
فيلم «حافة جبل هاكسو»: «جماليات» العنف وأخلاق الصورة في سينما ميل غيبسون

عبد العزيز كوكاس
يستعير فيلم «حافة جبل هاكسو» Hacksaw Ridge، الصادر عام 2016، من أفلام الحرب التقليدية مسرحها ومفرداتها الأساسية: الجبهة، الجنود، المعسكر، القذائف، الهجوم، الجثث والبطولة. ثم ينقلب على هذا القالب من الداخل، بطله ديزموند دوس يدخل الحرب لكي ينقذ. وهنا لا يعود السؤال السينمائي متعلقاً بمن يربح المعركة أو بمن يملك القوة النارية الأكبر، بقدر ما يصبح سؤالاً أشد تعقيداً: كيف يمكن لإنسان أن يحافظ على ضميره داخل آلة عسكرية لا تعترف إلا بالطاعة والقتل؟ وكيف تستطيع السينما أن تعرض الحرب بكل بشاعتها من دون أن تجعل من الدم فرجة فارغة أو من العنف مادة للإعجاب؟
الفيلم مبني على القصة الحقيقية للمسعف العسكري ديزموند دوس، الجندي الأميركي المنتمي إلى الكنيسة السبتية، الذي رفض حمل السلاح خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه شارك في معركة أوكيناوا وأنقذ عشرات الجنود تحت النار. جعل ميل غيبسون من واقعة تاريخية، وسيلة للتفكير في العلاقة بين الجسد والعنف، بين الإيمان والمؤسسة، بين الفرد والجماعة، وبين الصورة وضمير المتفرج.
يعالج الفيلم الموقع الأخلاقي للفرد داخل التاريخ في لحظات الأزمة الكبرى، فديزموند دوس لا يهرب من جبهة الحرب ولا يقف خارج المأساة ليعطي دروساً للآخرين. إنه يريد أن يكون جزءاً من المجهود العسكري، لكنه يرفض أن يدخل الحرب بلغتها القائمة على إزهاق الأرواح. لذلك فإن شخصيته تضع الفيلم كله داخل مفارقة شديدة الخصوبة: أن تكون جندياً من دون أن تكون مقاتلاً، وأن تخدم بلدك من دون أن تمنح الدولة الحق في مصادرة ضميرك.
بداية من الجحيم: بنية السرد واستباق المأساة
يفتتح ميل غيبسون الفيلم بمشاهد من قلب المعركة، قبل أن يعود بنا إلى ماضي ديزموند في فرجينيا. بداية تشكل حيلة سردية لجذب المتفرج وقرارا جماليا يحدد طبيعة المشاهدة. إذ يرمي بنا الفيلم مباشرة في أرض محترقة، تتناثر فوقها الأجساد الميتة والمحتضرة، ويملأها الدخان والضجيج. حيث ندخل الحرب من باب أثرها المباشر على الجسد البشري.
إنها بداية تحطم الوهم الذي تصنعه غالباً أفلام الحرب عن البطولة باعتبارها مساحة مجيدة ومشرقة. لا توجد هنا صورة نقية للمجد، ولا لقطات احتفالية للجنود وهم يندفعون بثقة. البداية تقول إن الحرب، قبل أن تكون انتصاراً أو هزيمة، هي أولاً خراب حسي: لحم ممزق، أرض موحلة، أصوات استغاثة، وجوه فقدت ملامحها، وحركة لا يستطيع أحد السيطرة عليها.
ثم يعود الفيلم إلى الماضي، إلى الريف الأميركي، إلى البيت والعائلة والحب والكنيسة. وهذا الرجوع يخلق تضاداً بالغ الأهمية بين عالمين بصريين: عالم الحياة قبل أن تتشوه، وعالم الحرب بعد أن تصبح الحياة فيه مهددة في كل ثانية. إن وظيفة هذه المشاهد الهادئة تمنح المتفرج إحساساً بما يمكن للحرب أن تسلبه. لكي ندرك قسوة الدمار، ينبغي أولاً أن نرى معنى الهدوء، وأن نشعر بقيمة الضوء الطبيعي، والجسد الآمن، والعلاقات اليومية، والحب البسيط.
البيت بوصفه جبهة أولى
في القسم الأول من فيلم «حافة جبل هاكسو»، نلمس طبيعة البيت العائلي. الأب توم دوس، الذي يؤديه هوغو ويفنغ، عائد من الحرب العالمية الأولى ويحمل داخله آثارها النفسية العميقة. إنه رجل مكسور أكثر من كونه شريراً، مدمن على الكحول، غاضب، عنيف، ومسكون بذاكرة رفاقه الذين ماتوا في الجبهة. لقد عاد جسده من الحرب، لكن روحه بقيت هناك. نحس أن الحرب تتسرب إلى الحياة المدنية وتعيد تشكيلها. الأب يضرب أبناءه سواء اشرقت المس أو غربت، ويؤذي زوجته صمتت أم تكلمت، إنه أحد ضحايا الحرب الذين لا تعترف بهم الصور الرسمية للانتصارات. في جسده تتجسد فكرة أن العنف لا ينتهي بإعلان الهدنة، إنه يستمر في الذاكرة، في الإدمان، في الخوف، في العنف، وفي العجز عن الحب.
ومن خلال هذه العلاقة العائلية، يصوغ الفيلم مسار ديزموند الأخلاقي. حادثة طفولته حين كاد أن يقتل أخاه كلحظة مواجهة أولى مع إمكانية القتل، استعادة دور قابيل وهابيل. يكتشف الطفل، في لحظة غضب، أن اليد التي تضرب يمكن أن تُنهي حياة. وعندما يقف أمام الوصية «لا تقتل»، يجد اسماً للخوف الذي استيقظ فيه بعد رؤيته أخاه ممددا على الأرض.
هنا ينجح الفيلم في تقديم الإيمان بوصفه تجربة وجودية لا مجرد عقيدة جاهزة. ديزموند يرفض السلاح لأنه تلقى تعليماً كنسياً ولكن أساسا لأنه لمس عن قرب معنى أن تنتزع الروح من جسد. لذلك يصبح موقفه لاحقاً أكثر من التزام طقسي، إنه قرار شخصي مؤسس على معرفة بالخطر الكامن في العنف.
تشكيل الصورة: من ضوء الحياة إلى رماد الجبهة
تتجلى إحدى أبرز جماليات فيلم «حافة جبل هاكسو» في التحول اللوني والبصري بين القسمين الأساسيين: حياة ديزموند في فرجينيا وحياة الجبهة في أوكيناوا. في المشاهد الأولى، يعتمد مدير التصوير سيمون دوغان على ضوء دافئ، وعلى ألوان خضراء وذهبية وبنية تمنح المكان طابعاً حميمياً. تبدو الطبيعة شريك في صناعة شعور الحياة: الأشجار، الهواء، الضوء، والفضاءات المفتوحة كلها تمنح الصورة سعة وطمأنينة.
لكن مع الانتقال إلى الجبهة، تتبدل الألوان جذرياً. تختفي الخضرة المضيئة لتحل محلها ألوان الطين والرماد والدم. يتحول الضوء إلى كتلة رمادية خانقة، وتصبح السماء نفسها معتمة بالدخان. إن هذه التحولات اللونية لا تؤدي وظيفة تجميلية فقط، بل تعكس تحوّل العالم الأخلاقي. ففي فرجينيا، تبدو الطبيعة قابلة للسكن، أما في أوكيناوا فتصير الأرض ذاتها عدواً للإنسان: صخور حادة، طين يلتصق بالأقدام، خنادق تخفي الموت، وأشجار محترقة تشبه بقايا أجساد.
الحافة الجبلية التي تدور فوقها المعركة فضاء رمزي. الصعود إليها يشبه الدخول إلى طبقة أخرى من العالم، عالم لا تسري فيه قوانين الحياة العادية. وما إن يصعد الجنود بالحبال إلى أعلى الجرف حتى يتركون خلفهم، بصورة شبه حرفية، العالم المدني. هناك، فوق الحافة، لا توجد بيوت ولا وجوه مألوفة ولا منطق واضح. توجد فقط الحرب بوصفها انفصالاً عن كل ما يجعل الإنسان إنساناً.
الكاميرا داخل الفوضى
لا يختار غيبسون تصوير المعركة من موقع القائد الذي يراقب تحرك القوات من فوق الخريطة. كاميرته، في معظم مشاهد الحرب، تنزل إلى مستوى الجندي. إنها كاميرا لا تعرف أكثر مما يعرفه المقاتل، ولا ترى أكثر مما يستطيع أن يراه وسط الدخان والخوف. لهذا تكثر اللقطات المتحركة، والاهتزازات، والانتقالات المفاجئة بين القريب والبعيد.
في لحظة، تقترب الكاميرا من وجه جندي مذهول، ثم تنحرف فجأة نحو انفجار، ثم تعود إلى قدم تغرق في الوحل، أو إلى يد تبحث عن جسد مصاب. هذه الحركة لا تسمح للمتفرج بالاستقرار في موقع مريح. لا يمكنه أن يتأمل المعركة من الخارج بوصفها لوحة جميلة أو مشهداً تاريخياً عظيماً. إنه محاصر داخلها، يتعرض لتشوشها، ويعيش انقطاعها عن المنطق.
وهنا تكمن أهمية ما يمكن تسميته بـ»الفوضى المنظمة». مشاهد الحرب في فيلم «حافة جبل هاكسو» ليست عشوائية رغم عنفها. غيبسون يملأ الكادر بعناصر متعددة: جنود يركضون، قذائف تنفجر، أجساد تسقط، نيران تشتعل، أصوات تأتي من خارج الصورة. لكن هذا الامتلاء يجعلنا نعيش ارتباكاً محسوباً. الكاميرا توجه نظرنا باستمرار نحو مركز أخلاقي هو ديزموند، باعتباره الجسد الوحيد الذي يتحرك ضد منطق المكان.
إنها نقطة بالغة الذكاء: الآخرون يقاتلون ليحتلوا الأرض، أما ديزموند فيتحرك داخل الأرض ذاتها بحثاً عن مصاب يحتاج إلى النجدة. لذلك يختلف حضوره في الكادر. الجندي المسلح غالباً ما يُرى في وضعية هجومية، جسده ممتد نحو الأمام وسلاحه موجه إلى الخارج. أما ديزموند فينحني، يرفع، يسحب، يربط الجراح، يحمل ويزحف. حركة جسده ليست حركة غزو، إنها حركة حدب رعاية.
الجسد الممزق والجسد المنقذ
يصر الفيلم على عرض الحرب في بعدها الجسدي الأكثر قسوة. أجساد مفتوحة، مبتورة، محروقة، متروكة في الوحل. وقد يُؤخذ على ميل غيبسون ميله إلى الإفراط في إظهار العنف، خصوصاً أنه مخرج يعرف كيف يحول الألم الجسدي إلى مركز بصري كما في العديد من أفلامه خاصة فيلمه حول المسيح. لكن في «حافة جبل هاكسو»، يبدو الدم وسيلة لمنع المتفرج من تحويل الحرب إلى أسطورة نظيفة. لا يسمح الفيلم لنا بأن نصدق صورة الحرب الشجاعة والمجيدة من دون ثمن. فكل لحظة بطولة عسكرية تحيط بها أجساد مكسورة، وكل تقدم على الخريطة يمر فوق حياة مهدورة. ومن هنا يصبح العنف البصري مرتبطاً بفكرة مهمة: الحرب تدمر صورة الإنسان عن نفسه. فالجنود، وسط الدم والتراب، يفقدون تدريجياً ملامحهم الفردية، يصبحون كائنات تحاول فقط البقاء.
في مقابل هذا الجسد الممزق، يقدم الفيلم جسد ديزموند بوصفه جسداً يعيد للآخرين إمكان النجاة. إنه لا يملك قوة السلاح، لكنه يملك قدرة القرب. في الحرب الحديثة، غالباً ما يقتل الإنسان من مسافة: رصاصة، قذيفة، طائرة، مدفع. أما الإنقاذ فلا يحدث إلا من مسافة قريبة. يتطلب لمس الجرح، حمل الوزن، سماع النفس، رؤية الوجه. ولهذا فإن ديزموند يعاكس منطق الحرب تقنياً وأخلاقياً: حين تسعى الحرب إلى إبعاد الفرد عن ضحيته، يعيد هو الاقتراب من الإنسان.
يطرح فيلم «حافة جبل هاكسو» فكرة إنسانية عميقة: تبدأ الأخلاق من الاعتراف بأن الجسد الآخر ليس شيئاً. الجريح الذي يراه ديزموند ليس «خسارة بشرية»، ولا رقماً في تقرير عسكري، ولا زياً عسكرياً ملطخاً بالدم. إنه إنسان محدد، له وجه وخوف وصوت واسم. والإنقاذ هو إعادة هذا الإنسان من التجريد إلى الفردية.
الحبل: علامة النجاة ورفض السقوط
الحبل الذي يستخدمه ديزموند لإنزال المصابين من أعلى الحافة هو أحد أكثر العناصر السينمائية كثافة في الفيلم. من الناحية الدرامية، هو أداة عملية. لكنه يتحول بالتكرار إلى رمز مركزي. هناك عالم فوق الحافة: عالم الموت، وعالم تحتها: عالم الرعاية والنجاة. والحبل هو الخط الرفيع الذي يصل بينهما.
كل جندي يربطه ديزموند بالحبل ثم ينزله هو جملة أخلاقية بليغة فهو لا يوقف الحرب، ولا يهزم اليابانيين، ولا يغير المسار العام للتاريخ، لكنه ينتزع حياة من آلة الموت. وهذه هي قوة الشخصية: بطولتها تقوم على إنقاذ الممكن داخل عالم لا يمكن إصلاحه كلياً.
وتكرار عبارة «واحد آخر» يكتسب، في هذا السياق، قوة هائلة. الحرب تعمل بمنطق الأعداد: مئات القتلى، آلاف الجرحى، كتائب تتقدم، قوات تتراجع. أما ديزموند فيعيد كل شيء إلى الواحد. «واحد آخر» يعني أن كل حياة لا تزال تستحق جهداً إضافياً. إنه يصر على أن الإنسان لا يمكن أن يصبح إحصاءً.
هذا التكرار بناء إيقاعي. كل مرة نسمع العبارة نشعر أن الجسد بلغ حد الإنهاك، وأن أي محاولة جديدة قد تنتهي بالموت. لذلك لا يصبح التكرار مملاً، بل يتراكم حتى يتحول إلى شكل من أشكال الصلاة من أجل الآخر.
المونتاج: إيقاع بين الحنان والصدمة
يلعب المونتاج دوراً أساسياً في صناعة أثر الفيلم. ففي القسم الأول، نجد الإيقاع أكثر هدوءاً واللقطات أطول نسبياً، والحوار يملك مساحة واضحة. يتيح المونتاج للمتفرج أن يتعرف إلى الشخصيات وأن يشعر بتكون العالم العاطفي للبطل. أما في المعركة، فيتسارع القطع، وتتكاثر الانتقالات، ويصبح الزمن نفسه متكسراً. يعكس المونتاج السريع فقدان السيطرة على الزمن داخل الحرب. في الجبهة، لا يستطيع الجندي أن يعيش اللحظة بوصفها سلسلة منظمة، كل شيء يحدث دفعة واحدة: إطلاق نار، سقوط رفيق، صرخة، انفجار، أمر بالهجوم، ثم صمت مفاجئ. المونتاج ينقل هذه التجربة الحسية، ويجعل المتفرج يعيش الزمن بوصفه شظايا لا بوصفه خطاً مستقيماً.
وفي المقابل، يعرف غيبسون متى يخفف الإيقاع. عندما يصل ديزموند إلى جندي جريح، تتباطأ الحركة غالباً. الكاميرا تقترب، والصوت ينخفض، والزمن يتوقف للحظات. يتحول الإنقاذ إلى مقاومة ضد سرعة الحرب. الحرب تريد أن تدفع الجميع إلى الأمام، إلى الهجوم، إلى النسيان. أما ديزموند فيتوقف. والوقوف عند إنسان جريح، في قلب هذا التسارع الجنوني، هو فعل تمرد.
الصوت والموسيقى: الحرب كضجيج والرحمة كإصغاء
لا تقل هندسة الصوت أهمية عن الصورة. في مشاهد المعركة، فإلى جانب أصوات الرصاص والانفجارات، يبني طبقات صوتية متداخلة: صراخ، أوامر، أنين، طائرات، سقوط أجساد، احتكاك بالأرض، وأصوات تأتي من خارج الكادر. هذا الامتلاء السمعي يجعل المكان مغلقاً وخانقاً. لا يستطيع المتفرج أن يجد موضعاً للصمت، كما لا يستطيع الجنود أن يجدوا موضعاً للأمان.
يدرك الفيلم أن الصمت قد يكون أبلغ من الضجيج. في لحظات الإنقاذ، يخف الصوت فجأة، ونسمع التنفس المتقطع، أو حشرجة المصاب، أو حفيف الحبل. تلك اللحظات تمنح الإنسان مساحة للظهور من جديد. ففي الضجيج، يصبح الجميع جزءاً من الفوضى، وفي الصمت، يعود الفرد بصوته الخاص ووجعه الخاص.
تتجنب موسيقى روبرت غريغسون وليامز، في أفضل لحظاتها، التحول إلى موسيقى انتصار عسكري. إنها ترافق ديزموند بحس روحي ووجداني، لكنها لا تسلب الصورة توترها. تفتح الموسيقى مساحة للتأمل في معنى ما يحدث. خصوصاً في مشاهد الإنقاذ الأخيرة، تصبح الموسيقى أقرب إلى مدّ عاطفي يرفع الفعل من مستوى الواقعة العسكرية إلى مستوى التجربة الإنسانية.
أداء أندرو غارفيلد: بطولة الهشاشة
ينجح أندرو غارفيلد في جعل ديزموند دوس شخصية قابلة للتصديق رغم مثاليتها الظاهرة. لم يلجأ إلى أداء صلب أو إلى لغة جسد بطولية جاهزة. على العكس، يظهر في بداية الفيلم شاباً رقيقاً، مرتبكاً، خفيف الظل، وربما ساذجاً في نظر الآخرين. وهذا الاختيار ضروري لأن الفيلم لا يريد بطلاً لا يخاف، بل يريد أن يثبت أن الخوف لا ينفي الشجاعة. في لحظات الحرب، يتغير جسد غارفيلد تدريجياً. تختفي الابتسامة ويتحول الوجه إلى قناع من التراب والعرق والدم. لكن الشخصية لا تفقد هشاشتها. حتى عندما ينقذ الآخرين، لا يبدو كآلة لا تتعب. يرتجف، يصرخ، يتردد، ينهار، ثم يعود إلى الحركة. وهذه هي قيمة الأداء: ديزموند يحمل الخوف معه ويواصل عمله الإنساني. كما أن غارفيلد يمنح الإيمان بعداً إنسانياً بعيداً عن الجمود. إيمان ديزموند ليس يقيناً متعالياً، ولا سلطة أخلاقية على الآخرين. إنه مصدر قوة ومصدر جرح، لأن صاحبه يدفع ثمنه عزلة وسخرية واضطهاداً. حين يطلب من الله أن يساعده على إنقاذ شخص آخر، يبدو كإنسان وصل إلى حدود قدرته الجسدية.
الإيمان بين التبشير والسؤال الإنساني
لا يمكن إنكار أن الفيلم يحمل بعداً دينياً واضحاً، وأن ميل غيبسون يميل إلى جعل الإيمان المسيحي مركزاً لتفسير شخصية ديزموند. وقد يرى بعض المتفرجين أن هذا الجانب يقترب أحياناً من التبشير. لكن قوة الفيلم أنه لا يختزل الإيمان في الخطاب. القيمة الدينية هنا تظهر حين تتحول إلى سلوك: في رفض قتل الآخر، في التضحية، في تحمل الإهانة، وفي رعاية الجريح حتى لو كان عدواً أو شخصاً سبق أن احتقره.
الفيلم لا يدعونا، في نهاية الأمر، إلى اعتناق عقيدة بعينها بقدر ما يدعونا إلى التفكير في معنى الضمير. إن ديزموند عظيم لأنه يرفض أن يجعل إيمانه ذريعة للانسحاب من العالم. يدخل المأساة لكي يتحمل نصيبه من مسؤوليتها، لكنه يرفض أن يتخلى عن الحد الأخلاقي الذي يجعله إنساناً.
سينما الحرب تعترف بإنسانية الضحية
تكمن قوة «حافة جبل هاكسو» في أنه لا يقدم صورة مثالية عن الحرب، ولا يقدم بطله بوصفه منقذاً سحرياً يطهر العالم من الشر. الحرب تظل قائمة، والدم يظل يسيل، والجنود يموتون. لكن الفيلم يعثر وسط هذا الخراب على سؤال صغير وعظيم: ماذا يمكن أن يفعل فرد واحد حين لا يستطيع إيقاف الكارثة؟
جواب ميل غيبسون ليس سياسياً بالمعنى المباشر، بل أخلاقي وحسي: يمكن للإنسان أن يقترب من الجريح، أن يحمل جسده، أن ينصت إلى أنينه، وأن يرفض تحويله إلى رقم. هنا تتحول السينما نفسها إلى فعل مقاومة. تصبح الصورة مكاناً لإعادة الاعتبار إلى الأجساد التي تحطمها الحرب.
إن «حافة جبل هاكسو» فيلم عن الضمير وعن الجسد، عن الإيمان، لكنه كذلك فيلم عن الضوء والطين والدم والصوت والحبل والوجه المذعور. قوته تأتي من الطريقة التي يحول بها قصة إلى تجربة بصرية كاملة. إنه يذكرنا بأن البطولة قد تكون في القرار الأصعب: أن تظل متمسكاً بإنسانيتك حين يطلب منك العالم أن تتخلى عنها.




