشيخوف يُصدر أحكاماً عليهم أو ينتقدهم، بل كان يراقبهم بعين المراقب المحايد.

وقد كتب مكسيم غوركي إلى تشيخوف مؤكداً أنه لا أحد يضاهيه في الكتابة عن الأشياء البسيطة، قائلاً: بعد قراءة أي قصة لك -حتى تلك التي تبدو أقلها شأناً- يبدو كل ما عداها فجّاً، وكأنه لم يُكتب بقلم، بل بقطعة خشب غليظة.

النشأة والتعليم:

وُلد أنطون بافلوفيتش تشيخوف في 29 يناير 1860 في مدينة تاغانروغ، وهي مدينة ساحلية تقع على بحر آزوف في جنوب روسيا. كان تشيخوف الابن الثالث بين ستة أشقاء؛ أما والده فكان بقّالاً ورساماً ورجلاً متديناً متعصباً ومتقلب المزاج، دأب على ضرب أطفاله بقسوة، كما يُرجح أنه كان يمارس الإساءة العاطفية تجاه زوجته. ومثلما كان الحال مع الكاتب تشارلز ديكنز، لم تكن المصاعب المالية أمراً غريباً على تشيخوف؛ ففي عام 1875، اصطحب والده الأسرة وفرّ بها إلى موسكو هرباً من الدائنين، تاركاً ابنه الشاب أنطون خلفه لمدة ثلاث سنوات أخرى لإنهاء دراسته. وقد تكفل تشيخوف بدفع رسومه الدراسية من خلال صيد طيور الحسون وبيعها، وتقديم دروس خصوصية، وبيع مقالات قصيرة للصحف، وكان يرسل أي مبلغ يتمكن من توفيره إلى عائلته في موسكو.

المسيرة المهنية والإسهامات الأدبية:

في عام 1879، التحق تشيخوف بكلية الطب وانضم إلى عائلته في موسكو. وقد تحمل المسؤولية المالية للأسرة، وبينما كان يتابع دراسته في جامعة موسكو الحكومية، كتب وباع عدداً كبيراً من القصص الفكاهية والمشاهد القصيرة التي تصور الحياة الروسية المعاصرة؛ إذ نشر ما يزيد عن أربعمائة قصة قصيرة ولوحة أدبية ومشهد قصصي قبل بلوغه السادسة والعشرين من عمره.

يُعد تشيخوف نموذجاً بارزاً للكتابة الواقعية، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره مؤسس القصة القصيرة الحديثة. وتتجلى بصمته وتأثيره في أعمال مجموعة متنوعة من الكتاب، بمن فيهم فلانري أوكونور، وتينيسي ويليامز، وويليام سومرست موم، وريموند كارفر، وجون شيفر. وإلى جانب هنريك إبسن وأوغست ستريندبرغ، يُعتبر تشيخوف واحداً من الشخصيات الثلاث المحورية التي أرست دعائم المسرح الحديث.

في عام 1890، قام تشيخوف برحلة شاقة عبر سيبيريا وصولاً إلى مستعمرة العقوبات في جزيرة سخالين، حيث أجرى إحصاءً للسجناء ووثّق ظروفهم القاسية. وقد عمّقت هذه التجربة قناعاته الإنسانية وأثرت في أعماله اللاحقة، مثل قصة (في المنفى) و(العنبر رقم 6.)

ما هو الأسلوب الأدبي الذي اتبعه أنطون تشيخوف؟

أحدث أسلوب تشيخوف الكتابي -الذي يتسم بطابع مراوغ وبساطة ظاهرية تخفي عمقاً كبيراً، حيث يبدو ما لم يُقل أهم بكثير مما قيل- ثورةً في عالمي القصة القصيرة والمسرح. فقد نبذ الحبكات المصطنعة والنهايات المحسومة لصالح تصوير تفاصيل الحياة اليومية: من مشاعر الوحدة، والعلاقات التي لم تكتمل، واللحظات التي تتكشف فيها حقائق صغيرة. وكان يرى أن دور الفنان يكمن في طرح الأسئلة لا تقديم الإجابات، وأن على الكاتب أن يتحلى بموضوعية تضاهي موضوعية الكيميائي.

تتجنب قصص تشيخوف ذلك الطابع الوعظي المباشر والمثقل بالدروس الأخلاقية الذي كان شائعاً في أدب القرن التاسع عشر؛ إذ يرسم شخصياته بمزيج متوازن من التعاطف والسخرية، وغالباً ما تكون نهايات أعماله غامضةً عن عمد وهو أسلوب شكّل تحدياً للقراء الذين اعتادوا على نهايات حاسمة وواضحة. ورغم أن ليو تولستوي كان يكره مسرحيات تشيخوف وهو أمر اشتهر به إلا أنه كان يشيد بقصصه إشادةً كبيرة.

أبرز الأعمال:

يعرف معظم الناطقين بالإنجليزية تشيخوف ككاتب مسرحي، ولا سيما بفضل روائعه الأربع: (النورس) و(العم فانيا) و(الشقيقات الثلاث) و(بستان الكرز).

الحياة الشخصية:

تخرج تشيخوف في كلية الطب بجامعة موسكو الحكومية عام 1884 ومارس مهنة الطب طوال مسيرته الأدبية؛ كما كان يقدم الرعاية الطبية المجانية للفلاحين المقيمين بالقرب من ضياعه الريفية.

شُخِّصت إصابته بمرض السل في عام 1897. وفي عام 1898، وبعد وفاة والده، اشترى أرضاً في يالطا وشيّد عليها فيلا، لينتقل إليها برفقة والدته وشقيقته عام 1899. وفي عام 1901، تزوج من الممثلة أولغا كنيبر، التي كانت قد لعبت دور البطولة في العرض الأول لمسرحية (النورس) على مسرح موسكو للفنون. اتسم زواجهما -إلى حد كبير- بالعلاقة عن بُعد؛ إذ كان تشيخوف يقيم في يالطا لأسباب صحية، بينما كانت أولغا في موسكو لمتابعة مسيرتها المهنية، وقد استمرت علاقتهما بفضل مراسلات مذهلة ضمت أكثر من 800 رسالة. لم يُرزقا بأطفال.

الوفاة والإرث:

تدهورت حالة تشيخوف الصحية جراء إصابته بالسل بشكل مطرد، وفي يونيو 1904 سافر بصحبة زوجته أولغا إلى بلدة (بادنفايلر) الألمانية الشهيرة بمنتجعاتها العلاجية. وهناك وافته المنية في 15 يوليو 1904 عن عمر ناهز الرابعة والأربعين. وحتى لحظاته الأخيرة، ظل تشيخوف محتفظاً بروح الدعابة؛ إذ كانت كلماته الأخيرة: (لم أحتسِ الشمبانيا منذ وقت طويل). وقد حملت كلماته تلك إشارة ساخرة إلى عرف طبي ساد في ألمانيا آنذاك، حيث جرت العادة أن يقدم الطبيبُ للمريض كأساً من الشمبانيا عندما يتيقن من استحالة شفائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق